أردوغان واستراتيجيات الانقلاب على الحلفاء والتحالفات

أنقرة – دأب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على اتّباع استراتيجيات وتكتيكات معينة في تحالفاته السياسية وعلاقاته الدولية، بحيث يلجأ إلى الانقلاب على حلفائه في أقرب فرصة تتاح له، بناء على مصالح انتهازية يقوم باستغلالها، بعيداً عن منطق المسؤولية الذي يفترض أن يتحلّى به الحليف تجاه حليفه.

على الصعيد الداخليّ انقلب أردوغان على أصدقاء دربه ورفاق حزبه وحلفائه السياسيين، حتّى بات مضرب مثل في الفتك بالحلفاء والتنكيل بهم حين تتاح له الفرصة، أو يتحيّن الفرص للفتك بهم، وإضعافهم، للاستفراد بالسلطة، وبناء سلطته الدكتاتورية. بحسب ما يؤكّد معارضوه. 

انقلب أردوغان على أصدقائه ورفاقه السابقين كالرئيس السابق عبدالله غول، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان، واتّهمهم باتّهامات، يصفها مناصروهم، بأنّها مختلقة وملفّقة من أجل تشويههم، وسدّ الطريق أمامهم سياسياً كي لا يتمكّنوا من منافسته مستقبلاً، أو لا يستقطبوا أنصاره وقاعدته الحزبية ذات التوجّه المحافظ ناحيتهم..

وانقلب كذلك على حليفه السابق فتح الله غولن الذي اتّهمه بتدبير محاولة الانقلاب الفاشل في منتصف يوليو 2016، وقام باعتقال عشرات الألوف ممّن يشتبه بأنّهم على صلة به، واتّبع استراتيجية عدوانية تجاه حاضنته الشعبيّة، وعمل على اجتثاث مناصريه وأتباعه من مؤسسات الدولة، ليتخلّص من أي خطر محتمل من قبلهم عليه وعلى المقرّبين منه، أولئك الذين يوصفون بالفاسدين المفسدين، من قبل معارضيه.

وعلى الصعيد الخارجيّ، قبل انطلاق الاحتجاجات ضدّ الرئيس السوري بشار الأسد في آذار 2011، كان أردوغان على علاقة وطيدة مع الأسد، ومرّت فتّرة من شهر العسل بينهما، بحيث كثرت زياراتهما، وزيارات مسؤولي البلدين، بين أنقرة ودمشق، واستغلّ حليفه المرحليّ كبوّابة للدخول إلى العالم العربيّ وتوسيع نفوذه واقتصاده من خلال الحدود السورية..

لكنّ شهر العسل ذاك لم يدم طويلاً، وبدأت سياسة أردوغان الانقلابيّة تتجلّى في استعداء بشار الأسد، ودعم المنتفضين عليه، لا من منطلق نصرة المظلومين كما كان يزعم، بل من زاوية وضع وتنصيب حلفاء إسلاميين تابعين لتنظيم الإخوان المسلمين على الحكم في سوريا، ومحاربة أيّ مشروع كرديّ يمكن أن يشكل نواة لخطر لاحق بالأمن القومي التركيّ.

استراتيجية أردوغان الانقلابية لم تقف عند حدود تقديم الدعم الإعلاميّ لمعارضي الاسد، بل ساند التنظيمات الإسلامية المتشدّد، ورعاها ولعبت أجهزة مخابراته دوراً كبيراً في تأسيسها وإنشائها، لتكون أدواته المسلّحة في الحرب السورية التي بدأت بعد الاحتجاجات السلمية ببضعة شهور، وأصبحت سوريا على إثرها ملعباً للجهاديين الذين فتحت تركيا البوّابات والمطارات والحدود لهم، وسهّلت عبورهم إلى الأراضي السورية للانضواء في صفوف التنظيمات المتشدّدة.

الحلفاء الإسلاميّون بدورهم لم يكونوا أصدقاء دائمين لأردوغان وأجهزته الاستخباراتية، بل بدأ تكتيكات الانقلاب عليهم رويداً رويداً، وبدأ بتشليحهم أوراق قوّتهم العسكرية، ممهّداً بذلك لتشكيل قوّة عسكرية من الميليشيات السورية المسلّحة، تابعة له، تأتمر بأوامره، ليقوم بتوجيهها حيث يريد، ومن أجل تمرير مصالحه وسياساته.

أردوغان فقد ثقة حلفائه به
أردوغان فقد ثقة حلفائه به

وجّه أردوغان بنادق تابعيه من التنظيمات الإسلامية صوب المناطق الكردية السورية لوأد مشروع الإدارة الذاتية الكردية التي يرى فيها تهديداً وجودياً على بلاده، وقام بضرب السوريين بعضهم ببعض، منقلباً على حلفائه السابقين، ومحوّلاً إياهم إلى أذرع مسلّحة للنيل من الخصوم..

ثمّ شكّل ألوية وفرقاً عسكرية تدين له بالولاء، كلواء السلطان مراد، وغيره من ألوية المرتزقة، وقام بنقلهم إلى ليبيا للقتال إلى جانب الميليشيات المتشددة في طرابلس، ضارباً عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية، وبحظر تصدير الأسلحة على ليبيا، ومهدّداً حلفاءه الأوروبيين بورقتي الإرهاب واللاجئين، زاعماً أنّه يحمي حصّة تركيا من ثروات المتوسّط، ويؤمّن الحدود البحرية لبلاده..

وفي الملفّ السوريّ لم يفِ أردوغان بتعهّداته التي التزم بها في سوتشي وأستانة لروسيا وإيران، والتي نصّت على طرد المتشدّدين الإسلاميين، وبخاصة هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقاً – من إدلب، والعمل على تطهير إدلب من الإرهابيين، وتسليم الطريقين الدوليين السريعين إم 4 وإم 5 للحكومة السورية، واستغلّ الاتفاقيات لتنصيب اثنتي عشرة نقطة مراقبة تركية في منطقة إدلب، لتكون بمثابة مواقع احتلال تكفل له إدامة نفوذه عسكريّاً وميدانياً هناك، بالإضافة إلى هيمنته على الميليشيات المسلّحة ومصادرته قرارها هناك.

وأردوغان الذي كان وقّع اتفاقية للهجرة مع الاتّحاد الأوروبي سنة 2016 للحدّ من تدفّق المهاجرين إلى دول الاتّحاد، بعد موجة اللاجئين الشهيرة سنة 2015، انقلب على اتفاقيته مع الأوروبيين، وبدأ يمارس سياسة الابتزاز بحقّهم، من أجل حثّهم على تلبية طلباته في الملفين السوري والليبي، ودعمه اقتصادياً وسياسياً.

كما انقلب في هذه الأثناء على شركائه في حلف شمال الأطلسي، وأتمّ صفقة شراء منظومة إس-400 الروسية الصاروخية، على الرغم من معارضة الولايات المتّحدة والناتو لذلك، وأصرّ على إتمام انقلابه بنصب منظومة الصواريخ الروسية التي قالت واشنطن إنّها تشكّل تهديداً على أنظمة حلف الناتو، وقامت على إثر ذلك بإبعاد أنقرة عن برنامج إنتاج طائرة إف-35 المقاتلة، كما هدّدت بفرض عقوبات عليها.

وفي مؤتمر برلين الذي انعقد قبل أيام في ألمانيا، والتزم فيه أردوغان بوقف تصدير الأسلحة والمرتزقة إلى ليبيا، عاد للانقلاب على التزامه بعد أيام قليلة من إعلانه، وواصل إرسال الأسلحة والمرتزقة إلى ليبيا لدعم ميليشيات طرابلس، منقلباً على حلفائه الأوروبيين، وما رشح عن المؤتمر من بنود وتعهّدات..

وقبل ذلك حاول أردوغان الانقلاب على منظمة التعاون الإسلامية، بتنظيم قمّة إسلامية في ديسمبر لالعاصمة الماليزية كوالالمبور، من أجل الحصول على مشروعية تمثيل الزعامة الإسلامية، ولتقديم نفسه كزعيم للعالم للإٍسلامي، إلّا أنّ مخطّطه للانقلاب على شرعية منظمة التعاون باءت بالفشل مع مقاطعة عدد من الإسلامية الوازنة للقمة.. 

أمّا في سياق الأزمة الخليجية فإنّ أردوغان ما يزال يلعب على الخلافات الخليجية ويستغلّ الأزمة من أجل تعزيز نفوذه في قطر، ويقوم بتأجيج العداء تجاه المقاطعة العربية الرباعية، ومحاولاً إبقاء قطر ملحقة سياسياً به، لتكون نافذة لتأجيج الصراعات والأزمات في المنطقة، كي يكفل إدامة وجوده ونفوذه فيها.

ومؤخّراً كان أردوغان على وشك الانقلاب على حليفته المرحلية قطر، وذلك حين سعت قطر في أكتوبر إلى ردم الهوّة بينها وبين السعودية، وقامت بإرسال أرسلت وزير خارجيتها إلى الرياض سراً من دون إخطار الأتراك، وبعدها بشهر نشرت وول ستريت جورنال تسريبات عن زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، فثارت ثائرة أردوغان، الذي حذر القطريين من الاستمرار في التقارب مع السعودية من دون ترتيب معه..

يشير محللون إلى أنّ أردوغان الذي يحترف استراتيجيات الانقلاب على حلفائه، ما يزال يتأهّب للانقلاب على قطر، وأنّ انقلابه عليها ما يزال موشكاً قريباً في حال خالفت قطر أوامره، ومضت في أيّة سياسة في المنطقة من دون ترتيب أو توافق معه، ما يلغي استقلالية القرار القطريّ المزعومة ويبقيه مرهوناً بمصالح تركيا وسياسات أردوغان في المنطقة.