أردوغان ومقولة "عندما يصدق الكذاب يمرض"!

قد يفيد المرء أحياناً من التقليب، بين الحين والآخر، في الدفاتر والكتب القديمة.
وفي هذا الإطار، يقدم هذا الاختراع المذهل المُسمى بالإنترنت مساعدة مذهلة في تصفح الماضي.
"حزب العدالة والتنمية يعقد مؤتمره العام الرابع في شهر سبتمبر 2012 بأنقرة، وأردوغان وإدارة الحزب يصدران منشوراً من 63 مادة، يحصران فيه أهداف الحزب حتى عام 2023".
تناولت وسائل الإعلام التركية أمر هذا المنشور حينها، تحت عنوان "أهداف حزب العدالة والتنمية حتى عام 2023".
مرّ الآن على نشر هذا الخبر حوالي سبع سنوات، استأثر خلالها حزب العدالة والتنمية وحده، وبدون منازع، بالحكم وبالأغلبية داخل البرلمان، أو بمعنى آخر إنه حاز، طوال هذه الفترة، على السلطة وحده، سواء قبل  إقرار النظام الرئاسي الحالي أو بعد إقراره.
دعونا الآن، وبعد مرور هذه الفترة، نستعرض المواد الثلاث والستين، الواحدة تلو الأخرى؛ لنقرر ما إذا كنتُ محقاً في اختيار عنوان مقالي هذا أم لا.
بعض هذه المواد اﻟ 63 هي، في حقيقة الأمر، مجرد مزحة، لا يملك المرء أمامها سوى الضحك.  
فعلى سبيل المثال المادة 6: إزالة كافة المعوقات أمام حرية المشاركة السياسية.
التعليق: لقد مهدوا الطريق بالفعل أمام المشاركة السياسية، ولكن بتعيين المحافظين ورؤساء المقاطعات كأوصياء، بعد أن قاموا بعزل رؤساء البلديات، الذين تم انتخابهم، بعد حصولهم على نسب تصويتية مرتفعة للغاية. وفي رأيي، إن هذه مرحلة حرجة للغاية، وسابقة خطيرة في حياتنا السياسية. 
المادة 12: إعادة تنظيم مسألة الحصانة، بما يتوافق مع الأسس والمعايير الدولية.
التعليق: عندما ننظر إلى النواب المُنتخبين، الذين يقبعون في السجون في الوقت الحالي، وإلى آخرين ألقي بهم في السجون كذلك، استناداً إلى شهود كاذبين، عذراً أقصد استناداً إلى شهادات سرية، فحينها ندرك يقيناً  مدى إصرار حكومة العدالة والتنمية بالفعل على الوفاء بالتعهدات التي قطعتها على نفسها في هذا الاتجاه..!
المادة 34: لا لمصادرة الحريات، تحت ذريعة الحفاظ على الأمن.
التعليق: أعتقد أن قولي "لا أرى مجالاً للضحك" هو أكثر التعليقات بلاغةً، فيما يخص هذا الوعد، على وجه الخصوص؛ إذ لا يزال سليمان صويلو لا يفهم أن توازن الحرية والأمن هو زوج يتحرك في نفس الاتجاه، ولا يزال ذهنه متعلقاً بأفكار قديمة بالية، أثبتت التجربة خطأها.
المادة 37: تخفيض نسبة البطالة حتى 5%. 
التعليق: نسبة البطالة اليوم هي 14%، ونسبة البطالة في المجالات غير الزراعية أعلى من ذلك بكثير.
المادة 39: القضاء على الفقر.
التعليق: لا أعرف حقاً ما الذي يمكن قوله إزاء هذه المادة.  حقاً لا أعرف ماذا أقول. ربما يكون من الأفضل أن أستخدم العبارة التقليدية، التي تُقال في مثل هذه الأمور "لا تعليق".  
المادة 40: رفع نسبة مشاركة الإناث في سوق العمل إلى 38%.  
التعليق: لا يتعدى معدل مشاركة الإناث في القوى العاملة، وفق آخر الإحصائيات، التي نُشرت في أغسطس 2019، نسبة اﻟ 35%.
المادة 41: تقليص نسبة الاقتصاد غير الرسمي (يقصد به كافة الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج نطاق الاقتصاد الرسمي، والذي تقوم الحكومة بضبطه) إلى 15%.
التعليق والوضع الحالي: بلغت نسبة الاقتصاد غير الرسمي 35% في شهر أغسطس 2019. وفي رأيي، إن هذه النسبة وحدها هي أفضل دليل على تقصير حزب العدالة والتنمية.
المادة 45: خفض ​​العجز في نظام الضمان الاجتماعي إلى 1% من الدخل القومي.
التعليق والوضع الراهن: بلغ العجز في نظام الضمان الاجتماعي، اعتبارًا من عام 2019، نسبة 4% من الدخل القومي. وهناك مخاوف من تزايد هذه النسبة خلال الفترة المقبلة.  
المادة 50: إتاحة الفرصة أمام جميع خريجي المدارس الثانوية للالتحاق بالجامعة. 
التعليق والوضع الراهن: لا توجد أي مؤشرات على تحقق هذا الوعد حتى الآن، وإن بدا الأمر مستحيلاً من الناحية العملية.  
والواقع، فإنه لا يمكن إرجاع السبب الرئيس وراء ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل من حملة المؤهلات إلى توقف الاقتصاد عن النمو، ووقوفه عند حد الصفر المئوي فحسب، وإنما إلى المستوى المتدني للتعليم، الذي يشهد تدهوراً كبيراً، باستثناء عدد قليل من الجامعات.
المادة 52: بحلول عام 2023 ستصير تركيا دولةً مصدرة للمعرفة والتكنولوجيا. 
التعليق: بلغت نسبة الصناعات ذات التكنولوجيا المتوسطة والعالية ما يعادل نسبة 3% فقط من إجمالي الصادرات التركية. ومن ناحية أخرى، فنحن بحاجة إلى تعريف المقصود بالتكنولوجيا المتقدمة. أعتقد أن هذا المفهوم غير واضح لدينا. أية سلع فائقة التكنولوجيا تلك التي نقوم بإنتاجها وتصنيعها؟ أعتقد أن الأمور بحاجة إلى مزيد من التوضيح.  
المادة 53: تحويل مجلس التعليم العالي إلى مجلس تنسيقي.  
التعليق: إذا تُركت جميع الصلاحيات الخاصة بالتعليم العالي، بما في ذلك تعيينات رؤساء الجامعات، لرئاسة الجمهورية، فحينها قد يتحول مجلس التعليم العالي إلى مجلس تنسيقي تابع للرئاسة، أو بمعنى آخر يتلقى التعليمات من الرئاسة مباشرة.
المادة 60: لا للحيد عن هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
التعليق: توقفت مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي تماماً، وبالتالي لم يعد ذلك الهدف، الذي تحدث عنه حزب العدالة والتنمية، موجوداً من الأساس، بل، وعلى العكس من ذلك، ساءت علاقة تركيا بجميع دول الاتحاد الاوروبي، باستثناء عدد قليل منها مثل المجر وبولونيا. وحَدِّثْ ولا حرج عن الأزمات التي اختلقها نظام أردوغان مع مفوضية الاتحاد الأوروبي من ناحية، والضجيج الذي يثيره، بين الحين والآخر، ضد زعماء دول رئيسة في الاتحاد الأوروبي مثل أنجيلا ميركل وماكرون من ناحية أخرى.
المادة 61: الاستمرار في اتباع سياسة خارجية فاعلة ومؤثرة.  
التعليق: لن نذهب بعيداً في التعليق على هذه المادة؛ فقد انهارت سياسة تركيا تجاه الشرق الأوسط تماماً، ولم يعد لنا سفراء في عواصم مهمة في المنطقة مثل القاهرة وتل أبيب ودمشق. ناهيك عن علاقة تركيا الحالية بالولايات المتحدة الأميركية، التي تدهورت، هي الأخرى، ووصل الأمر إلى حد تلقينا خطاباً مخزياً لتاريخ الدبلوماسية التركية بكامله، بل ولتاريخ الدبلوماسية العالمية بأسرها. وحَدِّثْ ولا حرج عن أزمتنا الحالية مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ثم بعد ذلك يأتي من يتحدث، بدون خجل، عن "التأثير الفعال للدبلوماسية التركية بالخارج"..


أستعرض، فيما يلي بالترتيب، المواد الـ 63، الواحدة تلو الأخرى، وأرجو منكم البحث فيها عن النجاحات التي حققها أردوغان خلال هذه الفترة:
وقف إجراءات إغلاق الأحزاب السياسية.
إلغاء كافة الأحكام والإجراءات المُقيدة والمُعرقلة لإنشاء الأحزاب السياسية.
إلغاء الأحكام والإجراءات التي من شأنها التأثير على حرية الرأي داخل الأحزاب السياسية.
قصر فرض العقوبات على الأشخاص، وليس على الأحزاب السياسية التي ينتمون إليها.
إزالة كافة المعوقات التي من شأنها عرقلة المشاركة السياسية. 
المراجعة الشاملة للتشريعات الخاصة بالانتخابات.
اتخاذ التدابير اللازمة لضمان العدالة في التمثيل بالبرلمان.
إعادة هيكلة المجلس الأعلى للانتخابات.
إخضاع عدد من القضايا الشائكة، مثل النظام الرئاسي وشبه الرئاسي، وانتماء رئيس الجمهورية لأحد الأحزاب السياسية، للنقاش والبحث.
إعداد دستور جديد للبلاد تحت أي ظرف.
إعادة تنظيم مسألة الحصانة، وفقًا للمعايير العالمية، وفي إطار الدستور الجديد.
سن الحزمة التشريعية الرابعة، في سياق القضاء الناجز، والمحاكمة الإقليمية، وإرساء أسس الديمقراطية.
سن تشريعات تُجرِّم الحض على الكراهية.
تعيين مستشارين في الطب الشرعي في مؤسساتنا العاملة بالخارج.
زيادة عدد  المحاكم المتخصصة ونوعها.
تطبيق نظام المعلومات المسموعة والمرئية لضمان الكفاءة والشفافية في أحكام القضاء. 
قصر السجن في الجرائم البسيطة على بعض "الحالات الاستثنائية" فقط.  
تخفيض أعباء العمل عن المحاكم العليا ومجلس الدولة.
السماح للسجناء والمُعتقلين للاجتماع بزوجاتهم وذويهم.
عدم التقيد باستخدام اللغة الأم أثناء المحاكمات.
إتاحة الفرصة أمام الحصول على الخدمات العامة باللغة التي تتحدث بها الأقليات الموجودة في تركيا.
إنشاء مركز رقابي مستقل لضمان إنفاذ القانون.
اتخاذ كافة التدابير القانونية لحماية البيانات الشخصية للمواطنين.
إنشاء لجان متخصصة لمكافحة التمييز وتحقيق المساواة بين المواطنين.
إلغاء كافة التشريعات والمبررات التي تستند إليها الانقلابات.
حذف أسماء الأشخاص، الذين تورطوا في أية محاولات انقلاب، من الميادين والأماكن العامة في الدولة.
ضمان وحدة القضاء.
تجديد المناهج الدراسية في المدارس العسكرية.
إدراج الترجمة الكردية في الخدمات والمرافق العامة في الدولة.
وضع حد لجميع أنواع التمييز العرقي، الذي يعيق حصول المواطن على حقه من الخدمات العامة. 
إلغاء جميع الأحكام، التي من شأنها خلق أي نوع من أنواع التمييز العرقي بين طوائف المجتمع.   
لا مجال للتراجع عن الحرب، التي تخوضها الدولة في مجال مكافحة الإرهاب في إطار القانون.
لا تنازل عن الحريات، تحت ذريعة الحفاظ على الأمن.
تحويل قوات الدرك إلى جهاز مدني يقوم على حماية القانون وإنفاذه.
إنشاء نظام متكامل لمراقبة الحدود وحمايتها.
خفض معدل البطالة إلى 5%.
تقليص الفجوة التنموية بين المناطق إلى مستويات مقبولة.
القضاء على الفقر وعدم مراعاة التوازن في توزيع الدخل. 
زيادة نسبة مشاركة النساء في القوة العاملة إلى 38%.
تعيين 15 ألف فرد من ذوي الاحتياجات الخاصة في القطاع العام.
تخفيض العمالة غير الرسمية إلى 15%.
زيادة عدد المستشارين الوظيفيين والمهنيين إلى 4 آلاف على المدى القصير.
وضع نظام جديد للموظفين العموميين في الدولة. 
تخفيض عجز الضمان الاجتماعي إلى 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
إلحاق ما لا يقل عن 50% من الأطفال الموجودين في مؤسسات الرعاية الاجتماعية بالمدارس الخاصة.
وضع نظام للربط بين المستشفيات العامة التابعة للدولة.
رفع نسبة الذين يجيدون القراءة والكتابة من السكان، الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، إلى نسبة 100%.  
العمل على أن تكون الشهادة الثانوية أقل المؤهلات التي يحصل عليها الشباب.
منح الفرصة لكل طالب أنهى دراسته الثانوية للالتحاق بالجامعة.
السعي كي تتبوأ تركيا المرتبة الأولى بين دول العالم في الإنفاق على إعداد الأبحاث والتطوير.
تحويل تركيا إلى دولة مُصدرة للمعرفة والتكنولوجيا.
تحويل مجلس التعليم العالي إلى مجلس تنسيقي. 
الاتجاه نحو تحول حضري يبني ولا يهدم. 
إنشاء مساكن صديقة للمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة.
إعمار القرى وإعادة تأهيلها.
تحويل تركيا إلى دولة يعيش ثلثا سكانها على أطراف البلديات الكبرى بها (بتوسيع نطاق المساحات الخاضعة لتلك البلديات).
سن قانون جديد للقرية.
السعي لجعل تركيا في المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر تمثيلًا في الخارج.
 مواصلة السعي لإدراك هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. 
مواصلة السياسة الخارجية النشطة والفعالة. 
السعي لتقليل اعتماد تركيا على الخارج في مجال الصناعات الدفاعية.  
ترسيخ وجود دولة قادرة على التعاطي مع النظام الدولي القائم على منطق أن القوي دائماً على حق.


الخلاصة:

أعتقد أنه من الأجدر لسلطة سياسية حادت عن الأهداف التي وضعتها لنفسها عام 2011، باتباعها سياسة مغايرة تماماً في مجال علاقتها بالاتحاد الأوروبي، وإطلاق الحريات، وإتاحة الفرصة أمام المشاركة السياسية، أن تقف برهة لمحاسبة الذات، وألا تتردد في أن تتقدم باستقالتها، وتدعو إلى انتخابات مبكرة في إطار دستور جديد.
أردتُ، من مقالي هذا، أن أُذكر المواطنين الأتراك، بمن فيهم أتباع حزب العدالة والتنمية، بأهداف الحزب عام 2023، من قبيل الوصول بالدخل القومي التركي إلى 2 تريليون دولار، ورفع نصيب الفرد من الدخل إلى ما يعادل 25 ألف دولار، والتي تحولت اليوم إلى أضحوكة، ومادة نتندر بها.
________________________________________
- هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".


- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 

https://ahvalnews.com/tr/akp/yalandan-kim-olmus
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.