أردوغان يدمر استقلال البنك المركزي التركي

أقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم السبت محافظ البنك المركزي مراد تشيتن كايا بمرسوم رئاسي نُشر في الجريدة الرسمية وعين نائب محافظ البنك مراد أويسال في موقعه.

وتمثل هذه الخطوة المرة الأولى التي يتم فيها إقالة محافظ البنك المركزي التركي منذ إقالة إسماعيل حقي الدين أوغلو على أيدي الجنرالات الذين سيطروا على الدولة في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1980.

أدى التعديل القانوني الذي تم إجراؤه بعد انتخاب أردوغان رئيساً في عام 2014 إلى تخفيض ولاية محافظي البنك المركزي من خمس إلى أربع سنوات ومنح الرئيس سلطة تعيين بديل.

وكان لا يزال أمام تشيتن كايا عشرة أشهر في فترة ولايته البالغة أربع سنوات، والتي بدأت في عام 2016.

وتنص قوانين البنك المركزي على أنه يمكن فصل المحافظين إذا منعهم المرض من القيام بواجباتهم أو إذا ثبت تورطهم في تجارة أو فساد أو تجسس أو إذا تم اكتشاف أن لديهم أسهماً في البنوك أو الشركات الأخرى.

لكن قرار عزل تشيتن كايا يستند إلى قانون صدر بمرسوم طارئ بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016، والذي منح الرئيس سلطة إقالة المسؤولين الذين فشلوا في تحقيق الأهداف المؤسسية.

وهكذا فقد تم عزل تشيتن كايا ليس لعدم امتثاله لقانون البنك المركزي، بل كأحد ما يربو على 100 ألف موظف حكومي تم فصلهم من عملهم بموجب مرسوم منذ محاولة الانقلاب.

وتمثل إقالته مؤشراً آخر على الرئاسة التنفيذية الجديدة في تركيا التي تم تطبيقها العام الماضي. لقد تم القضاء على استقلال البنك المركزي. الآن، في ظل وجود رجل واحد لديه سلطة التعيين أو الفصل كما يرى مناسباً، لا توجد مؤسسة أو فرد يكفل له الضمان القانوني أي حماية.

تعرض تعيين تشيتن كايا لانتقادات بسبب خلفيته الضعيفة في الاقتصاد والبنوك إذ أنه خريج علوم سياسية وإدارة عامة في جامعة بوغازيتشي في إسطنبول. وقد تعرض لانتقادات خلال فترة ولايته لفشله في الدفاع عن استقلالية البنك بشكل كاف والسماح لسمعة المؤسسة بالتآكل.

ومع ذلك أثبت تشيتن كايا أنه كان مستقلاً أكثر من اللازم بالنسبة لحكومة أردوغان التي اختارت فيما يبدو البحث عن محافظ ينفذ رغباتها دون أي استثناء.

بعد إقالة تشيتن كايا بفترة وجيزة، وردت أنباء تفيد بأن أردوغان أبلغ أعضاء الحزب الحاكم في اجتماع عُقد في أنقرة بأن المحافظ قد عُزل لرفضه المطالب المتكررة لخفض أسعار الفائدة. ترى وجهة نظر الرئيس التركي غير التقليدية في الاقتصاد أن تخفيض أسعار الفائدة يقلل التضخم.

وقال فايق أوزتورك المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي ووكيل وزارة الخزانة السابق "عزل الرئيس محافظ البنك المركزي المستقل في منتصف الليل على أساس أنه لم يحقق الأهداف المؤسسية. لقد ضحى المسؤولون بأي ثقة في إدارة اقتصادنا. البنك المركزي في أيدي الحكومة".

قرار إقالة محافظ البنك المركزي قبل انتهاء فترة ولايته خلال فترة الأزمة الاقتصادية العميقة في تركيا سيتم استقباله بشكل سلبي على الأرجح، لا سيما من قبل الأسواق الأجنبية. في واقع الأمر، انخفضت الليرة 2.5 في المئة مقابل الدولار الأميركي صباح الاثنين، إذ وصف المحلل تيم آش إقالة محافظ البنك المركزي بأنها "خطوة حمقاء شاملة".

علاوة على ذلك، تكشف الخطوة كيف أن تشيتن كايا، محافظ البنك المركزي الذي كان يتمتع بالمرونة الكافية للسماح للحكومة بتحويل حصتها من أرباح البنك المركزي إلى الميزانية قبل أربعة أشهر والذي التزم الصمت عندما وُضعت خطط للاستفادة من احتياطيات البنك، لم يستطع إرضاء أردوغان.

وقد حذر دورموش يلماز، النائب عن الحزب الصالح المعارض والذي شغل منصب محافظ البنك المركزي في الفترة من عام 2006 إلى عام 2011، من أنه دون ضمان عدم إقالة الحكومة لمحافظ البنك المركزي، فلن يكون البنك مستقلاً حقاً، مضيفاً أنه يجب وضع مثل هذا الضمان بوضوح في القانون.

وأشار يلماز إلى السياسات التي تحظى بالشفافية لتعيين وفصل الموظفين في البنك المركزي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي كنموذجين مثاليين مما يعزز الثقة من الأسواق العالمية.

وقال يلماز "في هذه المجتمعات، يؤدي هذا إلى انخفاض معدلات التضخم وإلى النمو المرتفع وخلق الوظائف وبرامج الرفاهية القوية. يمكنك الحكم على الممارسات في بلدنا وفقاً لذلك".

وفي أول بيان بصفته المحافظ الجديد، تعهد أويسال بإبقاء جميع قنوات الاتصال مفتوحة وقال إنه سيهدف إلى ضمان استقرار الأسعار، مشيراً إلى أنه سيعقد مؤتمراً صحفياً في المستقبل القريب. لكن من الواضح بالفعل أن أسعار الفائدة ستكون نقطة التركيز الأساسية للمحافظ الجديد.

وتقول البيانات الصادرة عن معهد الإحصاء التركي إن التضخم السنوي قد انخفض إلى 15.72 في المئة، على الرغم من أن البنك المركزي أبقى على أسعار الفائدة عند 24 في المئة منذ بلغ التضخم ذروته في أكتوبر الماضي.

وإذا كانت بيانات المعهد دقيقة، فيجب أن يعلن البنك عن تخفيض كبير في سعر الفائدة عندما يجتمع المجلس المالي في الخامس والعشرين من يوليو - على الرغم من أن بيانات المعهد مثيرة للجدل، إذ يقول كثيرون من خبراء الاقتصاد وساسة المعارضة إن أرقام التضخم يتم التلاعب بها من أجل تحقيق مآرب سياسية.

على أي حال، ستكون أول مهمة يقوم بها أويسال بصفته محافظ البنك الجديد هي تخفيض سعر الفائدة إلى مستوى يرضي أردوغان، والابتعاد عن السياسة الصارمة التي اتبعها البنك في الأشهر الأخيرة.

وفي أنقرة، يتم تفسير الإقالة من قبل الكثيرين على أنها رفض لقبول فشل صهر أردوغان، وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، وإلقاء اللوم على تشيتن كايا في الوضع الاقتصادي الخطير.

تشير الإقالة إلى أن استقلال البنك المركزي في هذه المرحلة موجود على الورق فحسب. من الآن فصاعداً، يمكننا أن نتوقع من الحكومة أن تستخدمه مثل أي من البنوك العامة الأخرى التي تسيطر عليها، وتغوص في خزائنه حسبما ترى مناسباً وربما تشغل مطابعه لطباعة الأوراق النقدية بشكل مبالغ به دون رقيب.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/economic-crisis/erdogan-destroys-turkish-central-banks-independence
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.