أردوغان يهدّد الأوروبيين بتصدير الإرهاب إلى بلادهم

إسطنبول – يهدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأوروبيين بتصدير الإرهاب إلى بلادهم، في محاولاته للضغط عليهم وابتزازهم، من أجل الإذعان لطلباته، أو غضّ النظر عن ممارساته والجرائم التي تقترفها الجماعات المتشدّدة التي يدعمها، وبخاصّة في سوريا وليبيا.

يرفع أردوغان تهديده المعلَن بالقول إمّا الرضوخ لطلباتي أو مواجهة الإرهابيين الذين سيعيد تدويرهم وتصديرهم إلى أوروبا، ويؤكّد من خلال ممارساته أنّه لن يتورّع عن تنفيذ ما يتوعّدهم به إذا لم تتمّ الاستجابة له.

يستغلّ أردوغان رعب الأوروبيين من الإرهاب، ومن مسألة تدفّق اللاجئين إلى دول الاتحاد الأوروبيّ، كما صار سنة 2015، حين فتّح أردوغان الأبواب والحدود أمام اللاجئين السوريين للعبور إلى أوروبا، وما تزال تداعيات تلك الأزمة تثير مشاكل داخلية في الدول الأوروبية التي وقعت تحت الضغط، ولم تكن مستعدّة لاستقبال مئات الألوف من اللاجئين في وقت قصير.

يعتقل أردوغان أكثر من ألف عنصر من عناصر تنظيم داعش في سجونه، ويبقيهم كأدوات ومصادر تهديد يستخدمها بين الوقت والآخر ضدّ الدول التي ينحدرون منها، وضدّ دولّ الاتحاد الأوروبيّ بشكل خاصّ، وقام بالفعل قبل أسابيع بترحيل عدد منهم إلى فرنسا وهولندا والدانمارك وألمانيا، لتأكيد تهديده، وتنفيذه مرحليّاً تبعاً لاستجابة الاتحاد الأوروبيّ لطلباته.  

ويلجأ أردوغان إلى تكرار استعراضه ودعاياته بأن بلاده تحارب الإرهاب، وأنّها تعرّضت لهجمات إرهابية، وتصرّ على ما يصفه بالحفاظ على أمن حدودها وسلامة مواطنيها وكفاحها الدؤوب ضد التنظيمات الإرهابية.

ويزعم كذلك أنّه على مدى السنوات السبعة الماضية، تواجه تركيا مخططات لمحاصرتها اقتصاديا وعن طريق التنظيمات الإرهابية، وأنّها أفشلت تلك المؤامرات. وذلك في الوقت الذي توثّق تقارير إعلامية علاقته الوطيدة بالتنظيمات الإرهابية التي يزعم محاربتها، وكيف كان وما يزال يقوم بتمويلها وتوظيفها من أجل تنفيذ أجنداته وإملاءاته.

وبالتزامن مع ممارسته الضغط على الأوروبيين من أجل الحصول على الدعم الماديّ لتمويل مشاريعه ووعوده بإنشاء منطقة آمنة في شمال شرقي سوريا، بزعم توطين أكثر من مليون لاجئ سوريّ فيها، يشتغل أردوغان على دفع الأوروبيين وإلزامهم بغضّ النظر عن نقله للإرهابيين والمرتزقة إلى ليبيا، للمحاربة إلى جانب الميليشيات المتشدّدة التابعة لتنظيم لإخوان المسلمين هناك.

وتشكّل عملية نقل الإرهابيين والجهاديين والمرتزقة من سوريا إلى ليبيا خطراً على الدول الأوروبية التي ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الإرهابيين الذين سيصبحون على حدودها البحرية الجنوبية، وسيكون البحر المتوسط هو الذي يفصلهم عنها، ما يعني زيادة الأخطار التي تتهدّدهم، والتي من شأنها وضعهم في موقف محرج.

أردوغان يحول ليبيا إلى مستنقع لتهديد أوروبا
أردوغان يحول ليبيا إلى مستنقع لتهديد أوروبا

ويقوم أردوغان بابتزاز الأوروبيّين وترويعهم، وتراه يعيد استعمال الأزمة التي تسبّب بها وافتعلها، وجنى من خلالها مليارات اليوروهات التي قدّمها الاتحاد الأوروبي كمساعدات لأنقرة من أجل احتواء اللاجئين، وكبح تدفقهم إلى أراضيه.

حوّل أردوغان تركيا إلى دولة توصَف بأنها حارسة للحدود الشرقية لأوروبا، وتعامل مع الاتحاد الأوروبيّ بمنطق رجال العصابات، وليس بمسؤولية وواجبات رجالات الدولة، وذلك من أجل تمرير أجنداته المتعلقة بالابتزاز والتوسّع، ومن دون إيلاء أيّ اعتبار لسمعة تركيا وتاريخها، مفضّلاً المكاسب المباشرة الآنية التي يحصل عليها جرّاء ابتزازه، على السياسات الواعية طويلة الأجل، والتي تساعد على النهوض بالدولة والمجتمع.

وبالموازاة مع نقل الإرهابيين الذين يمثّلون أكبر خطر لأوروبا، والذين سيحوّلون ليبيا إلى مستنقع للإرهاب ومصدر لتهديد القارة الأوروبية، بالإضافة إلى دول شمال أفريقيا، والدول المشاطئة للبحر المتوسط، يدفع أردوغان الأوروبيين إلى السكوت على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي أبرمها مع فائز السراج رئيس حكومة الوفاق في طرابلس.

يتجاهل الرئيس التركي مسؤولياته وواجباته كرئيس دولة، ويتعامل بأسلوب أمراء الحرب، وزعماء المافيات، وذلك من خلال المساومة على الأمن والأمان، وإثارة الخشية لدى شركائه الأوروبيين للرضوخ لسياساته التي تتسبّب بكوارث لشعوب المنطقة.

ويستعجل أردوغان فرض أمر واقع على الأرض في ليبيا، وإتمام نقل الإرهابيين إليها، قبل عقد مؤتمر برلين حول ليبيا الشهر المقبل، للتأكيد على قوة موقفه التفاوضي، وتغيير خارطة القوى على الأرض، والتلويح بإمكانية تحرير أولئك الإرهابيين وإطلاق أيديهم للعبور إلى أوروبا.

يكرّر أردوغان أنّ أنقرة عازمة ومصرة على مواصلة سياساتها على أرض الواقع من جهة، وعلى طاولة الدبلوماسية من جهة أخرى، ويزعم أن أبواب الحوار لا زالت مفتوحة في إشارة إلى أنّه يفاوض من منطلق القوة لا الضعف، ومن زاوية التهديد والوعيد وليس المساومة أو الانتظار.

وما يزال الموقف الأوروبي متسماً بالتردد حيال تهديدات أردوغان، وقبل يومين قال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي أنه تحدث مع أردوغان وحذره من تداعيات التدخل العسكري في ليبيا، وقال إن هذه الخطوة من شأنها أن توقع العديد من الضحايا المدنيين ولن تكون في صالح أي جانب.

وأشاد كونتي بتعزيز الاتحاد الأوروبي دوره فيما يتعلق بليبيا، وقال إن هناك ورقة مشتركة بشأن ليبيا، كان قد قدمها مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القمة الأوروبية الأخيرة.