أردوغان يحتاج لانتصار ما ليثبت أنّه ما يزال الزعيم القوي

أنقرة - يجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه في الأشهر الأخيرة، مُحاصَراً بالهزائم السياسية والاقتصادية والانتخابية والحزبية التي تلاحقه وتضغط عليه، وتظهره بمظهره الزعيم الضعيف الذي فقد سطوته وقوّته ويمضي إلى الهاوية بسرعة كبيرة، وهذه صورة مختلفة عن تلك التي كان يظهر عليها سابقاً من قوة وسطوة.

وعلى الرغم من البطش الذي يحرص أردوغان على استعماله ضدّ خصومه، وحرصه على ضرب محيطهم الحيوي، وحاضنتهم الاجتماعية، إلّا أنّه يبدو عاجزاً عن تحقيق أيّ انتصار، ولو شكلياً، ما يزيد المشكلة استعصاء بالنسبة له، ويساهم بمضاعفة الضغوطات الخانقة عليه.

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو 2016، انقلب أردوغان على حليفه السابق؛ فتح الله غولن، وشنّ حملات اعتقال واسعة بحقّ مَن يشتبه أنّهم على علاقة ما به، وكان يقوم من خلال ذلك بتصفية الخصوم الإسلاميين من أجل إحكام قبضته على السلطة، والقضاء على أيّ معارضة إسلامية محتملة، بحيث يمهّد الطريق لحكم استبدادي طويل الأمد، بالتزامن مع التغييرات التي أدخلها على النظام، والانتقال من النظام البرلماني إلى الجمهوري الذي أقرّ في استفتاء 2017.

في تلك المرحلة كان أردوغان يشعر بأنّه قام بتكريس سلطة حزب العدالة والتنمية، وتمكن من الهيمنة على مقدّرات الدولة ومؤسساتها، ونجح في إضعاف العلمانيين، ناهيك عن التنكيل بالأكراد، من خلال تقييد حزب الشعوب الديمقراطي، وسجن برلمانييه، وطرد رؤساء البلديات التابعة له، وتعيين أوصياء من أنصاره على البلديات الكردية، بحيث أضعف خصومه وضاعف تشتيت شملهم بطريقة انتقامية.

ظنّ أردوغان أنّ بإمكانه أن يسلب الرغبة في التغيير من نفوس الأتراك، عبر إشاعة مناخ الخوف، وممارسته سياسات الاعتقال والسجن والحصار بحقّ مَن يشكّ بهم، أو مَن يختلفون معه أو يعارضونه، وظنّ كذلك أنّه قضى على أيّ احتمال لتهديد سلطته التي تمادى في جعلها استبدادية ومضى على طريق الديكتاتورية، على عكس ما كان يعلن طيلة سنوات حكمه.

خابت ظنون أردوغان تباعاً، وبدأت الهزائم والنكسات تنهال عليه، بحيث بات يبحث عن انتصار ما، مهما كان حجمه، ولو كان انتصاراً شكلياً، ليقوم بتضخيمه، ويظهر نفسه أنّه ما يزال الزعيم القويّ المتحكّم بزمام الأمور، والممسك بمقاليد سلطة لا يمكن للخسارات المرحلية أن تنال منها، مهما تراكمت عليها.

لم يتمكّن أردوغان من تحقيق أهدافه في الملفّ السوري، ولم يستطع إنجاز وعوده وتهديداته، سواء كانت تلك التي يطلقها ضدّ النظام السوري المدعوم من روسيا، أو تلك التي يطلقها ضدّ الأكراد السوريين المدعومين من الولايات المتحدة، بل وجد نفسه يائساً أمام قوى كبرى تتحكّم بالمشهد السوري، ولا تفسح له مجالاً واسعاً للمناورة والتغلغل في سوريا، على الرغم من استمراره في دعم ميليشيات إسلامية موالية له، وتسليحها وتوجيه نيرانها إلى هذه الوجهة أو تلك، بحسب ما تقتضي مصالحه.

لم ينجح أردوغان في فرض رؤيته للأزمة السورية، ولم يحقق مؤتمر أستانة الذي انعقد قبل أيام، أيّاً من التطلعات التي كان يصبو إليها ويطالب بها، وظلّ الحديث دائراً في فلك إنشاء لجنة دستورية لصياغة الدستور، في حين أنّ الخشية التركية المتفاقمة من تعاظم دور الأكراد في المنطقة، واستمرار الدعم الأميركي لهم، ظلّت تقضّ مضجع أردوغان الباحث عن أيّ خبر يفيده ليقوم بتصديره على أنّه انتصاره الكبير، ولاسيما أنّه بدأ بفقدان التعاطف من قبل مئات الآلاف من اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، ممّن بدأت حكومته بالتضييق عليهم، وإرجاع عشرات الآلاف منهم رغماً عنهم إلى مناطق النزاع في سوريا

يثير أردوغان سخرية معارضيه ببحثه عن أيّ انتصار
يثير أردوغان سخرية معارضيه ببحثه عن أيّ انتصار

حاول أردوغان إعادة سيناريو غزو عفرين واحتلالها، من خلال التهديد باجتياح شرق الفرات، وتوسيع رقعة سيطرة قوات درع الفرات الموالية له، وطالب بإنشاء منطقة آمنة بإدارة تركية، وحشد القوات والجنود والعتاد على الحدود، وكان بين اليوم والآخر، يظهر هو أو أحد مسؤوليه، للتأكيد على أنّ الأمر جدّيّ، ومتعلّق بالأمن القومي، ولا مجال للتراجع أو المساومة أو التأجيل، لكن ما صدر الأسبوع الماضي من تشكيل مركز عمليات مشترك أميركي تركي أفرغ التهديد التركي من محتواه، وما يزال الغموض محيطاً بتفاصيله والنقاط التي ستكون موضع اختلاف أو اتفاق بين الطرفين.

أظهر الإعلام التركي، الذي يسيطر أردوغان على أكثر من 90 بالمئة منه، إنشاء مركز العمليات المشترك على أنّه انتصار تاريخي لأردوغان الذي يحاول إظهار فائض القوة لديه، ويهدّد ويتوعّد، ومن دون أن يكون مقنعاً في خطابه، أو في تصدير انتصاره المفترض، وذلك لأنّ واشنطن تفرض عليه مزيداً من القيود، وتشلّ تحرّكاته، وهي التي ما تزال تدرس فرض عقوبات على تركيا بعد استلامها لمنظومة الصواريخ الروسية إس-400 الشهر الماضي، تحت قانون مكافحة أعداء أميركا.

أصبحت صفقة إس-400 فخّاً لأردوغان الذي كان يضغط على حلفائه في الناتو، وبخاصة الولايات المتحدة، ووقع في الفخّ الذي نصبه لغيره، لأنّه ضاعف الشرخ بينه وبين الناتو، في الوقت الذي تبدو علاقته مع روسيا موضع قلق له، لأنّه استشعر استعمال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مطامعه وتهافته لتحصيل الصواريخ الروسية من أجل تكريس خلافاته مع الناتو وإبعاده عنه، والتصعيد الذي يمارسه، والتوترات التي يقوم بها في شرق المتوسط قبالة السواحل القبرصية، من مؤشرات تفاقم الأزمة مع الناتو. 

ولم يكن إخراج واشنطن أنقرة من برنامج إف -35 سوى بداية جبل العقوبات التي تهدّد بها، والتي قد تزيد مآسي الاقتصاد التركي الذي يعاني من أزمة مستمرة منذ أكثر من عام ونصف، فقدت فيها الليرة أكثر من أربعين بالمئة من قيمتها، وما تزال مضطربة فاقدة ثقة الأسواق والمستثمرين المتخوفين من عبث أردوغان بالاقتصاد بطريقة بعيدة عن منطق العلم والسوق والاقتصاد.

وعلى الصعيد السياسي الداخلي، جاءت هزيمة حزب أردوغان للمدن الكبرى، وبخاصة إسطنبول التي أعيدت العملية الانتخابية فيها، وفاز فيها مرشّح المعارضة أكرم إمام أوغلو، بمثابة صفعة قاسية له، أفقدته شعوره السابق بالرسوخ والتكريس والتجذّر والقوة، زلزلته من الداخل، وفتحت الباب على مصراعيه أمام انشقاقات كانت تلوح في الأفق، وباتت بحكم الأمر الواقع، بعد استقالة رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان وإعلانه نيته عن تأسيس حزب سياسي، وكذلك التسريبات بقرب إعلان حزب سياسي من قبل رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو الذي جاهر بانتقاداته لفشل سياسات أردوغان وحزبه.

كما يعاني تحالفه الذي يوصف بالهشّ مع حزب الحركة القومية من انعدام الثقة بين الطرفين، حيث يقوم كلّ طرف بتحميل الآخر أسباب الخسارة في الانتخابات المحلية، ويكون تحالفهما موضع شكّ في المرحلة المقبلة التي تبدو فيها الخريطة السياسية الداخلية التركية مقبلة على تغيير كبير. 

يثير أردوغان سخرية معارضيه ببحثه عن أيّ انتصار، مهما بدا صغيراً، ليقوم بتعظيمه، ويغطّي على إفلاسه السياسي والاقتصادي، ويؤكّد من خلاله لمنتقديه أنّه سيعود إلى صدارة المشهد من جديد، وسيتمكن من تضميد جراحه التي يكابر عليها، ويزعم أنّها غير مؤثرة، أو غير موجودة، لأنّها تهزّ صورة الحاكم الأقوى، وتعكس فشله الواقعيّ وتجسّده أمامه بشكل يومي.