أردوغان يخاطر مخاطرة شديدة بالاقتصاد التركي

من المرجح أن يتمخض الهجوم التركي على شمال شرق سوريا عن اضطرابات اقتصادية في ظل شبح الهجمات الانتقامية والعقوبات الأميركية المحتمل فرضها على الاقتصاد المتعثر بالفعل.

يعاني الاقتصاد التركي منذ أن تسببت عقوبات أميركية محدودة وزيادة الرسوم الجمركية على المعادن في نشوب أزمة عملة العام الماضي. فمعدلات البطالة تبلغ مستويات مرتفعة للغاية- نحو 20 في المئة – والليرة لا تزال ضعيفة، في حين أن كاهل الكثير من الشركات والبنوك مثقل بمستويات عالية من الديون.

وتراجعت شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من نحو 50 في المئة إلى ما بين 30 و35 في المئة. وأذكى وجود نحو أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا أيضا حالة السخط والاستياء وساعد ذلك تحالف أحزاب المعارضة على الفوز بخمس من أكبر ست مدن في البلاد خلال الانتخابات المحلية التي أجريت هذا العام. وكانت تلك ضربة قوية لشبكة المحسوبية والمحاباة التي أنشأها أردوغان منذ منتصف تسعينات القرن العشرين.

كما يعكف عدد من أبرز رفاق الدرب السابقين لأردوغان على تشكيل أحزاب منافسة من المرجح أن تفتت أصوات حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وفي مواجهة ذلك، يبدو أن أردوغان قد آثر السعي إلى حشد الجماهير وراءه في قضية قومية.

غير أن المعارضين لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قوات بلاده من الحدود التركية السورية للسماح بشن العملية التركية يكسبون أرضا جديدة على ما يبدو.

فقد انتقد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وهو واحد من أشد مؤيدي ترامب، قرار الرئيس الأميركي "التخلي دون خجل" عن شركاء الولايات المتحدة من الأكراد، وقدم مشروع قانون أعده الحزبان الجمهوري والديمقراطي يوم الأربعاء لفرض عقوبات على تركيا ما لم تقر الإدارة الأميركية للكونغرس كل 90 يوما بأن تركيا لا تعمل في الأراضي السورية.

وسوف تستهدف العقوبات أردوغان وكبار وزرائه وأي مواطن أجنبي يقدم الدعم للجيش التركي. كما يستهدف مشروع القانون قطاع الطاقة ويطالب بفرض عقوبات سريعة على تركيا بسبب شرائها منظومة دفاع صاروخية روسية ويحظر المبيعات العسكرية الأميركية لتركيا.

وأشار ترامب أيضا إلى أنه سيدمر الاقتصاد التركي إذا تجاوز أردوغان الحدود في تركيا.

وقال ترامب: "أوافق على العقوبات، لكنني في الواقع أفكر فيما هو أشد كثيرا من العقوبات إذا لم يفعل ذلك بشكل إنساني قدر الإمكان"، في إشارة إلى العملية العسكرية التي شنها أردوغان.

وأبلغ ترامب الصحفيين أن مفهوم كلمة "إنساني" في سياق العملية العسكرية التركية ينبغي بلورته طوال سير العملية. وأضاف: "لكن إذا تصرف (أردوغان) بشكل جائر، فسيدفع ثمنا اقتصاديا باهظا للغاية".

لقد تحدثت الحكومة التركية عن الحصول على تمويل دولي لبناء 200 ألف منزل إلى جانب مستشفيات ومساجد ومدارس فيما تطلق عليها اسم "المنطقة الآمنة" التي تأمل بإقامتها في شمال شرق سوريا. بالنسبة للحزب الحاكم، يبدو هذا السيناريو مربحا للجميع، فبه يكسب الدعم في الداخل بفضل إعادة السوريين إلى وطنهم وفي الوقت نفسه يساعد شركات البناء المثقلة بالديون التي طالما كانت من الداعمين الرئيسيين لأردوغان.

من شأن العقوبات أن تمثل مشكلة كبيرة للاقتصاد التركي الذي يكابد بالفعل للخروج من أزمة العملة التي نشبت العام الماضي والركود القصير الأمد الذي دفعته إليه. سيعزف المستثمرون الأجانب عن تركيا من جديد على الرغم من التيسير النقدي في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.

كما أن ضعف الليرة التركية سيمنع البنك المركزي من الاستمرار في تخفيضات أسعار الفائدة التي وصل إجماليها بالفعل إلى 750 نقطة أساس منذ شهر يوليو. وإذا تراجعت الليرة بنسبة أكبر من 10 إلى 15 في المئة خلال الأيام المقبلة، فسيضطر البنك المركزي إلى النظر في التشديد النقدي الذي قد يحول الانتعاش الاقتصادي إلى انكماش من جديد.

وصحيح أن معدل التضخم تباطأ إلى 9.3 في المئة في شهر سبتمبر، إلا أنه من المتوقع أن ينهي العام 2019 بنسبة في خانة العشرات. ومن شأن العقوبات أن تعزز ارتفاع التضخم، كما أن هدف أردوغان المتمثل في تحقيق نمو للناتج المحلي الإجمالي بنسبة خمسة في المئة في كل عام من الأعوام الثلاثة القادمة سيذهب أدراج الرياح. وسيتسع أيضا عجز الموازنة التركية، الذي ارتفع إلى المثلين على مدى السنة الأخيرة ليصل إلى ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يزيد من علاوة المخاطر العالية بالفعل.

ولعل أردوغان كان يدرك تمام الإدراك أن النمو لن يصل أبدا إلى مستوى الخمسة في المئة الذي تعهد به صهره وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق في برنامجه الاقتصادي الجديد الأسبوع الماضي، وأنه سيتعين عليه أن يفعل المزيد لكسب الدعم من جديد.

إن الرئيس التركي لم يتوان قط عن رفع سقف المخاطرة، ويجازف بكل شيء على ما يبدو لتحفيز النمو الاقتصادي. وسيقف المواطنون الأتراك المعروفون بنعرتهم القومية الشديدة بقوة خلف أردوغان حين تكون حياة الجنود الأتراك عرضة للخطر. وقد كان الحزب المؤيد للأكراد هو الوحيد الذي صوت برفض السماح للقوات التركية بدخول سوريا.

وحين تبدأ العقوبات الاقتصادية، سيكون من الأسهل على أردوغان أن يروج لروايته الخيالية التي يقول فيها إن "جميع الدول تقف ضد تركيا، لأنها أصبحت أكثر قوة في عهده".

من شأن تصعيد العمليات العسكرية في سوريا أن يتمخض عن اضطرابات سياسية في الداخل، وعقوبات اقتصادية وخيمة. ولربما يستغل الرئيس الحرب في إجراء تغييرات سياسية شديدة الخبث.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-politics/erdogan-plays-high-stakes-game-turkeys-economy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.