أردوغان يراهن بكل ما يملك على نتائج الانتخابات الأميركية

احتل المرشح الديمقراطي الأمريكي جو بايدن عناوين الصحف في تركيا لتصريحات مثيرة للجدل في مقابلة قبل ثمانية أشهر، وصف فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ"المستبد" وقال إنه "سيشجع" معارضة البلاد لهزيمة رئيسهم عبر صناديق الاقتراع.

كانت تصريحات بايدن جزءا من حملته الانتخابية، لكن موقف المرشّح الذي كان نائبا للرئيس أوباما شديد الوضوح.

وتجدر الإشارة إلى أن مقابلة بايدن في ديسمبر تزامنت مع رد فعل قوي من مرشحي الحزب الديمقراطي الآخرين ضد أنقرة لشنها عملية عسكرية في شمال شرق سوريا واستحواذها على مساحة كبيرة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. وكان معظم المرشحين الديمقراطيين غاضبين على الرئيس التركي، وربما كان بايدن يحاول إثبات أنه صارم أيضا. فقد بدا وكأنه نسي أن يأخذ سياسة تركيا الداخلية في الاعتبار.

مع هذا التطور الأخير، اتخذت الانتخابات الأميركية أهمية جديدة لحكومة أردوغان بدرجة غير مسبوقة. فمن ناحية، نجد إدارة ترامب التي ترعى رجل تركيا القوي. ومن ناحية أخرى، نرى حرص بايدن وأبناء حزبه على معارضة أردوغان في كل قضية تقريبا، حتى تلك التي أثيرت قبل ظهور الفيديو.

وقد يكمن أحد أسباب نفور أنقرة من بايدن في تصور تعاطفه مع الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب في 2016. لكن أنصار أردوغان لن يشهدوا تغييرا كبيرا بعد أن خسروا حملة دامت ثلاث سنوات ونصف ضد أتباع غولن الذين تعرضوا لحملة قمع واسعة إثر الانقلاب الفاشل.

لم ينجح حزب العدالة والتنمية وأنصاره في اقناع واشنطن ​​بوجهة النظر التي  صوّروها، على الرغم من أنهم ضحايا محاولة انقلاب. وأثناء ذلك، تسجّل الولايات المتحدة أدلة مرئية على سجن عشرات الآلاف في تركيا بعد الانقلاب الفاشل، وهو دليل قدّمته العديد من المنظمات الحقوقية.

كما تقدم الحكومة التركية قضية خرق بنك خلق للعقوبات المفروضة على إيران باعتبارها خطة نسجها غولن، على الرغم من اعلان السلطات الأميركية لتحققها من ادعاءات الفساد من 17 إلى 25 ديسمبر. وبذلك، هُزم حزب العدالة والتنمية في معركته لكسب قلوب الجمهور والسياسيين الأميركيين.

كما اتهم الأتراك الرئيس السابق باراك أوباما بالتورط في محاولة الانقلاب مصوّرين  فشله في شن رد سريع وقاس على الانقلاب الفاشل. ويعدّ هذا من أسباب الخلاف بين حكومة أردوغان وحزب أوباما وبايدن.

كما عارضت تركيا الكيفية التي دعا بها أوباما الديكتاتور السوري بشار الأسد إلى الاستقالة في أغسطس 2011 قبل التراجع بينما اشتعلت النيران في المنطقة. هنا، أتفق مع حزب العدالة والتنمية. فقد كانت سياسة أوباما تجاه سوريا فاشلة تماما. لكن أردوغان أصر في 2013 على رسم طريق عزله.

ثم جاءت المساعدات الأميركية في شكل أسلحة ومساعدات لأكراد سوريا في 2014 وكانت القطرة التي أفاضت الكأس بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية. اختارت الحكومة التركية تجاهل تفسير سبب استمرار عدم مواجهتها لتنظيم الدولة الإسلامية ومحافظتها على سياسة فتح الحدود مع أعضاء التنظيم الجهادي لسنوات بما حوّل الأراضي التركية إلى "طريق سريع للجهاديين" إلى سوريا. فإما أنها لا تستطيع فهم دور أنقرة في وضع أسس طريق التعاون بين الولايات المتحدة والأكراد السوريين أو أنها ترفض ذلك.

ولن تستخدم إدارة أردوغان تصريحات بايدن سوى كفرصة ذهبية أخرى لتوجيه أصابع الاتهام إلى القوات الأجنبية واسعة الانتشار.

مع كل هذا، لا يخفي الوضع الحالي بعض الحقائق ونقص الكفاءة. فقد أصبحت حكومة حزب العدالة والتنمية متأصلة في السياسة الأميركية الداخلية. ولا يشارك الروس والصينيون علنا في سياسة الولايات المتحدة الداخلية، على الرغم من الجهود التي يبذولنها لضمان فوز المرشح الذي يختارونه في استطلاعات الرأي وفقا للتقارير الأميركية. لكن السلطات التركية تتعامل مع الحزب الديمقراطي بتهوّر.

يعبّر مسؤولون من حكومة أردوغان، والمتصيدون وبعض النشطاء السياسيين علانية عن موقف مؤيد لترامب ومعارض لبايدن. إنهم يقامرون لأنهم يربطون مستقبلهم بفوز ترامب من خلال مهاجمة المسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة الأمريكية باعتبار أوباما هو الذي عيّنهم وما إلى ذلك.

بعد اجتماع وزير الخارجية التركي مع نظيره الأميركي مايك بومبيو في جمهورية الدومينيكان يوم الأحد، تحدث مولود جاويش أوغلو عن تصريحات بايدن وانتقده.

بالإضافة إلى ذلك، كتب كتاب صحف مثل ميلليت وتركيا، اللتان تحافظان على علاقات وثيقة مع حزب العدالة والتنمية، وهاجموا بايدن أيضا. وتبدأ انتقاداتهم بالإشارات إلى العولمة والإمبريالية وتستمر بنظريات مؤامرة لا يمكن تخيّلها.

إذا فاز بايدن، فيمكننا على الأقل أن نتوقع استئناف الإحاطات اليومية لوزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض وأن يعلق المتحدثون باسمهم (كما في الإدارات السابقة) على القضايا الحالية يوميا، بما في ذلك سجل تركيا في مجال حقوق الإنسان.

كما ستتعارض مواقف بايدن بشأن أكراد العراق وسوريا وتركيا مع مواقف أردوغان. ويجب أن نتوقع تفعيل عقوبات قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات مع استمرار محاكمة بنك خلق في مطلع سنة 2021. ويجب أن يتوقع أردوغان دفع ثمن باهظ على كل هذه الجبهات، وربما انطلق في صياغة روايته المحليّة لاعتمادها في حال فوز بايدن، وهي خطوة يتوقّعها  الأستاذ المساعد في جامعة سانت لورانس والزميل غير المقيم في منظمة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، هوارد إيسنستات.

قارن لي أحد الخبراء العلاقة بين الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال وجورج بوش الأب قبل انتخابات سنة 1992.

تقرب أوزال من بوش خلال حرب الخليج الأولى، وتحدث الاثنان عبر الهاتف كثيرا، وكانت رغبته في رؤية بوش يواصل فترة ولايته الثانية واضحة ومفهومة. كانت السفيرة التركية في واشنطن آنذاك نزهة كانديمير ترسل برقيات إلى أنقرة حتى موعد الانتخابات تتنبأ فيها بفوز بوش بولاية ثانية، رغم أن الاستطلاعات كانت تشير إلى عكس ذلك.

تواصلت الرئاسة التركية مع مدير معهد بروكنغز ستروب تالبوت، الشخصية الديمقراطية القوية التي كانت تتمتع بعلاقات وثيقة مع عائلة كلينتون، ووافق بسهولة على فتح قناة اتصال خلفية بين أوزال وكلينتون.

لم يكن أوزال متورّطا بفضيحة فساد تربطه مع عائلته بالمنطقة الجنوبية لنيويورك ولم يقترف خطأ استراتيجيا تسبب في طرده من برنامج طائرات إف-35. كما كان أوزال ذكيا بعدم التورط في سياسة الولايات المتحدة الداخلية من خلال الانحياز إلى جانب والهجوم على مرشح آخر. فعلى الرغم من أن أوزال كان قريبا من بوش، إلا أنه كان قادرا على الالتفاف سريعا بعد فوز بيل كلينتون ومدّ يده إلى البيت الأبيض عبر القناة الخلفية. وكان أوزال في المكتب البيضاوي بعد أقل من ثلاثة أسابيع من تولي كلينتون المنصب لعقد اجتماع فردي في 8 فبراير 1993. قبل شهرين ونصف من وفاته.

والفرق كبير…

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-us/erdogan-govt-rolling-dice-partisanship-us-elections