أردوغان يراهن على دعم واشنطن لانتشاله من مأزق إدلب

أنقرة - يراهن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على دعم أميركي لانتشاله من مأزق إدلب، فيما أنهى لتوه نقاشات شابها كثير من التوتر مع الشركاء الأوروبيين حول موجات اللاجئين الذين أطلقهم باتجاه الحدود اليونانية على أمل ابتزاز الاتحاد الأوروبي ودفعه مكرها لدعمه في معارك تقول بروكسل إنه (أردوغان) دخلها بقرار منفرد، فيما يشدد مسؤولون أوروبيون على ضرورة أن يتحمل تبعاتها لوحده.

وأبدت الولايات المتحدة اليوم الثلاثاء موقفا أكثر مرونة باتجاه انتشال أردوغان من ورطة إدلب، معلنة أنها بدأت نقاشات مع شركائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) حول ما يمكن أن يقدموه لتركيا كمساعدة عسكرية في آخر معقل للمعارضة السورية في شمال غرب سوريا.

وذكر مسؤولون أميركيون أن النقاشات تشمل أيضا الإجراءات التي قد تُتخذ إذا انتهكت روسيا والحكومة السورية وقفا لإطلاق النار، في خطوة تسلط الضوء على تحرك أميركي لاستقطاب تركيا بعد نحو أربع سنوات من ارتمائها في الحضن الروسي وبنائها تحالفا مع موسكو كان يعتقد إلى وقت قريب أنه تحالف متين.

لكن التطورات الأخيرة في إدلب كشفت هشاشة تحالف المصلحة الروسي التركي، فيما شكل طابع لقاء القمة الأخيرة بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين وما رافقه من إهانة روسية لأردوغان والوفد المرافق له، أوضح دلالة على الشروخ العميقة في تحالف الضرورة.

وتقف تركيا وروسيا على طرفي نقيض من الأزمة السورية، حيث تدعم موسكو بقوة النظام السوري منذ سبتمبر 2015 وتمكنت من قلب دفة الصراع لصالحه بعد أن كان على وشك الانهيار، فيما تدعم تركيا المعارضة السورية بشقيها المعتدل والمتطرف التي منيت بخسائر كبيرة في الأرواح وخسرت معظم مناطق سيطرته وأصبحت معزولة في مربع ضيق قرب الحدود التركية.

وقال جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص بسوريا للصحفيين خلال مؤتمر صحفي عبر الهاتف من بروكسل حيث يجري محادثات مع الحلفاء "نبحث ما يمكن لحلف شمال الأطلسي فعله"، مضيفا "كل شيء مطروح على الطاولة".

واستبعد جيفري الذي كان يتحدث وإلى جانبه السفير الأميركي لدى تركيا ديفيد ساترفيلد استخدام القوات البرية في حال انتهاك وقف إطلاق النار، مؤكدا على حاجة أنقرة لتوضيح موقفها من شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية 'إس-400'.

جيمس جيفري
جيفري: كل شيء مطروح على الطاولة

وتدرك واشنطن في هذه المرحلة حاجة أردوغان لدعم غربي لمساعدته في الخروج من مستنقع إدلب بعد أن تكبدت القوات التركية في شمال غرب سوريا خسائر فادحة في العتاد والأرواح حيث قتل نحو 60 جنديا تركيا في شهر فبراير لوحده.

ولن تقدم الإدارة الأميركية صكا على بياض للرئيس التركي في خضم التطورات المتسارعة في إدلب والتي كشفت أن تركيا لا تقوى على الصمود في حرب طويلة الأمد وعلى ضوء تململ في الداخل التركي بسبب مقتل عشرات الجنود. 

وترى المعارضة التركية أن أردوغان دفع بالجنود الأتراك إلى المحرقة السورية لحسابات خاصة وايديولوجية لا علاقة لها بما يسوقه من دعاية حول حماية الأمن القومي التركي.

وقال أردوغان الثلاثاء إن الولايات المتحدة تخفف موقفها بشأن صفقة منظومة الدفاع الأميركية باتريوت المحتملة، مضيفا أن واشنطن طلبت من أنقرة ضمان أنها لن تقوم بتشغيل منظومة الدفاع الروسية إس-400.

وكانت أنقرة قد طلبت بالفعل من واشنطن نشر بطاريات باتريوت على الحدود الجنوبية مع سوريا بعد أن تعرضت لأسوأ ضربة جوية قتل فيها دفعة واحدة 33 جنديا تركيا قبل أن ترتفع الحصيلة إلى نحو 39 وهي أرقام معلنة شككت فيها مصادر محلية، مشيرة إلى أن الخسائر أعلى بكثير مما هو معلن رسميا.

وهناك خلافات بين تركيا والولايات المتحدة العضوان في حلف شمال الأطلسي بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس-400 في العام الماضي، والتي تقول واشنطن إنها غير متوافقة مع النظم الدفاعية للحلف وستلحق الضرر بطائرات الشبح المقاتلة الأميركية التي كانت تركيا تساعد في تصنيعها كما كان مقررا أن تحصل على عدد منها.

وقالت واشنطن إن تركيا لا يمكنها الجمع بين نظام الدفاع الروسي إس-400 ونظام باتريوت. ومع ذلك طلبت أنقرة من واشنطن نشر الصواريخ باتريوت على حدودها مع سوريا لحمايتها بعد تصاعد القتال في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا هذا العام.

وكان جيمس جيفري قال إن واشنطن مستعدة لتقديم ذخيرة لتركيا لاستخدامها في عملياتها العسكرية في إدلب وإنها تجري تقييما لطلب أنقرة نشر نظام باتريوت "في سياق منظومة الدفاع الروسية إس-400.

واشنطن لن تقدم صكاً على بياض لأردوغان
واشنطن لن تقدم صكاً على بياض لأردوغان

وقال أردوغان للصحفيين على الطائرة التي أقلته في رحلة العودة من بروكسل "قدمنا هذا العرض إلى الولايات المتحدة حول باتريوت: "إذا كنتم ستعطوننا باتريوت فلتفعلوا ذلك. نحن نستطيع أيضا شراء صواريخ باتريوت منكم".

وأضاف "هم أيضا خففوا موقفهم بشكل كبير بشأن قضية إس-400. إنهم الآن عند نقطة نريد منكم وعدا بأنكم لن تجعلوا منظومة إس-400 تعمل".

وعقد الرئيس التركي أمس في بروكسل اجتماعا مع الشركاء الأوروبيين خيم عليه التوتر بسبب إطلاقه دفعات من اللاجئين إلى الحدود مع اليونان متسببا في أزمة إنسانية، وهي خطوة لطالما لوح باتخاذها في سياق ابتزاز أوروبا ودفعا لانتزاع موقف داعم له في سوريا.

وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن رفضه سياسة الابتزاز التركية واقترح دعما ماليا لمساعدة أنقرة في استضافة ملايين السوريين.

ونجح أردوغان إلى حد ما في إرباك الأوروبيين بورقة المهاجرين، فأوروبا مثقلة بمشاكل وانقسامات حول هذا الملف بالتحديد وتخشى من أن تفاقم موجة هجرة جديدة من تلك المشاكل التي لم تفلح اللقاءات المتواترة في معالجتها.

ويضاف إلى أزمة الهجرة التي تؤرق دول الاتحاد الأوروبي، تفشي فيروس كورنا المستجد في عدد من دوله وبشكل خاص في ايطاليا ثالثة بؤرة للفيروس بعد الصين وإيران وفي فرنسا التي لم يسلم حتى عدد من نوابها في الجمعية الوطنية من فيروس كورونا "كوفيد 19".

ويراهن الرئيس التركي على ما يبدو على ورقة اللاجئين ويبدو أنه مستعد للمضي في هذه لعبة الابتزاز إلى النهاية لانتزاع موقف أوروبي يسنده في ورطته بإدلب. كما يراهن على البراغماتية الأميركية في توظيف الخلاف بينه وبين نظيره الروسي لجهة ترميم الشروخ في العلاقات الأميركية التركية.  

لكن حتى الشركاء الأوروبيون لن يقدموا له صكا على بياض مقابل دعمه للخروج من مأزق إدلب. وقد اختبر قادة الاتحاد الأوروبي تلون الرئيس التركي في أكثر من مناسبة ونقضه للعهود المبرمة بشكل رسمي أو تلك المعلن في خطاباته.