ذو الفقار دوغان
أكتوبر 05 2019

أردوغان يستعد لخلط أوراق الأحزاب السياسية التركية

من المنتظر أن يزدحم جدول أعمال البرلمان التركي، الذي بدأ دورته التشريعية الجديدة في الأول من أكتوبر، بالعديد من الموضوعات المهمة التي يتوجب مناقشتها.

ويتصدر جدول أعمال البرلمان مناقشة الترتيبات الخاصة بإقرار حزمة الإصلاح القضائي الأولى، التي تقدمت بها الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية. ومع ذلك، لم يثر مشروع قانون التعديلات القضائية، الذي تم إرساله إلى كافة الأحزاب، باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي، فضول أحد داخل المجلس، باستثناء رئيس اتحاد النقابات في تركيا، السيد متين فيض أوغلو. 

وفي الحقيقة، إن عدم إرسال حزب العدالة والتنمية نص التعديلات المقترح على القانون إلى حزب الشعوب الديمقراطي كان علامة على عدم صدق نواياه بشأن "التحول الديمقراطي والإصلاح القضائي"؛ لأن تجاهل حزب سياسي مثل حزب الشعوب الديمقراطي، حصل على ما يقرب من 7 ملايين صوت، ويملك ثالث أكبر تكتل في البرلمان، وقضى أكثر من غيره من الأحزاب، في مسيرته السياسية، مكافحاً من أجل إصلاح القضاء التركي، ولا يزال الآلاف من أعضائه ومديريه يحاكمون إلى الآن في المحاكم المختلفة، إنما يكشف عن الهدف الحقيقي للإصلاح القضائي الذي يتحدث عنه حزب العدالة والتنمية.

وبالإضافة إلى إقالة ثلاثة من رؤساء البلديات التابعين لحزب الشعوب الديمقراطي (ديار بكر وفان وماردين) وتعيين أوصياء بدلاً منهم، جاء اعتقال عدد آخر من رؤساء البلديات، ومسؤولي المقاطعات المضطربة (مثلما حدث مؤخراً في بلدية تونجلي) ليثير التكهنات على الساحة السياسية حول سعي أردوغان "لفتح الطريق أمام ظهور حزب كردي جديد يتم تأسيسه تحت رعايته هو".  

وبالإضافة إلى الأحزاب الكردية الموجودة الآن على الساحة السياسية في تركيا، يتردد في الكواليس السياسية منذ فترة طويلة الحديث عن دعم الحكومة التركية فكرة تأسيس حزب كردي جديد. يريد أردوغان من وراء هذه الاستراتيجية أن يستعيد أصوات الناخبين الأكراد المتدينين- المحافظين، الذين كانوا يُصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية قبل عدة سنوات مضت، ولهذا السبب يُنظر إلى الإجراءات التعسفية التي يقوم بها؛ من تجريم لأنشطة حزب الشعوب الديمقراطي، واعتقال لكوادره التنفيذية، ومحاكمتهم وإدانتهم سياسياً، باعتبارها جزءاً أو مرحلة من مراحل تنفيذ هذه الاستراتيجية.

وبالإضافة إلى الأمهات اللاتي أُرسلن أمام مبنى حزب الشعوب الديمقراطي، صدقت محكمة النقض بدورها مؤخراً على الأحكام الصادرة بحق مئات الشخصيات البارزة في الحزب بعد ماراثون طويل من إجراءات التقاضي استمر لسنوات طويلة. وبنجاح حزب العدالة والتنمية في التخلص من أعداد كثيرة من الشخصيات البارزة في السياسة الكردية، الذين تصدرت أسماؤهم قائمة الذين تم الزج بهم في السجون، يكون الحزب الحاكم قد نجح في تنفيذ مرحلة مهمة أخرى من خطته الرامية لإضعاف حزب الشعوب الديمقراطي، وحزب المناطق الديمقراطية، وتشكيلهما المؤثر في المنطقة.

من ناحية أخرى، يتردد في كواليس حزب العدالة والتنمية كذلك أن عبد الله أوجلان نفسه يؤيد أيضًا تأسيس الحزب الكردي الجديد، وأنه سيعلن في خطاب إلى الرأي العام عن دعمه لقيام هذا الحزب. ووفقًا لادعاءات حزب العدالة والتنمية في هذا الصدد، فإن أوجلان قد أبدى تذمره من السياسة التي يتبعها حزب الشعوب الديمقراطي في الوقت الحالي، ومن عدم امتثاله الكامل لتوصياته وتوصيات المديرين التنفيذيين الآخرين داخل الحزب. ومن ثم، فإن حديثه عن دعم تأسيس حزب كردي جديد، بدلاً من حزب الشعوب الديمقراطي، سيفتح الطريق أمام حدوث انقسامات داخل الحزب. وهذا ما يخطط له الحزب الحاكم تماماً. 

تريد حكومة العدالة والتنمية بهذا أن تُسرع في جهودها الرامية إلى نشر روح الانقسام داخل حزب الشعوب الديمقراطي والسياسة الكردية من ناحية، وأن تستطلع رأي الحزب الصالح الذي تريده حليفا لها بدلًا من حليفها الحالي حزب الحركة القومية من ناحية أخرى. وقد انتشرت تعليقات كثيرة في هذا الاتجاه، بعد المصافحة الحارة بين ميرال أكشينار ورئيس الجمهورية وزعيم حزب العدالة والتنمية أردوغان في حفل الاستقبال الذي أُقيم يوم 30 أغسطس الماضي، وأصبحنا نرى مؤخراً تعليقات مماثلة أيضاً في وسائل الإعلام المقربة من الحزب الحاكم كذلك، وراح كُتَّاب من المحسوبين على السلطة يتحدثون بإصرار عن قيام أردوغان بعمل تغييرات في مجلس الوزراء بنهاية العام، وأن أردوغان سيستعين بعدد من أعضاء الحزب الصالح في التشكيل الجديد لمجلس الوزراء.

وفي حين التزم حزب العدالة والتنمية الصمت، ولم يبدِ تعليقاً على آراء هؤلاء الكُتَّاب بشأن توسيع دائرة "تحالف الشعب" ليشمل الحزب الصالح أيضاً إلى جانب حزب الحركة القومية، لم تتوقف ردود الأفعال من جانب الحزب الصالح كذلك. 

ومن ناحيتها، ردت زعيمة الحزب الصالح ميرال أكشينار على زعم وجود رسائل متبادلة بين الحزبين، بقولها "أستطيع أن أقول بوضوح إننا لا نتبادل، في الوقت الحالي، أية رسائل مع حزب العدالة والتنمية. لم أتلق أنا أو أي من أصدقائي رسالة منهم، كما أننا لم نرسل رسائل إلى هناك كذلك. بعض الناس يعبرون عن رغباتهم، استناداً إلى صورة، والبعض الآخر يكتفي بإثارة التكهنات".  

من ناحية أخرى، ردت أكشينار على سؤال وُجِّه إليها خلال لقاء مباشر شاركت فيه الأسبوع الماضي، عما إذا كانوا سيتعاونون مع حزب العدالة والتنمية، ومع أردوغان أم لا، بقولها "ما زلنا نوجه سهام نقدنا إلى حزب العدالة والتنمية. ما زلنا ننتقد نظام الحكم الرئاسي. لم يطرأ أي تغيير على موقفنا من حزب العدالة والتنمية. إذا حدث ذلك، أعتقد أن حزب الشعب الجمهوري سيدعم هذه الخطوة أيضاً. لم تعد الدولة تتحمل نظام الحكم الرئاسي. لهذا، إذا كان الحديث باتجاه العودة إلى نظام برلماني جيد وقوي، فلا شك أننا سنكون هناك. وأعتقد أن حزب الشعب الجمهوري سيكون هناك أيضًا".  

ومع ذلك، لم تتوقف المزاعم المتعلقة بشأن وجود تقارب بين حزب العدالة والتنمية والحزب الصالح، بل ازدادت وتيرتها في الفترة الأخيرة في وسائل الإعلام المقربة من الحزب الحاكم. وعلى الجهة المقابلة، صدرت تصريحات حادة من قبل عدد من المتحدثين عن حزب الحركة القومية؛ حملت إهانات وتهديدات للحزب الصالح، وزعيمته ميرال أكشينار؛ الأمر الذي جرى تفسيره بأنه محاولة من حزب الحركة القومية لتأمين موقعه في التحالف في مواجهة أي تقارب محتمل بين الحزب الصالح وحزب العدالة والتنمية.        

وفي السياق ذاته، قال أحد الأعضاء في مجلس الإدارة العام للحزب الصالح، في تقييمه للوضع في لقاء له مع موقع (أحوال تركية) "كل ما يجري هو محاولة لقراءة نوايا حزب العدالة والتنمية، واستطلاع رأينا في أمر كهذا". ذكر القيادي في الحزب الصالح أن حزب العدالة والتنمية يثير هذا الموضوع بين الحين والآخر؛ من أجل ترويض حزب الحركة القومية، وإحكام سيطرته عليه، ويضيف "قاعدة حزبنا هي القاعدة الأكثر معارضة لأردوغان بين سائر قوى المعارضة الأخرى. 

لا تجد هذا الموقف المناهض لسياسة أردوغان لدى الأحزاب الأخرى بما فيهم حزب الشعب الجمهوري نفسه. لذلك، لا تنتظروا منا أن نسعى إلى التعاون مع حزب العدالة والتنمية. فضلاً عن ذلك، هناك تناغم بين قاعدة الناخبين المؤيدين لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. أما نحن فلا يوجد لدينا شيء من هذا القبيل.

لهذا السبب أيضاً، لا يمكننا تصور وجود تعاون أو تقارب بين الحزبين. وقد ذكرت ميرال أكشينار، من قبل، أنه إذا نفَّذ أردوغان ما نريده، فسوف يجد جميع الأحزاب، بما فيهم حزب الشعب الجمهوري، هناك. أو بعبارة أخرى، إذا قبل أردوغان شروطاً من قبيل العودة إلى النظام البرلماني القوي، وفصل السلطات، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وإضفاء الطابع الديمقراطي الشامل، وتعديل الدستور، وضمان حيادية رئيس الجمهورية، وترك موقعه كرئيس للحزب، وتقييد سلطاته، ومحاسبته أمام البرلمان.. الخ، فالسؤال الآن، هل يفعل أردوغان هذا؟ هل سيتخذ هذه الخطوات حقاً؟ أعتقد أنه إذا فعل ذلك، فلن تجد أحد يعارضه. وهذا هو السبب في أن الحديث عن وجود تقارب بين حزب العدالة والتنمية والحزب الصالح لا يتعدى كونه مجرد تكهنات لا أساس لها من الصحة".    

ومن ناحية أخرى، يحاول حزب العدالة والتنمية قطع الطريق أمام حدوث أي تقارب بين الحزب الصالح من جهة، وحزب الشعب الجمهوري من جهة أخرى، بالترويج بإمكانية التقارب مع الحزب الصالح. ولهذا، فإدارة حزب العدالة والتنمية تمارس ضغوطها على الحزب الصالح عن طريق زيادة جرعة أحاديث وتصريحات من هذا النوع. وعلى الجهة الأخرى، راح حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية يؤكدان على استمرار التحالف والتعاون بينهما.  

وفي خطوة بديلة عن الإصلاح القضائي، الذي تحدث عنها حزب الشعب الجمهوري، قام الحزب الصالح بدعوة نواب البرلمان من حزب الشعوب الديمقراطي، وحزب العمال، والحزب الديمقراطي، وحزب السعادة للمشاركة في جلسة عمل برئاسة إبراهيم كاب أوغلو، تم تشكيلها لمناقشة الأعمال الخاصة بصياغة دستور جديد، واتفق ممثلو الأحزاب الخمسة على التقدم بمقترح لتعديل الدستور إلى مجلس النواب، بعد بدء العام التشريعي الجديد بأسبوع.

وبينما أردوغان يواصل استراتيجيته الخاصة بتشكيل حزب كردي جديد، والتي يهدف من ورائها إلى إضعاف حزب الشعوب الديمقراطي على الساحة السياسية الكردية من جهة، والبحث عن بديل لحزب الحركة القومية من جهة أخرى، يحاول لاعبان آخران، انشقا عن حزبه، الإسراع بإنشاء حزب سياسي جديد على الساحة السياسية.  

وبينما باباجان-عبد الله غول يسعيان إلى الإسراع في تأسيس حزبهما خلال فترة زمنية وجيزة، جاءت المفاجأة، هذه المرة، من جانب زعيم حزب السعادة تمل كرم الله أوغلو؛ إذ أعلن  تمل كرم الله أوغلو عن قيامه بجولة لزيارة رؤساء الأحزاب السياسية؛ بدأها بزيارة رئيس الجمهورية وزعيم حزب العدالة والتنمية، وأنه سيلتقي كليجدار أوغلو وأكشينار، وكذا داود أوغلو وباباجان، فيما اعتُبرت تصريحاته عن تقدم العمر به، والبحث عن مرشح جديد، بمثابة رسالة عن عزمه ترك رئاسة الحزب.

وعلى الجانب الآخر، أثيرت التكهنات حول إمكانية تعاون داود أوغلو مع حزب السعادة، وعن إمكانية ترأسه الحزب، خلفاً لتمل كرم الله أوغلو، وفي المقابل، التزم الجانبان الصمت.

ومع هذا، فقد جعلت تصريحات تمل كرم الله أوغلو، بشأن ترك رئاسة الحزب، وإعلانه القيام بزيارة داود أوغلو- باباجان، هذه الفكرة تطفو على السطح من جديد، وتثير تذبذباً في الكواليس السياسية في تركيا. ومن الأسباب التي تعزز قبول داود أوغلو بأمر كهذا أن هناك توافقا بينهما في المبادئ والأفكار. ومن ثم، كان من الطبيعي أن يفسر البعض اختيار داود أوغلو قناة TV5 التابعة لحزب السعادة للإدلاء بأولى تصريحاته، عقب تقديم استقالته لحزب العدالة والتنمية مباشرة، على أنه خطوة أولى باتجاه تكوين شراكة أو اتحاد بين الجانبين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/secim-ittifaklari/erdogan-iyi-partiyi-yokluyor-alternatif-kurt-partisi-plani-devrede-davutoglu-spye
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.