أردوغان يسيّس آيا صوفيا لإرضاء الإسلاميين والقوميين

يصعب تحديد ما يشكل توجها عاطفيا فيما يتعلّق بقضية ما. فقد ينتطبق هذا المفهوم على أي عارض، من الاهتمام والقلق المفرطين إلى المشاركة غير المبررة أو الضرورية أو المناسبة في قضيّة ما.

خلال العقود الأخيرة، كانت آيا صوفيا الموجودة في إسطنبول جوهرا لحساسيات الدينيين والقوميين الأتراك واليونانيين. ثم تحوّلت إلى موقع ضمن برنامج مواقع التراث العالمي الذي تديره اليونسكو. لكن، من المقرر أن تقرر المحكمة العليا التركية في 2 يوليو ما إذا كان سيتم تحويل هذا الموقع التاريخي إلى مسجد.

لا يزال الاسم اليوناني للآيا صوفيا الذي يعني حكمة الله معتمدا في اللغة التركية. وتحوّلت الكاتدرائية التي بُنيت في عام 537 إلى مسجد بعد الفتح العثماني لإسطنبول في 1453 قبل تحويله إلى متحف في 1938، خلال سنوات تأسيس تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك، وفترة اتّسمت بالعلمانية.

أصبح هذا الموقع اليوم رمزا للخسارة لدى الكثيرين. فبالنسبة لليونانيين المسيحيين، يذكّر بخسارة كنيسة أسطورية. وبالنسبة للأتراك المسلمين، يدلّ على فقدان فرصة الحفاظ على مسجد كان يُعتبر تحقيقا لرؤية للنبي محمد. واليوم، يخشى العلمانيون الأتراك واليونانيون خسارة متحفهم.

تبقى قضية أيا صوفيا مُسَيّسة لدرجة أن قرار المحكمة لن يُغير حساسية القضية مهما كانت طبيعته. وبلغت العواطف المحيطة بهذا المعلم أقل درجة بعد أن تحوّل إلى متحف، فقد مثّل القرار تعادلا بين الطرفين المتصادمين. لكن الجدل تجدد بعد طرح القضية على جدول أعمال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السنوات الأخيرة. وأصبحت القضية متطابقة مع مصطلح " معادلة صفرية" برابحين وخاسرين محتملين.

إذا بقيت أيا صوفيا متحفا، فسيشعر القوميون الأتراك بخيبة أمل. ومن المحتمل أن يترك الرئيس أردوغان الباب مفتوحا لإعادة درس القضية في المستقبل القريب.

سوف يعبر عن "حساسيته" لاستهداف مجموعتين رئيسيتين من الناخبين: ​​القوميون والأتراك المحافظون الإسلامويون. وسيعمل على منع "العلمانيين" من الشعور بنصرهم بعد قرار المحكمة العليا إن حكمت "لصالحهم".

أما إذا فتح القرار الطريق لتحويل المتحف إلى مسجد، فإن الوضع سيكون أكثر تعقيدا، وخاصة على الساحة الدولية. سأقتبس ما قاله أليكسيس هيراكليدس، المؤيد لتكوين علاقات يونانية تركية إيجابية والمحلل المحايد، لمراسل عندما سأله عن هذا الاحتمال.

"إذا تحوّلت آيا صوفيا إلى مسجد، فإن أعداء تركيا الكبار في أوروبا وفرنسا والعالم الذين يعارضون رغبة تركيا في الإنضمام الاتحاد الأوروبي وغيرهم من الذين يؤيدون الأفكار التي جاءت في كتاب "صدام الحضارات" لصمويل هنتنجتون سيكونون سعداء وسيعتبرون موقفهم مبررا".

"ستتسع الفجوة بين أوروبا وآسيا، والمسيحية والإسلام تكتونيا (رمزيا) كما لم يشهد العالم منذ سنة 1923. ولكن، قد تكون هناك نتيجة إيجابية لمثل هذا القرار: سيصبح أردوغان وأتباعه مكروهين في أوروبا وحتى في تركيا وبين الإسلاميين الأكثر اعتدالا وبين أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم، مما سيجعل من سقوطه أمرا محتملا أكثر، من أجل مصلحة تركيا وجيرانها ومستقبل علاقاتها معهم".

"إذا تحولت آيا صوفيا إلى مسجد، فستعتبر اليونانيون الأمر دليلا على بقاء أنقرة أسوأ وأقسى عدو لهم، وعلى أن الأتراك لا يحترمون جيرانهم. سيكون هذا بمثابة الضربة القاضية للعلاقات اليونانية التركية التي ستنخفض إلى أدنى مستوى لها منذ سنة 1974".

"بالطبع، قد أخبر قرّائي في اليونان بأن هذه ليست تركيا الحقيقية، بل هي صورة زائفة للبلاد، صوّرتها ممارسات أردوغان الذي يريد التشبث بالسلطة من خلال محاولة استقطاب ناخبي حزب الحركة القومية. لكنني أخشى من أني لن أقنع سوى عدد قليل جدا من اليونانيين."

من جملة الأحكام المحتملة، قد يصدر قرار هجين يقضي باعتماد آيا صوفيا كمتحف ومسجد، ليتم استغلالها في مناسبات مثل أداء صلاة الجمعة والصلوات الدينية الخاصة. كما يمكن أن ينص القرار على اعتماد الموقع ككنيسة في بعض المناسبات المسيحية. سيكون هذا قرارا يتناسب مع الجميع. ومع ذلك، سيعدّ اتجاها لا يتوافق مع شخصية أردوغان المثيرة للخلافات.

هناك قول مأثور باللغة التركية: "رجل مجنون يرمي حجرا في بئر، لا يستطيع مائة شخص عاقل إخراجه". ويُقال هذا المثل في الحالات التي لم تكن هناك فيها حاجة لخلق مشكلة، ولكنها أصبحت تؤثّر على الكثيرين الذين لا يستطيعون حلّها بنفس سهولة اشعالها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hagia-sophia/use-istanbuls-ancient-hagia-sophia-political-instrument
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.