أردوغان يتهيأ لاستعادة إسطنبول بإشاعة الخوف والانقسام

المأزق الذي تواجهه السياسة التركية يأتي بسبب الطرق المحيرة التي يسلكها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سوء التعامل مع أزمة انتخابات إسطنبول التي اجتاحت البلاد.

فيما يمكن اعتباره عملاً سياسياً متهوراً، مارس أردوغان ضغوطاً كافية على المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا مما أدى إلى إلغاء الانتخابات البلدية في إسطنبول.

ولم يتمكن حتى خبراء القانون من العثور على نقطة مقنعة تفسر لماذا حُرم من منصب رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو، مرشح الكتلة العلمانية القومية بعد أن فاز في انتخابات إسطنبول بفارق حوالي 15000 صوت.

هذه الخطوة صدمت وأثارت غضب ناخبي المعارضة الذين يستعدون للذهاب إلى ما أسماها أردوغان بثقة في النفس "إعادة الانتخابات". إنهم على حق في غضبهم.

وعلى الرغم من أن هناك تعبئة واسعة النطاق جارية ضد أردوغان، فإن الحقيقة، كما أشار هاشم كيليك، كبير القضاة الليبرالي السابق في المحكمة العليا التركية، تتمثل في أن "المجلس الأعلى للانتخابات لم يُسئ استخدام سلطاته فحسب بل أبطل أيضاً حق المواطنين الأساسي في التصويت".

بعبارة أخرى، عانت تركيا من "انقلاب مدني" آخر يحمل بصمات أردوغان.

لقد قضت سنوات من الاستيلاء على السلطة على شبه ديمقراطية تركيا، في ظل إلقاء الفصل بين السلطات وسيادة القانون في صندوق القمامة. كانت أداة الديمقراطية الوحيدة المتبقية للأتراك هي صندوق الاقتراع. إنكار ذلك يمثل المسمار الأخير في نعش كل ما تبقى من النظام التعددي.

ومع ذلك، يحاول بعض الخبراء المتفائلين - أو الانتهازيين - في تركيا أن يعلنوا للعالم أن الديمقراطية لم تمت وأن إرادة المواطنين ستُحترم. إنهم على خطأ ويضللون الرأي العام الدولي.

لقد استولى أردوغان على العملية الانتخابية، ليس فقط من خلال إنكار نتيجة واضحة في إسطنبول، بل بتعيين أوصياء في بلديات يغلب على سكانها الأكراد فاز بها حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

لقد بات صندوق الاقتراع آخر ضحية لتحركاته للاستيلاء على السلطة في مسار عبثي يسيطر عليه حكمه بالكامل في كل شيء، كما هو الحال في بعض جمهوريات آسيا الوسطى.

لقد أثار "الانقلاب" حماسة إمام أوغلو - وهو شخصية كاريزمية أخلاقه الهادئة تشبه أخلاق الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال - والحشود الكبيرة التي تدعمه.

"سيكون كل شيء على ما يرام" أصبح الشعار الذي ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن عزم مؤيدي إمام أوغلو القوي يشير إلى أنه سيفوز في إعادة الانتخابات في الثالث والعشرين من يونيو بفارق أكبر.

هل سيفعلها مع ذلك؟ هذا هو السؤال الحاسم الذي يضيع وسط الخلاف السياسي. تطمس العواطف النقاش العقلاني نتيجة للغضب والفوضى القضائية. الناس في المعسكرين يتركون آذانهم للتفكير بالتمني في اختيارهم.

هل ستتغلب الآمال على واقع تركيا الوحشي؟ بالنظر إلى ذكرى صعود أردوغان إلى مذبح الاستبداد على نطاق واسع، فإن الجواب على الأرجح هو "لا".

وعلى الرغم من أن أردوغان في أضعف حالاته في السلطة، إذ يقف في وسط تحالف إسلامي قومي مثير للشك، إلا أنه لا يزال العقل المدبر للهندسة السياسية، ولا تزال مهارات البقاء في السلطة سليمة. ويعني سعيه إلى إعادة الانتخابات أنه سيدخل السباق فقط من أجل الفوز. إنه يعلم أنه إذا خسر، فإن أسطورته ستتلقى ضربة قاتلة تجعل التعافي مستحيلاً.

أردوغان، الذي يتمتع بسلطات واسعة كرئيس، يبسط السيطرة الكاملة على الدولة وأجهزة الأمن. ويبقي القضاء ووسائل الإعلام تحت السيطرة. ذخيرته الخطابية سليمة: لديه صلاحيات هائلة لإقناع أتباعه بأن "جميع المصائب التي تسقط على تركيا هي نتاج ما تطلقه قوى معادية في العالم".

سيقيم أردوغان تجمعات انتخابية فيما يقرب من 40 منطقة في إسطنبول - في انتهاك للدستور مرة أخرى - وسيواصل خطابه المثير للانقسام والاستقطاب، والذي سيبقي الأبواب مفتوحة أمام أعمال العنف. كل هذا جزء من مقامرته، التي تقوم على رفع الرهان في كل مرة.

ويتطلع معسكر المعارضة إلى تعبئة واسعة النطاق، على الرغم من أن كثيرين من سكان إسطنبول من ذوي الياقات البيضاء قد يغادرون لقضاء العطلات الصيفية.

ثمة مخاوف كبيرة بشأن التزوير المكثف في الانتخابات، لكن بالنسبة لمعسكر أردوغان، قد لا يكون ذلك ضرورياً على الإطلاق، كما جاء في مقال للباحث التركي عبد الله أيدوغان لصحيفة واشنطن بوست، نظراً لأن المخالفات الانتخابية، مثل الأصوات غير الصحيحة، جاءت لصالح أردوغان.

تشير البيانات الأخرى بوضوح إلى أن هناك ما لا يقل عن 500 ألف ناخب مؤيد لأردوغان لم يذهبوا إلى مراكز الاقتراع في الحادي والثلاثين من مارس. أعطى الرئيس أوامر بأن يتم دفع كل واحد للذهاب والإدلاء بصوته هذه المرة.

يمتلك حزب أردوغان شبكة ضخمة على مستوى إسطنبول، ولا ينبغي أن تكون مفاجئة أنه مع إضافة حملة لإشاعة الخوف وإساءة استخدام السلطة، أن يستعيد إسطنبول.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/turkeys-erdogan-looks-set-grab-back-istanbul
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.