أردوغان يتلقى ضربةً من رجاله في الداخل أمام ترامب

على الرغم من أن الوظيفة الأساسية لهيئة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها هي أن تراقب البنوك باستمرار، إلا أن الإنسان يجد نفسه يتساءل مجدداً عن وظيفة هذه الهيئة، عندما تلاحظ، عن طريق المصادفة فقط، وجود 46 مليار ليرة عبارة عن قروض معدومة، وتكتفي بالتحذير "أمامكم حتى نهاية هذا العام؛ كي تصنفوا هذه القروض في ميزانيتكم تحت بند قروض متعثرة".

تحدث رئيس اتحاد البنوك في تركيا والمدير العام لبنك "زراعت بنك" حسين أيدن عن هذا الموضوع بقوله:
"تُصَنَّف القروض المصرفية إلى ثلاث مجموعات؛ المجموعة الأولى هي الائتمان المباشر، والمجموعة الثانية هي أيضاً نوع منالائتمان المباشر، ولكن مع وجود مشكلات بسيطة، أما المجموعة الثالثة، فتشمل غير القادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية.

ولهذه المجموعة حساسية خاصة، ومن ثم يتعين على المؤسسات المالية المُختصة مراقبة أدائها عن كثب. 

وأعلنت أمس هيئة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها أنه بالبحث في محفظة البنوك تبيَّن وجود ديون متعثرة لديها مقدارها  46 مليار ليرة تركية، ومن ثم أوصت بإدراجها ضمن "المجموعة الثالثة". وتخص هذه القروض بالأساس قطاعي البناء والطاقة. وإذا تحرينا الدقة فإن ما يعادل 50% من اﻟ 46 مليار تخص البناء والطاقة، وتتوزع نسبة 50% الأخرى بين باقي القطاعات، وجدير بالذكر كذلك أن القروض البالغة 46 مليار ليرة تركية هي في الغالب المعادل بالعملة المحلية لقروض تم سحبها بالعملات الأجنبية".  

ومع ذلك، يتردد في كواليس الاقتصاد أن هذه القروض البالغة 46 مليار ليرة، والتي يفترض أن يتم تعقبها، إنما تخص في الأساس شركات الطاقة والبناء المقربة من الحزب الحاكم. ومن المقرر أن يتم تحويل هذه القروض إلى صندوق ضمان مشروعات الطاقة الذي سيتم إنشاؤه قريبًا. وهذا يعني أنه سيتم تصفية كافة الميزانيات العمومية للبنوك من القروض المتعثرة؛ كي يتم تحويلها إلى الصندوق الذي سيتكفل جزئياً بفاتورة القروض الخاصة بالكهرباء، وبجزء كبير آخر من القروض الأخرى. وهذا يعني أن الشعب وحده هو الذي سيتحمل عبء سداد هذه الفاتورة الثقيلة من الديون المتعثرة.

ووفقًا للبيانات الصادرة عن غرفة المهندسين الكهربائيين في تركيا، فقد تم استثمار ما لا يقل عن 105 مليارات دولار في قطاع الطاقة طوال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، وقامت كل من البنوك  العامة والخاصة، بمنح حزم ضخمة من القروض إلى الشركات المُقرَّبة إلى حزب العدالة والتنمية العاملة في هذا المجال بضمانات من خزانة الدولة وصندوق ضمان الائتمان التركي، اللذين لم يقتصر دورهما على دعم الحصول على القروض المحلية فقط، وإنما دعما كذلك القروض التي حصلت عليها هذه الشركات بالعملة الصعبة من جهات خارجية كذلك. 

وجدير بالذكر كذلك أن ما لا يقل عن 55 مليار دولار من تلك البنوك التي تم توزيعها لم تسدد حتى الآن. ويمكننا تخيل حجم المشكلة كذلك إذا علمنا أن هذا هو المبلغ الصافي، دون حساب فوائد التأخر في السداد. وللتفصيل نقول إن هذه الشركات اقترضت 44 مليار دولار من أجل منشآت توليد الطاقة، و18 مليار دولار الأخرى لتمويل محطات توليد الطاقة الكهرومائية، بالإضافة إلى ديون متعثرة أخرى، نتجت عن خصخصة توزيع الطاقة بقيمة 8 مليارات دولار، ولم يتم سدادها هي الأخرى.

ويمكن القول إنه طوال فترة حكم أردوغان، كانت هناك خمس شركات فقط، من الشركات المُقربة للعدالة والتنمية، هي التي استحوذت على نصيب الأسد في كل المناقصات التي طُرحت خلال هذه الفترة في العديد من القطاعات؛ من الطاقة إلى البنية التحتية، ومن الجسور إلى المطارات والمستشفيات المدنية؛ فقد حصلت شركات ليماك للطاقة على 15 مشروعاً في مجال محطات توليد الطاقة الكهرومائية، وحصلت شركة MNG على 10 مشروعات، وحصلت شركة أوز آلتين على 8 مشروعات، وشركة جنكيز للإنشاءات على 7 مشروعات، في حين حصلت كلا من شركتي كايلون للإنشاءات وكولين للإنشاءات على ثلاثة مشروعات، لكل واحدة منهما. 

أعلن اتحاد البنوك في تركيا كذلك أنه سيتم هيكلة قروض بقيمة 47 مليار دولار في قطاع الطاقة بسبب التعثر في سداد مبلغ يتراوح بين 12 و 13 مليار دولار من هذه القروض. من ناحية أخرى، تعترف هيئة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها الآن أن القروض البالغة 46 مليار ليرة تركية في مجال الطاقة والتشييد والبناء أصبحت بالفعل من الديون "المتعثرة". ومما يُلاحظ أن هذا الاعتراف جاء بالتزامن مع استعداد أردوغان للقاء ترامب في نيويورك؛ من أجل التفاوض بشأن العملية العسكرية في شرق الفرات والمنطقة الآمنة.   

وقد منح الرئيس أردوغان مهلةً للولايات المتحدة حتى نهاية الشهر الجاري لإقناع ترامب بأنه كان جادًا هذه المرة في حديثه بشأن التدخل في سوريا، وأكّد ذلك مرة أخرى، قبل مغادرته من تركيا متوجهاً إلى نيويورك، بقوله إن جميع الاستعدادات للعملية العسكرية قد اكتملت. ولدعم مصداقية أردوغان في مواجهة ترامب كذلك، قامت وزارة الصحة، من جانبها، في إطار الإعداد للعملية العسكرية أيضاً، بتعيين أطباء وجرَّاحين من 20 ولاية، بشكل مؤقت، في المنطقة القريبة من العمليات المحتملة؛ للدلالة على جدية أردوغان والحكومة التركية في هذا الموضوع.

ومع ذلك، جاءت البيانات المتعاقبة، التي صدرت عن اتحاد البنوك في تركيا وهيئة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها، لتؤكد وجود أزمة حقيقية في الاقتصاد التركي بصفة عامة والقطاع المصرفي بصفة خاصة، وتكشف النقاب عن الهزة العنيفة التي تعرض لها المقاولون والشركات الرائدة العاملة في قطاع الطاقة، بعد أن تعثروا في سداد قروض بالمليارات (سواء أكان بالليرة التركية أم بالدولار).

ومما زاد الطين بلة، أن معهد الإحصاء التركي، كان قد أعلن هو الآخر، استناداً إلى دخول الأفراد ومستوى معيشة المواطنين عام 2018، عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع التركي، مما يعني تعميق الأزمة الاجتماعية في تركيا كذلك.   
وفي حين ارتفعت الحصة التي تحصل عليها نسبة 20% من السكان، التي تمثل الشريحة الأعلى دخلاً في المجتمع، من إجمالي الدخل في الدولة إلى 47.6%، بزيادة قدرها 0.2 نقطة، مقارنة بالعام الماضي، لاحظنا وجود تراجع في حصة شريحة اﻟ 20% الأخرى، ذات الدخل المتدني بنسبة 0.2 نقطة، بما يعادل 6.1%. وبذلك، اقتربت نسبة الفقراء في تركيا، وفقاً لما أعلنه معهد الإحصاء، من 14% من السكان. 

وقد أعلن معهد الإحصاء في الدراسة ذاتها أن ما لا يقل عن  70.4% من الشعب مُثقلون بالديون، وأن 58.3% منهم لا يجدون ما يكفي من المال لقضاء عطلة لمدة أسبوع، وفي المقابل من ذلك تضخمت ثروات شريحة تتعدى نسبتها 5% من السكان.  

وعلى الجانب الآخر، بدا معهد الإحصاء والبنك المركزي التركي وكأنهما يعطيان ورقة ضغط على أردوغان، عندما أعلنا في وقت متزامن عن تراجع "مؤشر ثقة المستهلك" في شهر سبتمبر الحالي إلى 55.8%، بانخفاض قدره 4.3%. وفي حين بلغ مؤشر توقعات الوضع المالي للأشهر الـ 12 المقبلة 77.8 في أغسطس، سجل تراجعاً، هو الآخر، بنسبة 4.9%؛ ليصل إلى 74.  أو بمعنى آخر، إن المواطنين لا يتوقعون تحسناً في أوضاعهم المالية خلال المستقبل القريب؛ لاعتقادهم أن الوضع سيزداد سوءاً خلال الفترة المقبلة.  

وفي السياق نفسه، تراجع مؤشر التوقعات بالنسبة للوضع الاقتصادي العام كذلك من 74.3 في أغسطس إلى 71 في سبتمبر، بانخفاض قدره 4.4%. وهذا يعني أيضاً أن الشعب بات يؤمن أنه لن يكون هناك تحسن في الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة، وأن الوضع سيزداد سوءًا. وتشير البيانات، التي أعلنها معهد الإحصاء التركي والبنك المركزي، إلى تسارع وتيرة تراجع ثقة الشعب وعالم المال والشركات في الاقتصاد من جهة، والنظرة المتشائمة للتوقعات الخاصة بالمرحلة المقبلة من جهة أخرى.   

وفي رأيي، إنه لا مجال لوصف البيانات التي أعلنها معهد الإحصاء التركي والبنك المركزي، في الوقت الذي يستعد فيه رئيس الدولة للتفاوض مع الرئيس الأميركي، سوى أنها كانت كالخنجر الذي غُرِس في ظهر أردوغان، لذلك لن نندهش لو قام أردوغان، بعد رجوعه من نيويورك، بعزل رئيس معهد الإحصاء التركي ومحافظ البنك المركزي، واتهامها بالخيانة.

وزاد الطين بلة كذلك البيان الصادر عن معهد الاحصاء التركي، بشأن أعداد العاطلين في تركيا؛ إذ أكد ارتفاع أعداد العاطلين إلى 4 ملايين 253 ألف شخص، واقتراب أعداد الشباب العاطلين، الذين من بينهم 1.5 مليون خريج جامعي، إلى نسبة 25% من الشباب في سن العمل، مما يعني أن واحداً من كل أربعة شباب يعاني من البطالة، ولا يجد مصدر رزق ثابتاً له.  

حسناً، ولكن ماذا عن إخفاق مركز إصدار البطاقات على مستوى البنوك كذلك؟ لم يتحر المركز التوقيت المناسب كذلك عندما أعلن، على عَجَلٍ، عن عدد البطاقات الموجودة مع المواطنين في تركيا، وكأنه يسوق بشرى بأن المواطنين لا يزالون على قيد الحياة وينفقون الأموال.

 يتفاخر مركز إصدار البطاقات على مستوى البنوك بوصول أعداد بطاقات الائتمان في أغسطس الماضي إلى 227.2 مليون بطاقة، بزيادة قدرها 11%، في حين أن إجمالي عمليات الإنفاق باستخدام هذه البطاقات لم تتعد 83.6 مليار ليرة، وعندما نعرف أن إجمالي عدد السكان في تركيا 82 مليون نسمة، وأنه يُشترط لاستخراج بطاقة الائتمان أو بطاقة الخصم ألا يقل سن الشخص عن 18 عاماً، فهذا يعني أن الشخص الواحد لديه بطاقتان أو ثلاث على الأقل؛ يستخدم إحداهما في سداد ديونه، ويحاول العيش بالبطاقة الأخرى.

يلتقي أردوغان مع الرئيس الأميركي ترامب، بالتزامن مع كل هذه التصريحات والبيانات التي تفتقر إلى العمق الاستراتيجي.

وفي رأيي، إن ترامب سيبادر أردوغان، عندما يقول له الأخير "أمهلتك حتى نهاية سبتمبر لتقرر هل ستترك أمر المنطقة الآمنة لي أم لا، وإلا سأعطي أوامري لقائد الجيش بالدخول إلى هناك".

ويقول له: "انظر يا سيد أردوغان، أنت تعلم أنني أحبك، ولكني سأكرر ما قلته لك في يناير الماضي: "إذا هاجمت الأكراد، فسوف أهدم اقتصادك". وها هم رؤساء هيئة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها واتحاد البنوك التركية ومركز إصدار البطاقات على مستوى البنوك، إضافة إلى محافظ البنك المركزي في بلدك، يقولون إن الاقتصاد التركي يتهاوى كما تتساقط الأوراق في فصل الخريف، كما أن أصدقاءك المقاولين لم يعد لديهم الأموال لسداد ديونهم.

رَجُلك في البنك المركزي كذلك لم يجد وسيلة أخرى لتدبير 2.1 مليار دولار، سوى زيادة نسبة متطلبات الاحتياطي (تُعرف أيضاً باسم نسبة الاحتياطي النقدي، وهو الحد الأدنى من الأموال التي يجب على البنوك أن تحتفظ بها في حوزتها، وعادة ما يتم حسابه كنسبة مئوية من ودائع العملاء). إن الشباب لديك كسرتهم البطالة، ولم يعد شعبك يثق في الاقتصاد التركي، وفقد الأمل في المستقبل. 

دعك من الحديث أنك ستبني منازل بحدائق من أجل اللاجئين السوريين. قد تنطلي هذه الخدعة على الأوروبيين، أما أنا، فلا؛ لأن العقارات لعبتي. لن أقول "آمين" على الدعاء الذي لا يروق لي. لقد أوقفت فرض العقوبات عليك لأجل صداقتنا فقط، ولكن هناك انتخابات في أميركا العام القادم، وأنت تعلم أنني لن أستطيع دفع يد الكونغرس عنك لفترة أطول. وقد رأيت بعينيك ماذا حدث عندما رفضت تسليمنا القس الأميركي العام الماضي.

أريدك أيضاً أن تنسى موضوع اﻟ 100 مليار دولار. القرار قرارك الآن، ولكن لا تلومني إذا قمنا بهدم اقتصادكم. يمكنك أن تفكر في الأمر بهدوء على متن الطائرة، وأنت في طريق عودتك لتركيا. لا تنس أن ترسل سلامي لبوتين، وقل لروحاني أن يحذر أميركا هو الآخر".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/trump-karsisinda-erdogana-darbe-iceriden
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.