أردوغان يعترف بفشل بلاده فكرياً ويضرب موعداً لوأدِ التعليم العلماني

 

باريس / عبدالناصر نهار - يبدو أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم يكتفِ بما أنجزه من تحويل آلاف المدارس في بلاده إلى نظام تعليم "إمام خطيب" الديني، بل بات يُطالب في استراتيجيته الجديدة بتغيير كامل لمنظومة التعليم نحو "تعليم أخلاقي"، ضارباً موعداً للقضاء التام على التعليم العلماني الذي تتداعى أسسه يوماً بعد آخر، مُعبّراً عن استيائه مما أسمّاه للتقليد الأعمى الغرب.
وتؤكد تقارير التنمية البشرية الدولية أنّ أردوغان لم ينجح فقط بتحويل النظام التعليمي في البلاد من نظام علماني مُنفتح ومُتسامح إلى منهج ديني مُتشدّد، بل تسبب أيضاً في انخفاض المستوى التعليمي العلمي للطلبة الأتراك.
ويُحمّل الكثير من المعارضين والخبراء ما يسمى بمدارس "إمام خطيب" المسؤولية عن التراجع في المستوى التعليمي للتلاميذ والطلاب.
واقترح أردوغان، في صيغة تعني الأمر والتنفيذ، إصلاحًا تعليميًا جذرياً لما قال إنه لإنتاج أجيال واثقة من شأنها أن تساعد الحضارة التركية على الاستمرار في الازدهار، مُعترفاً في ذات الوقت بأنّ حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي استمر 18 عامًا، قد فشل في مجالي التعليم والثقافة ولم يُحقق المرجو منه.
واعتبر أنّ الوقت قد حان للبدء من جديد، مُلمّحاً لاستهداف المنظومة التعليمية في أساسها نحو "تعليم أخلاقي" بدلاً من تعليم يخضع للهيمنة الفكرية (أي العلمانية)، وذلك عبر تغييرات جذرية "وليس تغييرًا روتينيًا في المناهج الدراسية".
وقال أردوغان في كلمة ألقاها قبل يومين خلال مشاركته في افتتاح مجمع جامعة ابن خلدون بمدينة إسطنبول، إن العالم الغربي استلهم علوم الطب والهندسة وباقي العلوم من الشرق.
وتابع "أما نحن فقد تجاهلنا ماضينا وجذورنا، لذا فإننا نعاني اليوم أزمة فكرية خانقة، علما أن الاستقلال الفكري يعد أساس الاستقلال السياسي والاقتصادي".
واعترف قائلا "لم نتمكن من بلوغ المستويات المأمولة في التعليم والثقافة" بينما تزداد الحاجة لـِ "هيمنة فكرية (أخلاقية)" تقضي على ما تبقى من علمانية في بلاده.
وأوضح "لم نتمكن بعد من تفعيل رؤيتنا للحضارة بشكل فعلي، فإعلامنا، رغم امتلاكه أحدث البنية التحتية، إلا أنه لا يستطيع إسماع صوتنا، وكذلك نعاني من مشاكل مماثلة في العلوم والتعليم والفن والثقافة".
وقال أردوغان "في الفترة المقبلة، من الضروري بالنسبة لنا تعليم أطفالنا بشكل صحيح بدءًا من الأسرة وطوال حياتهم التعليمية"، مُشيراً إلى أنّ ذلك "يجب أن يشكل الموضوع الرئيسي لرؤية 2053 لتركيا، مُشددًا على أن نظام التعليم في بلاده يعتمد على تدريس المواد السهلة فقط دون التعليم الأخلاقي الضروري".
واتهم وسائل الإعلام والأسر التركية بضعف تأثيرها للتوجّه نحو تعليم صحيح، مُشيراً إلى ما أسماه "امتلاء الفجوة التي نشأت في عقول وقلوب أطفالنا بمواد الثقافة الشعبية ذات الجذور الغربية أو بهذيان الأمواج المنحرفة".
وأكد الرئيس التركي أنّه يتعيّن إصلاح التعليم بدءًا من مرحلة ما قبل المدرسة إلى التعليم العالي في محاولة للتغلب على المشكلات الناجمة عن فهم دام عقودًا لاستيراد النظام الغربي وثقافته، واصفًا ذلك بأنه "تقليد أعمى للغرب".
وقال "يتلقى أطفالنا التعليم، لكن ليس لدينا ما يكفي من القوة البشرية المتعلمة لجعلنا جميعًا واثقين. نحن نقوم بتربية الشباب ولكن لا يمكننا تحقيق رؤيتنا الحضارية بشكل صحيح".
واعترف بفشل الأتراك "في شرح أنفسنا للعالم حتى فيما يتعلق بالقضايا التي نحن على حق بشأنها.. وهذا هو سبب اعتقادي بأننا لا نستطيع تأسيس حكمنا الفكري ".
وشدّد أردوغان على أنّ تقليد الآخرين لن يُساعد أيّ دولة في العالم على تجاوز المستوى الفعلي للحضارة، وأنّ ما تحتاج تركيا إلى تبنّيه هو عقلية تقدمية تنبع من التقاليد.

 

فشل ذريع لمدارس "إمام خطيب" الدينية
وكان استطلاع رأي أجرته مؤخراً مؤسسة أنصار الدينية التركية، كشف أن أكثر من 70 في المئة من خريجي مدارس "إمام خطيب" في تركيا، يأسفون على تلقيهم التعليم في المدارس الثانوية الدينية التي أقرّتها الحكومة.
ويقول 73 بالمائة من خريجي تلك المدارس، إنهم لن يدرسوا فيها مرة أخرى فيما لو أتيحت لهم فرصة الاختيار.
وارتفع عدد المدارس المخصصة لتدريب رجال الدين الإسلاميين، في ظل حُكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمدة 18 عامًا، وهو نفسه من خريجي "إمام خطيب"، من 450 مدرسة عندما تولى السلطة، إلى أكثر من 5000 اليوم.
وقال 44 في المائة، إنهم اختاروا تعليم "إمام خطيب" بعد أن فشلوا في الحصول على درجات كافية في امتحان تحديد المستوى تؤهلهم للانضمام للمدارس الثانوية الاعتيادية، وبالتالي فلم يكن لهم أيّ خيار آخر سوى مدارس "إمام خطيب".
ويوجد اليوم في تركيا أكثر من 620 ألف طالب ثانوية في مدارس "إمام خطيب" الدينية.
ويربط النقاد بين سوء قدرة الأداء لدى التلاميذ وبين تأسيس هذا العدد الهائل من مدارس ـ إمام خطيب. ويشيرون بوضوح إلى أن طلاب هذه المدارس، يجدون صعوبة في تجاوز الامتحان المركزي العام المؤهل لدخول الجامعة، حيث ينجح في هذا الامتحان عدد قليل جدا من تلاميذ هذه المدارس الدينية.
ومدارس "إمام خطيب"، هي مؤسسات مدرسية تعليمية تضع الدروس الدينية في صدارة منهاجها التدريسي، مثل دراسة القرآن والحديث. وكانت هذه المدارس في السابق تخرج فقط أئمة المساجد، لكن حكومة حزب العدالة والتنمية أجرت تعديلا على النظام التعليمي بشكل جعلت من المدارس الدينية أكثر قبولا في المجتمع.
وأظهر مسح حديث للأداء الأكاديمي أعدّته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولية، أن نجاح تلاميذ مدارس الإمام الخطيب أقل من المتوسط على المستوى الوطني.
وبصورة أعم، تراجعت تركيا بشكل مخيف في تصنيفات المسح لكلّ من العلوم والرياضيات والقراءة من بين 72 دولة مُقارنة مع دراسات سابقة.
وكان أردوغان بنفسه تلميذا في الستينات من القرن الماضي من تلاميذ مدارس "إمام خطيب" الدينية في إسطنبول.
آنذاك كانت المدارس الدينية، نادرة جدا. لكن ومنذ وصوله إلى السلطة عمل الرئيس التركي من أجل تحويل المدارس الدينية إلى مدارس مقبولة في المجتمع، وأصبحت القضية تهم أردوغان شخصيا.
وكرّر أردوغان مرارا موقفه الواضح من هذه القضية، حيث كان يقول دائما: إنه يريد رؤية "جيل متدين". ومن خلال التدخل في نظام التعليم ورعاية الشباب يحاول أردوغان ترسيخ مفاهيم إسلامية محافظة لدى الأجيال الجديدة في المجتمع. وعلى هذا الأساس يمكن الاعتقاد بأن التربية الدينية بالنسبة لأردوغان لها نفس الأهمية مثل التربية الدنيوية.