أردوغان يعود إلى مقعد القيادة

قد يكون الرئيس رجب طيب أردوغان آمناً في موقعه كزعيم لتركيا كما كان من قبل، حتى بعد إدانة دولية واسعة النطاق لهجومه على سوريا وما اعتبره كثيرون خسائر انتخابية أضعفته في وقت سابق من هذا العام.

وجرى تشريد حوالي 300 ألف شخص منذ أن بدأت تركيا عملية عسكرية في شمال شرق سوريا في التاسع من أكتوبر، بهدف تطهير مناطقها الحدودية من قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد ووحدات حماية الشعب الكردية التابعة لها.

وأوقف الاتحاد الأوروبي مبيعات الأسلحة إلى تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهدد بفرض عقوبات. ووافق مجلس النواب الأميركي على فرض عقوبات على أردوغان ومسؤولين أتراك آخرين بسبب الهجوم على سوريا، في حين وصفت مجموعة من الشخصيات والمنظمات البارزة تصرفات تركيا وحلفائها من مقاتلي المعارضة السورية بأنها تطهير عرقي وجرائم حرب، مشيرة إلى تقارير عن استخدام الفسفور الأبيض وتنفيذ عمليات إعدام على جانب الطريق.

كانت هناك انتقادات في الداخل أيضاً. فقد وجه زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي، كمال كليجدار أوغلو، انتقادات مفصلة لسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم في سوريا وسلط الضوء على سبعة أخطاء بما في ذلك السماح بمرور المقاتلين الأجانب للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

لكن استطلاعاً للرأي أظهر يوم الثلاثاء كشف أن تأييد أردوغان قد زاد منذ بدء العملية، وبلغت نسبة تأييد الرئيس 48 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ 18 شهراً.

وقال تيزغان غوموش، المحاضر في جامعة ملبورن ومحلل شؤون السياسة والديمقراطية في تركيا، لموقع (أحوال تركية) في بث صوتي (بودكاست) "لقد استفاد أردوغان بالتأكيد من هذا التوغل".

وقال عدد من المحللين إن الهجوم التركي على سوريا كان في معظمه خطوة سياسية خلال أوقات عصيبة. أشار غوموش إلى الانكماش الاقتصادي الكبير في تركيا منذ أزمة العملة التي بلغت ذروتها في أغسطس 2018 والهزائم الانتخابية لحزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى، بما في ذلك إسطنبول وأنقرة في وقت سابق من هذا العام، والتحدي الذي يلوح في الأفق من اثنين من كبار أعضاء حزب العدالة والتنمية السابقين اللذين يستعدان لإطلاق حزبين سياسيين جديدين.

وقال غوموش "لقد كانت خطوة انتهازية للغاية فيما يتعلق بتغيير الانزلاق الانتخابي واستعادة شعبيته - ويبدو أن هذا التجمع حول استراتيجية العلم التركي نجح على الفور في تحقيق شعبية أردوغان".

يشير غوموش، الذي يتناول كتابه المقبل أحزاب المعارضة في تركيا في ظل الحكم الاستبدادي، إلى أن أردوغان تفوق بميزتين أساسيتين على أسلافه مثل عدنان مندريس، رئيس الوزراء في الفترة من 1950 إلى 1960: لقد قام بتقليم أظافر الجيش، الذي كان سيتدخل لو كنا في عصور سابقة لوقف أي انزلاق نحو الاستبداد، وطبق نظاماً رئاسياً منحه سلطة لم يسبق لها مثيل.

وتابع غوموش قائلاً "منذ الاستفتاء على الدستور في عام 2017، تخضع جميع أذرع الدولة والحكومة للرئيس إلى حد كبير ... السلطة الساحقة في أيدي أردوغان وليس هناك ما يمكن أن تفعله أحزاب المعارضة حقاً".

ويشير غوموش إلى أنه في غضون 12 شهراً بعد الاستفتاء، تم إصدار أكثر من ثلاثة أرباع جميع القوانين الجديدة (77 في المئة) بموجب مراسيم رئاسية، دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة أو المشاركة البرلمانية.

يرى البعض رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو منافساً محتملاً لأردوغان، لا سيما في ضوء فوزه الساحق في انتخابات البلدية التي جرت في شهر يونيو، والتي اعتبرها الكثيرون بداية النهاية لرئيس تركيا.

ومع ذلك، بدأ أردوغان في استخدام صلاحياته الرئاسية لتقليص نفوذ إمام أوغلو، كما فعل من خلال مشروع قانون جديد من شأنه تسليم السلطة على جميع أشكال التنمية بالقرب من مضيق البوسفور إلى هيئة وطنية جديدة، ونقلها من بلدية إسطنبول.

ويتوقع غوموش أن يواصل أردوغان إصدار مراسيم تقضي على سلطة المدن التي تسيطر عليها المعارضة، لا سيما إسطنبول، وهي مصدر أساسي لمحاباة حزب العدالة والتنمية. قد يقاوم إمام أوغلو مثل هذه التحركات في المحكمة، لكن لا يمكنه فعل الكثير لإبطالها.

وقال غوموش "ثمة طرق طويلة يتعين على إمام أوغلو أن يقطعها من أجل أن يتحدى أردوغان، نظراً لأن أردوغان له سيطرة واسعة على المشهد السياسي".

يعود تحسن موقف أردوغان إلى حقيقة أن المنتقدين غالباً ما يتم إسكاتهم بتهم جنائية وأن الغالبية العظمى من وسائل الإعلام التركية مؤيدة للحكومة. قد يفسر هذا السبب في أنه لم يسمع إلا القليل في الأسابيع الأخيرة من القيصر الاقتصادي السابق علي باباجان ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو وقد انفصل الاثنان عن حزب العدالة والتنمية في الآونة الأخيرة وثمة توقعات بأن يطلق كل منهما حزباً جديداً هذا الشهر.

وتساءل غوموش إذا كانا ينتظران لتحين الفرصة حتى تمر موجة الشعبية القومية ومن ثم يحاولان لفت انتباه الجمهور. وقد يرى أيضاً أن أردوغان سيدعو لإجراء انتخابات مبكرة - إذ لا توجد أي انتخابات مقررة حتى نهاية عام 2023 - قبل أن تتمكن الأحزاب الجديدة من ترسيخ أقدامها.

وقال غوموش "قد يحدث هذا بالتأكيد، لأنه يركب موجة هائلة من الشعبية ... لكن هذا يعني أنه سيفوز مرة أخرى".

وفضلاً عن اقتصاد تركيا الذي لا يزال يواجه صعوبات، قد تكون نقطة الضعف في درع أردوغان السياسي تتمثل في عدم وجود دعم من الأكراد، أي حوالي 18 في المئة من السكان. دعم كثيرون من الأكراد في تركيا حزب العدالة والتنمية في سنوات أردوغان الأولى، لا سيما بمجرد بدء عملية السلام في عام 2013.

لكن منذ أن تجدد الصراع مع حزب العمال الكردستاني في منتصف عام 2015، شهد الأكراد الأتراك تدمير العديد من مدنهم وجرى توجيه اتهامات لكثيرين من كبار السياسيين وتعرضوا للاعتقال والسجن، وفي هذا العام فقط تمت الإطاحة برؤساء بلديات أكبر ثلاث مدن في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية في غضون أسابيع من الانتصارات الانتخابية.

والآن تنقل أنقرة قتالها للأكراد عبر الحدود في سوريا حيث ترى أن وحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية تمثل امتداداً لحزب العمال الكردستاني، الذي تضعه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا على قائمة الجماعات الإرهابية.

وقال غوموش "لقد أثار هذا الكثير من عدم ثقة المجتمع الكردي تجاه الحكومة في أنها ستفعل أي شيء بشكل صحيح ... أعتقد أن وصول السكان الأكراد المحليين إلى نوع من الحل السياسي عديم الوجود في هذا التوقيت".

ومع ذلك، فقد تمكن أردوغان من البقاء في صدارة المشهد السياسي التركي لفترة طويلة لأنه في الأساس لاعب سياسي ذكي. وتوقع غوموش أن يبقى أردوغان في السلطة لسنوات عديدة.

وقال "بالتأكيد لا أعتقد أن أردوغان سيذهب إلى أي مكان طواعية أو من خلال الانتخابات ... على امتداد تاريخ تركيا متعدد الأحزاب، نرى سوابق لما يحدث الآن، لكن أردوغان هو الزعيم الوحيد الذي تمكن من جمع الكثير من السلطة السياسية في يديه ويمارسها بحرية ودون أي رقيب".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/akp/turkeys-erdogan-back-drivers-seat
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.