أصدقاء أردوغان يجنون المليارات على حساب المواطنين

كشفت الأرقام الواردة في تقرير صادر من إدارة الاستراتيجية والميزانية التابعة للرئاسة التركية أن السياسات الاقتصادية الرئيسية التي يتبناها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ستسفر على الأرجح عن إثقال كاهل البلاد بالديون خلال العقود القادمة.

تغطي بيانات إدارة الاستراتيجية والميزانية عددا من نماذج الاستثمار التي صارت من السمات المميزة لحكم حزب العدالة والتنمية المستمر منذ 17 عاما – بما فيها مئات مشروعات البنية التحتية وغيرها من المشاريع الرئيسية – وتشمل نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ونماذج تسمح لشركات القطاع الخاص بتشييد البنية التحتية ثم إدارتها بصفة دائمة أو مؤقتة، ونموذج "نقل حقوق التشغيل".

وعلى الرغم من أن هذه النماذج لا تمثل سوى واحد في المئة من الاستثمارات العامة المباشرة في تركيا، إلا أن الكثير منها يشتمل على دخل مضمون للمستثمرين لفترات تصل إلى 25 عاما. وحيث أن هذا الدخل مربوط بأسعار صرف العملات الأجنبية وتدفعه وزارة الخزانة، فقد تواجه البلاد وضعا خطيرا في ربع القرن القادم.

لننظر على سبيل المثال إلى مطار ظافر (مطار النصر) في كوتاهية بغرب تركيا. فلقد جرى بناء المطار بموجب نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية، مع شروط تفترض حصصا مرتفعة من المسافرين في ضوء عدد سكان المحافظة. ويلزم العقد وزارة الخزانة بدفع مبلغ مالي لشركة المقاولات آي.سي إتشتاش التي تتولى تشغيل المطار عن كل مسافر دون الحصة المحددة لحين انتهاء مدة التعاقد في العام 2044.

وعلى مدى السنوات الخمس الأولى من العقد، قلت أعداد المسافرين بنسبة 95 في المئة عن الحصة المحددة، لتحصل آي.سي إتشتاش على 20 مليون يورو من وزارة الخزانة.

وقد استخدم نفس النموذج في مشروعات أخرى بشتى أنحاء تركيا، في قطاعات من بينها السكك الحديدية والطاقة والمستشفيات والبنية التحتية العامة.

تتعلق بيانات إدارة الاستراتيجية والميزانية بالفترة من العام 2003، وهي السنة التي شهدت تدشين أول مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتولى فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السلطة في البلاد، إلى النصف الأول من العام 2018، وتستند إلى سعر صرف يبلغ 5.28 ليرة للدولار، بما يقل كثيرا عن سعر الصرف الحالي الذي يقترب من ست ليرات للدولار.

ومنذ العام 2003، زاد عدد هذه المشروعات بوتيرة سريعة، وكثير منها تتجاوز قيمته المليار دولار. وفي العام 2010، جرى طرح 27 مشروعا قائما على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وارتفع عدد هذه المشروعات في 2013 إلى 79 مشروعا.

في المجمل، اضطلعت شركات المقاولات ذات الصلة بحكومة حزب العدالة والتنمية بعدد 238 مشروعا بموجب النماذج المذكورة، وجميعها بضمانات من الحكومة.

وفي حين وصل إجمالي قيمة الاستثمارات التي تم ضخها في هذه المشروعات إلى أكثر من 63.6 مليار دولار، إلا أن قيمة العقود – مع الأخذ في الاعتبار ضمانات الحكومة – تزيد على 139.7 مليار دولار.

بمعنى آخر، ستدفع الحكومة للمقاولين المرتبطين بحزب العدالة والتنمية نحو 76 مليار دولار كضمانات من وزارة الخزانة فوق ما كانت ستنقفه على هذه المشروعات إذا تولت تنفيذها بنفسها من الأموال العامة أو طرحت عطاءات مفتوحة لها.

لقد تعهد أردوغان بأنه لن يتم إنفاق "خمس سنتات" من الأموال العامة على المشروعات، التي يتعلق نحو 80 في المئة منها بالنقل والبنية التحتية. ولكن في الواقع، ستدفع وزارة الخزانة، ومن ثم دافعو الضرائب، ما يربو على نصف الاستثمارات البالغة 140 مليار دولار إلى شركاء الأعمال المقربين لحزب العدالة والتنمية.

في الوقت نفسه، سيضطر المواطنون الأتراك أيضا للاستمرار في دفع الأموال إلى هذه الشركات مباشرة في صورة رسوم السفر وفواتير الكهرباء والغاز وفواتير المستشفيات وتكاليف النقل حتى نهاية عقودها.

ومن بين المشروعات، التي قُدم الكثير منها إلى الشركات بفضل تعديلات في قانون العطاءات أو مُنحت لها بدون طرح أي عطاءات أساسا، ثمة 89 مشروعا لإنتاج وتوزيع الطاقة. وكان هناك 42 مشروعا لمد طرق سريعة، و22 مشروعا لتشييد موانئ و21 مشروعا لبناء مستشفيات بجانب 19 مطارا.

تُقدم ضمانات هذه المشروعات بالدولار أو اليورو، مما يعني أن تراجع الليرة زاد من الضرر الذي لحق بالميزانية مع مرور كل سنة. لذلك، وبينما جرى تخصيص ست مليارات ليرة لضمانات هذا النوع من المشروعات في العام 2018، ارتفع هذا المبلغ بنسبة 40 في المئة في ميزانية 2019 ليصل إلى 9.6 مليار ليرة. وفي ضوء هبوط العملة التركية هذا العام، بات جليا بالفعل أن هذا المبلغ لن يكفي لتغطية المدفوعات في السنة الحالية.

على مدى الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، بلغ العجز 54.5 مليار ليرة، وهو ما يقرب بالفعل من المستوى المستهدف في الميزانية للعام بأكمله والبالغ 80.6 مليار ليرة. ولا شك أن مدفوعات الضمانات لعبت دورا كبيرا في ذلك.

ومع ترقب صدور البيان التمهيدي لموازنة 2020 في الأول من يوليو، بات من المتوقع على نطاق واسع بالفعل أن يتجاوز المبلغ المخصص للضمانات 20 مليار ليرة.

وفي ظل انخراط تركيا في أزمة دبلوماسية مع الولايات المتحدة بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس-400 واحتمال فرض عقوبات أميركية من شأنها أن تدفع الليرة لمزيد من الهبوط بعد تقلبات شديدة شهدتها العملة على مدار عام، ثمة احتمال كبير بأن ترتفع مدفوعات الضمانات إلى مثليها أو حتى ثلاثة أمثالها في العام المقبل.

إن كاهل الاقتصاد التركي ينوء بالعبء الثقيل الذي تشكله هذه المدفوعات منذ عقود، وحيث أنه لا مفر منها على ما يبدو، ستجد الأجيال القادمة نفسها مضطرة للتعامل مع الديون الضخمة التي تراكمت على هذه الحكومة.

وكان لهبوط الليرة بالفعل تأثير كبير على الاقتصاد التركي، حتى أن المقاولين الذين جنوا ثمار نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص يبحثون الآن عن سبل للخروج من المشاريع التي تضمنها وزارة الخزانة التركية. فتتطلع شركة أستالدي الإيطالية لبيع أسهمها في جسر السلطان سليم الأول الجديد في إسطنبول، بينما تحاول شركة كولين للمقاولات ذات الصلة بحزب العدالة والتنمية بيع أسهمها في مشروع مطار إسطنبول الجديد.

وقد تبين أن المطار، الذي جرى افتتاحه بالكامل في شهر أبريل، يشكل عبئا ثقيلا على جميع الأطراف المشاركة فيه. وآخر ما ورد من الدوائر الاقتصادية عن هذا المشروع هو أن اتحاد الشركات الذي شيد المطار يجد صعوبة في دفع الإيجار السنوي البالغ مليار يورو بسبب هبوط الليرة، وطلب من الحكومة تأجيل سداد مدفوعات أول عامين حتى نهاية فترة التشغيل البالغة 25 عاما.

الآن تسعى الشركات المرتبطة بحزب العدالة والتنمية إلى تأجيل مدفوعات الإيجار الخاصة بالمشروعات التي اضطلعت بها. وفي حالة نشوب أزمة اقتصادية، فإن هذه الشركات نفسها قد تعلن عجزها عن سداد التزاماتها للدائنين، مما يترك وزارة الخزانة الضامنة للقروض التي تم جمعها لاستكمال المشروعات، أمام مزيد من الأعباء.

في هذه الحالة، ستضطر الدولة لتأميم المطارات والجسور والمستشفيات ومحطات الكهرباء التي جرى إنشاؤها بموجب نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

السؤال الذي سيُطرح عندئذ هو: من المسؤول عن نظام شهد إنفاق 140 مليار دولار على مشروعات كان من الممكن إتمامها بمبلغ 63.4 مليار دولار فحسب؟.. والسائل هنا سيكون قاضيا في إحدى المحاكم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/public-private-partnership-model-nets-turkish-government-linked-firms-billions
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.