عاصفة تسريحات جماعية في القطاع المصرفي التركي

 

كتبتُ في مقال سابق أنّ عاصفةً تقترب من قطاع الخدمات التركي، خصوصًا في تجارة التجزئة. ولا شك أن الخدمات المصرفية تعتبر واحدة من المجالات الأساسية لقطاع الخدمات.
وسرعان ما انتشرت أخبار عن سعي بنك "يابي كيريدي" (Yapı Kredi) إلى طرد مئات من العاملين من قسم الخدمات المصرفية للأفراد في منطقة "جيبزه" غرب إسطنبول.
لقد انضمّ حوالي 500 ألف موظف في قطاع الخدمات إلى طابور العاطلين عن العمل في تركيا في العام الماضي، غير أن ذلك لم يستطع أن يثير ضجة كبيرة في الرأي العام بقدر الضجة التي أثارها فصل حوالي 200 موظف كانوا يعملون في بنك يابي كيريدي.
أعتقد أنه يجب علينا أن نعزو سبب ذلك إلى مستوى التعليم الذي تلقاه المصرفيون وإلى تحركهم أكثر تخطيطًا وانتظامًا من زملائهم الآخرين.
تسريح العمال في البنوك ليس ظاهرة جديدة. فوفقًا لأرقام هيئة التنظيم والرقابة المصرفية، زاد عدد البنوك في القطاع واحدًا فقط في الأشهر الـ13 الماضية اعتبارًا من أغسطس عام 2018، حيث قلبت الأزمة الاقتصادية الأسواق التركية رأسًا على عقب، في حين تمّ تسريح 4 آلاف مصرفي، وإغلاق 167 فرعًا للبنوك، وإزالة 211 فرعًا من النظام على شبكة الإنترنت للشروع في تنفيذ الإجراءات اللازمة لإغلاقها.
وإذ أردنا عقد مقارنة بين هذه الأرقام والمُعطيات العامة للقطاع، فإننا سنرى أن عدد البنوك المغلقة والمصرفيين العاطلين هو 1.4 و1.9 في المئة على الترتيب. وهو في الواقع معدل منخفض للغاية مقارنة بحجم انكماش الخدمات المصرفية. وإذا كانت البنوك ستتوجه لخفض عدد الموظفين وفروعها تماشياً مع الوضع المالي المتدهور، فلن يكون من الخطأ أن نقول بأن التسريح الجماعي في بنك يابي كيريدي ليس إلا بداية.
ولا شك أن توقعاتنا في هذا الصدد تعتمد على معطيات ملموسة وموضوعية.
بادئ ذي بدء، لم يعد رؤساء البنوك يعملون في قطاع مربح للغاية كما كان الحال في السنوات السابقة.
وفقًا للبيانات الرسمية، فإن حجم الربح قبل الضريبة في القطاع المصرفي انخفض بنسبة 14 في المائة بالقيمة الاسمية في نهاية سبتمبر. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار معدلات التضخم، فإن الخسارة الحقيقية تتجاوز 25 في المائة.
والأهم من ذلك، هناك انهيار سريع في هوامش الربح، بالنظر إلى العائد على الأموال المودعة من قبل شركاء البنوك. وكان العائد على حقوق المساهمين 12.5 في المئة في سبتمبر من العام الماضي، في حين أنه تراجع حاليا إلى أقل من 9.5 في المئة، علمًا أن هذه النسبة لم تنخفض تحت سقف 15 في المئة حتى في غضون السنوات الطويلة التي كثرت فيها عمليات شراء وبيع البنوك في تركيا.
لا يقتصر الأمر على ذلك، فعندما نقارن الإيرادات في القطاع المصرفي بعدد الموظفين والفروع، تزداد النقاط السوداء.
فقبل كل شيء، إذا نظرنا إلى مقدار الأموال التي تنفقها البنوك في سبيل مصروفات تشغيلها من الرسوم/ العمولات وإيرادات الخدمات الناتجة من أرباح المعاملات غير المتعلقة بالفائدة، أي من قطاع الخدمات، نرى أن السعر ارتفع إلى 89.7 في المائة بعدما كان 75.7 في المائة العام الماضي.
بمعنى آخر، لقد آل القطاع المصرفي التركي إلى وضع بحيث بات لا يستطيع جني أي أموال من قطاع الخدمات الرئيسي.
من الممكن أن نقدم مزيدًا من الإحصاءات والمعطيات المماثلة في هذا المضمار. فقد انخفض الربح قبل الضريبة لكل موظف في القطاع بنسبة 15 في المائة في العام الماضي، بينما اقتصرت الزيادة في القروض على ما نسبته 4 في ألف.
وبالمثل، فإن معدل نمو إجمالي الودائع لعدد الموظفين والفروع أصبح أقل من نسبة التضخم.
تُظهر هذه الحقائق أن جميع البنوك، بعددٍ مشابهٍ من الموظفين، أصبحت تحصل على ودائع أقلّ، وتقدّم قروضًا أقلّ، وبالتالي تكسب أرباحًا أقلّ. وهذا بالطبع مؤشر يدل على أن الوقت قد حان لشركاء البنوك ليُجروا حساباتهم مجددًا.
من ناحية أخرى، فإن التحول في الميزانية العمومية الذي شهدته البنوك التركية في العام الماضي يفرض سلسلة من التغييرات التي ستؤدي إلى تقلص من حيث عدد الموظفين والفروع. يمكن أن نرى هذا بسهولة من خلال النظر إلى المجالات التي يوجه القطاع إليها أصوله وأمواله.
لقد نما بند الأوراق المالية للبنوك بنسبة 25 في المائة في العام الماضي، وأصبح أسرع البنود نمواً في الميزانية العمومية. بمعنى آخر، فإن البنوك باتت تقوم بمهمة تمويل الديون الحكومية بدلاً من الإقراض، كما كانت تفعل في التسعينيات من القرن الماضي. وقد أدى هذا التطور إلى زيادة حصة الأوراق المالية في إجمالي الأصول من 11 في المائة إلى 14 في المائة.
وكما يعلم الجميع، فإنّ الخدمات المصرفية القائمة على خدمات الأوراق المالية هي خدمة مصرفية جماعية تتمّ بعدد أقلّ من الفروع والموظفين مقارنة بالمصرفية التي تعتمد على خدمات مصرفية للأفراد. وهو الأمر الذي يعني أنّ الإبقاء على المزيد من الموظفين والفروع للبنوك قد تأجل في الوقت الحالي على الأقل.
بناء على ذلك ينبغي أن نقول بأن عمليات التسريح الجديدة في قطاع البنوك سوف تستمر حتى الوصول إلى العدد المثالي من الموظفين.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/yapi-kredi-baslangic-bankacilikta-issizlik-firtinasi-geliyor