يوليو 16 2019

إسلاميّو تركيا: قوانين حماية المرأة تُهدد الأسرة

أطلق إسلاميون أتراك حملة ضد اتفاقية أوروبية وقانون محلي يناهضان العنف ضد المرأة، وقالوا إنهما يُمكّنان مجتمع الميم (المثليين) ويهدفان إلى تدمير الأسرة التركية.

هذا الجدل المحتدم أحد النقاط التي بدأت الخلافات تظهر عندها داخل الحركة الإسلامية التي يتزعمها الرئيس رجب طيب أردوغان، حتى أن إحدى المنظمات النسائية المحافِظة التي أسستها ابنته لم تسلم من الانتقاد.

تبدأ القصة بسنوات من الإساءات التي عانت منها نادين أوبوز بعد أن تزوجت في عام 1995. فقد كانت تتعرض للضرب على يد زوجها، الذي حاول دهسها بسيارته وطعَنَها. وتجاهلت الشرطة استغاثاتها مراراً، وسمحت لزوجها بأن يستمر في الإفلات من العقاب، حتى أردى أُمه قتيلة في عام 2002 عندما أطلق النار عليها.

وقاضت أوبوز تركيا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان؛ وفي عام 2009، أُدينت تركيا بسبب عدم تقديمها الحماية لها على الرغم من أنها حاولت كثيراً أن تمارس حقها القانوني.

وشَكّل الحُكم في قضية أوبوز سابقة وأساساً لاتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي.

سُميت تلك الاتفاقية باتفاقية إسطنبول، نسبة إلى المدينة التي جرى توقيعها فيها في عام 2011. وتُلزم الاتفاقية مُوقّعيها بمكافحة التمييز على أساس النوع والهوية الجنسية؛ وتُلزمهم أيضاً باتّخاذ تدابير احترازية في مواجهة العنف العائلي، وتعويض ضحاياه وإصدار أحكام تتناسب مع جُرم مرتكبيه.

كانت تركيا أول دولة تُقر الاتفاقية في عام 2012، وما لبث حزب العدالة والتنمية الحاكم وجماعاته النسوية أن روّجوا لهذه الاتفاقية بعد ذلك بقليل.

وأفضى الحكم في قضية أوبوز أيضاً إلى تأسيس وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية في تركيا، والتي عملت مع المنظمات النسوية لإعداد (القانون رقم 6284) لسنة 2012، والذي يهدف إلى حماية المرأة والأطفال المعرّضين للعنف أو المهددين به.

لكن في السنوات الأخيرة، ومع سيطرة معاداة تغريب المجتمع على الخطاب التركي السائد، بدأ الكثير من المحللين والسياسيين الإسلاميين ينظرون إلى الاتفاقية والقانون على أنهما جزء من مؤامرة أوروبية للقضاء على تكامل الأسرة التركية. وقد ضغط هذا على مجتمع الميم في تركيا، ومن يعملون من أجل الحد من العنف العائلي.

وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك، مثل سما مراشلي – وهي كاتبة مُحافظة معروفة بمعارضتها الشديدة للنسوية. فقد ادّعت مراشلي بأن إقرار اتفاقية إسطنبول كان سبباً في "عقاب إلهي" لحزب العدالة والتنمية بعدما خسر الأخير في الانتخابات التي جرت على منصب عمدة إسطنبول في الثالث والعشرين من يونيو.

وليست مراشلي وحدها هي من يتبنى مثل هذه الآراء؛ فقد قال شاكر تريم، الكاتب في صحيفة (ملّي غازيت) الإسلامية اليومية، إن الاتفاقية مخطط من أوروبا لتخريب المجتمع من خلال المرأة." وحذر كاتب إسلامي آخر، وهو تايار تارجان، من أن هذا سيؤدي في يوم من الأيام إلى تشريع يسمح بزواج المثليين. وذهب بعض الكُتّاب الإسلاميين إلى أبعد من ذلك، حيث وصفوا الاتفاقية بأنها "إرهاب المرأة".

ووفقاً لإيليف شاكر، الكاتب في صحيفة (قرار) الإسلامية المعارضة، فقد ذكر أردوغان خلال اجتماع عُقد الشهر الماضي أن اتفاقية إسطنبول ليست مُلزمة. بعد ذلك حاولت ممثلة لجمعية المرأة والديمقراطية، التي تتولى ابنة أردوغان منصب نائب الرئيس فيها، أن تتحدث خلال الاجتماع، لكن الحضور أثاروا صخباً وأسكتوها.

منذ ذلك الحين، صارت الجمعية هدفاً للانتقاد، على الرغم من أنها كانت حتى ذلك الوقت تتمتع بنوع من الحصانة بسبب علاقاتها بالرئيس. ودعا يوسف كابلان، الكاتب في صحيفة (يني شفق) الموالية للحكومة، الأسبوع الماضي الإدارة إلى إلغاء مشروعات مع الجمعية.

وقال كابلان في تغريدة إن "حماية الأسرة أصبحت قضية أمن قومي". وأشار في التغريدة إلى سلجوق باير أكتار، زوج سمية أردوغان. واتّهم الجمعية أيضاً بتلقي أموال من جمعية خيرية تابعة للملياردير جورج سوروس.

وقال باير أكتار إن كابلان كان يدعم تكامل الأسرة، ووصف مزاعم الارتباط بسوروس بأنها محض افتراء. وحضرت سمية باير أكتار الأسبوع الماضي مؤتمراً صحفياً لجمعية المرأة والديمقراطية، التي قالت رئيستها صالحة أُكور غومروكتشو أوغلو خلاله إن مصطلح "المساواة بين الجنسين" لم يُفهم على النحو الصحيح، وإن جمعيتها تفضل مصطلح "العدالة بين الجنسين" نظراً لأن مصطلح المساواة بين الجنسين "لا يعكس حجم الاختلافات الكبيرة بين المرأة والرجل".

لكن المؤتمر الصحفي فشل في وقف الانتقادات. ووصف عبد القادر كارادومان، وهو أحد عضوين في البرلمان عن حزب السعادة الإسلامي المعارض، اتفاقية إسطنبول بأنها "بشاعة" تهدف إلى تفتيت الأسرة.

من هنا فقط، صارت الانتقادات أكثر تعصباً. وقال إحسان شِنُوجاك، الذي أقالته مديرية الشؤون الدينية (ديانت) من منصبه لأنه أفتى بأن النساء اللائي يدرسن في الجامعة مصيرهن إلى النار، إن الاتفاقية أعطت مشروعية للحياة غير الأخلاقية "لا تُناسب حتى الحيوانات".

وقال حجي أحمد أوزدمير، العضو في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية، لإحدى الصحف إنه "لا يوجد إنسان يملك السلطة أو الحق في استخدام عضو للتغوط كعضو جنسي".

ووصف بعض المحافظين المساواة بين الجنسين والمثلية الجنسية بأنهما "من أنواع الإرهاب،" بينما وصف بيان من حزب الدعوة الحرة الإسلامي القوانين بأنها مخطط أوروبي "لإخضاع تركيا ثقافياً" وشرعنة "النزوات الجنسية".

وأثار علي إرباش، رئيس ديانت، الصدام بين المحافظين وأطياف المجتمع التي تدافع تلك القوانين عنها، حيث قال رداً على مسيرة مجتمع الميم الشهر الماضي في إسطنبول "الانحرافات" بدأت تدخل أجندة العالم العامة، وتركيا في الآونة الأخيرة.

وقال إرباش إن مسيرة مجتمع الميم "تتعارض مع الفطرة... وتقضي على بناء الأسرة القائم على وجود أب وأم" وإنه بالتالي يتعين على جميع العقائد الوقوف ضد "المثليين الذين لا يريدون أن يصبحوا آباء وأمهات، ويتزوجون بعضهم البعض".

لكن على الرغم من كل هذه الجلبة التي تُثار حول تشجيع الدولة المزعوم للمثلية الجنسية، فإن الدولة استهدفت جميع منظمات مجتمع الميم المعروفة تقريباً في تركيا بسبب "السلوك غير الأخلاقي،" فيما لم تحصل مسيرات الفخر على التصاريح اللازمة لتنظيم مسيرات في الكثير من المدن – بما في ذلك في إسطنبول – منذ عام 2015.

وقبل ذلك التاريخ، كانت مسيرة الفخر قد أصبحت فعالية سنوية في إسطنبول يحتفل بها عشرات الآلاف من الناس سنوياً، بعد أن حصلت على تصريح رسمي في عام 2003، واجتذبت نحو 100 ألف شخص في عام 2013.

وواجهت منظمة (كاوسغل) الحقوقية المعنية بمجتمع الميم، والتي تتخذ من أنقرة مقراً، محاولة من مكتب الحاكم المحلي لإغلاقها عام 2005. وواجهت منظمة أخرى مشابهة تُسمى (لامبدا إسطنبول) عدة دعاوى قضائية، وأغلقت مرتين قبل أن تُلغي المحكمة العليا الحكم الصادر بحقها في عام 2009.

ودعت سيما كِنديرجي أُغورمان، وهي رئيسة اتحاد المرأة التركية التي كانت ضمن مهندسي القانون رقم 6284، جميع الأحزاب السياسية إلى ضمان احترام القوانين. وقالت إن الانتقادات شديدة التعصب وإن من وجّهوها هم من كانوا يخشون من تمكين المرأة.

وقالت الناشطة آرزو آيدوغان، وهي من مؤسسة تضامن المرأة، إن اتفاقية إسطنبول صارت محل تجاهل. وأيّد هذا الرأي تقرير صدر عن مجلس أوروبا، ذكر أن تركيا فتحت طريقاً أمام "الزواج المبكر" ولم تحتفظ بالبيانات القانونية الكافية حول العنف، ولم تمنع تعرض الضحايا لظلم مزدوج، وفرضت قيوداً على المنظمات غير الحكومية المعنية بالحركة النسوية، وأصدرت أوامر مُعطِّلة ووضعت الكثير من العراقيل.

وقالت آيدوغان "لقد حاربنا بكل ما أوتينا من قوة لنحقق كل ما حققناه... ما زلنا نُقاتل. هناك تضامن عظيم بين النساء هنا، وهذا هو ما يخشونه بحق".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/domestic-violence/turkish-islamists-say-laws-protecting-women-threaten-family