استعجال تركيا للتقارب مع مصر يُثير الذعر في صفوف الإخوان

 

القاهرة – وسط خلافات متزايدة بين الإخوان المسلمين في كل من تركيا ولندن وبدء حدوث انشقاقات، تُسرّع أنقرة من خطوات تقاربها مع القاهرة مُلبّية مطالبها خاصة فيما يتعلق بطرد أعضاء الإخوان المصريين المُقيمين على الأراضي التركية، والذين بدأوا بالفعل المُغادرة نحو بريطانيا والدول الأوروبية.
ووضعت أنقرة منهجا للتقارب مع مصر يعتمد على تقويض التحركات السياسية والإعلامية لجماعة الإخوان في تركيا، وقامت باتصالات أمنية رفيعة مع القاهرة وعبّرت عن رغبتها في التعاون بشأن العديد من الملفات الإقليمية بما لا يضر بمصالح مصر.
واشترطت القاهرة تسليم أسماء محددة من قياديّي الإخوان المطلوبين في قضايا أمنية، والابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية وعدم المساس بالأمن القومي المصري والعربي، وخروج المرتزقة والقوات التركية من ليبيا، والتوافق حول جداول زمنية محددة لتنفيذ جميع التفاهمات.
وشدد رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير منير زهران في تصريح لصحيفة "العرب" اللندنية نشرته اليوم، على أنّ التقارب "لن يحدث دون أن تكف تركيا سريعا عن تصرفاتها الخاطئة وفي مقدمتها وقف دعم جماعة الإخوان بكل الصور ودون مناورات."
وأضاف أن "وقف إمداد ليبيا بالمرتزقة وعدم تصدير الأسلحة للميليشيات يمثلان مطلبا حيويا حيث دأبت أنقرة على دعم المتطرفين في الأراضي الليبية الأمر الذي كانت له تداعيات سلبية على الأمن القومي لمصر، وعليها وقف الممارسات العدوانية في بعض الدول العربية مثل العراق وسوريا، إذا كانت عازمة بجدية على المصالحة."
ويرتبط الاستعجال التركي للتقارب مع مصر، وفقاً لـِ "العرب" بحسابات الرئيس رجب طيب أردوغان حيث يريد تبديد شكوك معارضيه حيال إهداره فرص التعاون مع مصر والإيحاء بأنه تخلّى عن غطرسته الإقليمية ويفضّل حل الخلافات بأدوات سياسية، ويبعث برسالة إلى كل من اليونان وقبرص وفرنسا تفيد باستعداده لتوسيع دوائر التفاهمات في المنطقة.
وقالت مصادر مصرية للصحيفة إن أنقرة تأكدت من عدم جدوى المناكفة مع مصر أو المتاجرة بورقة الإخوان بعد أن تراجعت المكاسب المرجوّة من وراء هذه السياسة، كما أن النظام في مصر صمد وامتصّ العديد من الضربات وحصل على مناعة تحصّنه من أيّ تدخلات تركية أو قطرية، وصارت هذه الطريقة بكل أبعادها مكشوفة وبدأت تفيد القاهرة أكثر مما تضرّ بها، فقد منحتها عدوا تعلم جيدا مفاتيحه الضعيفة ومناوراته.
كشفت المصادر ذاتها أن القاهرة لا تمانع تحويل العداء إلى منافسة إستراتيجية على أساس المصالح، شريطة تصفير الملفات الخلافية وتوفير ضمانات لعدم حدوث التفافات مفاجئة من قبل النظام التركي لأن “الإلحاح الشديد على التقارب يبدو مريبا، وهو ما يستدعي تريثا في التجاوب مع الإشارات التركية، والتعامل معها تدريجيا”.
وقال الباحث في العلاقات الدولية طه عودة أوغلو إن التصريحات التركية المتتالية “تعبير واضح عن وجود جهود حقيقية من البلدين لطي رواسب الماضي والتمهيد لفتح صفحة جديدة في العلاقات عنوانها العريض التعاون والتنسيق لمواجهة التحديات الصعبة في المنطقة، خصوصا في ظل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن”.
وأوضح لـ”العرب” أنّ ما يجري حاليا هو محاولة لوضع أرضية للتفاهم انطلاقا من المصالح القومية “وقد بدأت المؤشرات بتفاهمات استخباراتية في ليبيا، ثم اتصالات حول البحر المتوسط وصولا إلى إمكانية التوقيع على اتفاق لترسيم الحدود البحرية، وهناك ما يتم في صمت عبر مباحثات سرية وتوافقات غير معلنة”.
ورجح عودة أوغلو أن “يمضي مسار العلاقات المشتركة نحو التصالح الحذر، والمرهون بطبيعة الخطوات التي ستقدمها أنقرة لطمأنة القاهرة”.
وتميل الإدارة المصرية إلى الحذر والتريث في التعامل مع التطورات الإقليمية عموما لأن تزايد الاضطرابات في المنطقة قد يفتح الباب لسيناريوهات غير متوقعة، الأمر الذي يستلزم تمهلا أو ما يوصف بـ”البطء” في التعامل مع دولة مثل تركيا أفقدتها تصرفاتها السلبية في بعض قضايا المنطقة جزءا كبيرا من المصداقية.
تتريك الإخوان
بعد سنوات من القطيعة، تلوح في الأفق بوادر عودة الدفء للعلاقات المصرية التركية. ورغم أن هذا التقارب حتمته مصالح مشتركة، إلا أن الأنظار تتجه الآن إلى تأثير ذلك على المعارضة المصرية في تركيا وتحديدا "جماعة الإخوان المسلمين"
وسيطر خطاب محافظ حذر على موقف المعارضة المصرية الإسلامية والليبرالية تجاه الخطوات التركية، فيما وصف الصحفي والباحث في الحركات الإسلامية أحمد سلطان، في مقال له، أن جماعة الإخوان تحولت من لاعب فاعل من دون الدول إلى "أداة صراعية" توظف ضمن الأدوات السياسية الخارجية التركية. وبهذا فإن الباحث يسلط الضوء على ما يمكن وصفه بـ "استغلال تركيا لورقة اللعب" المتمثلة بالإخوان، أثناء مناقشاتها للتقارب مع النظام المصري. فقد لجأ أردوغان إلى ما أسماه الكاتب بـ"تتريك الإخوان" كوسيلة لإيجاد صيغة رسمية تضفي الشرعية على وجودهم في تركيا، وذلك من خلال تسهيل إجراءات حصولهم على إقامات.
هذه الإجراءات جعلت الحديث عن مستقبل المعارضة والإخوان بالتحديد في تركيا أكثر تعقيداً ويتأرجح بين من يرى أن تغييرات جذرية سوف تطرأ على وضع المعارضين، وبين من يؤمن أنه لن يكون لهذا التقارب أي أثر يذكر.
في هذا السياق يرى المعارض المصري، الذي لديه علاقات طيبة مع صناع القرار في تركيا، أحمد البقري لـDW  عربية، أنه لم تتم مناقشة ترحيل أو تسليم أي من المعارضين، وبالتالي فإنه لن يكون هناك أي تأثير حقيقي على المعارضة الموجودة في تركيا، خاصة أنها ليست فقط من الإسلاميين بل يوجد معارضين ليبراليين، ولم يطلب بشكل رسمي أو غير رسمي خروج المعارضة من تركيا، حسب تعبيره.
فيما يعتقد المحلل المصري طارق فهمي، في حديثه مع DW عربية، أن التقارب التركي المصري، والتشديد على القنوات الإعلامية المعارضة سوف يدفع الإخوان إلى البحث عن بديل آخر، متوقعاً أن تكون الوجهة الرئيسية لندن وبعض الدول الآسيوية، ومشيراً إلى أن سيناريوهات جديدة صفرية تنتظر الإخوان، وستكون كلفة هذا التقارب عليهم شديدة.