استمع إلى العالم وتخلص من السجون في تركيا

"الهدف الأساسي للنظام هو بناء أجسام طيعة". كانت هذه ملاحظة ذكية من المفكر الفرنسي الشهير ميشيل فوكو.

خلقت النماذج التأديبية التقليدية في الماضي أنظمة عقاب كانت موجهة في الغالب نحو القضاء على أجساد الناس وأرواحهم. تغيرت هذه الأنظمة مع الحداثة، وأصبحت لا تعتمد على إطفاء الحياة بل تقوم بتأديبها بدلاً من ذلك وبناء هياكل من "وجهة نظرها الخاصة". 

يضمن كل نظام استمراره وشرعيته العامة من خلال جذب النظام القضائي لصالحه. وهذه هي الطريقة التي يولد من خلالها نظام العقاب، باستخدام السجون لإخضاع الأفراد للسلطة.

يوجد في تركيا أكثر من 300 ألف سجين، لم يتم توجيه تهم رسمية لهم جميعاً. الظروف في السجون التركية ليست معروفة. وبما أن عدد السجناء يفوق طاقة هذه السجون، فإن الازدحام في السجون يؤدي إلى حدوث مشاكل عديدة.

إن إبقاء الأشخاص في الزنازين المزدحمة، إلى جانب الفشل في الحفاظ على معايير النظافة، يزيد من خطر تفشي الأمراض والأوبئة.

ومع انتشار الوباء، يدرك العالم الآن أهمية العزل والنظافة، واتخاذ الاحتياطات. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الأماكن التي لا تزال معرضة لخطر العدوى المتسارعة هي السجون والمهاجع ودور العجزة.

ونتيجة لذلك، تطلق العديد من الحكومات سراح السجناء، لكن هذه القضية لم تطرح للنقاش في تركيا حتى الأسبوع الماضي. حيث اقترحت الحكومة التركية قانونًا لإطلاق سراح السجناء من خلال إصدار عفو جزئي، من أجل تحسين الظروف المزدحمة في السجون.

قد تبدو هذه الخطوة مسالمة في ظاهر الأمر، لكن فحص بنود القانون المقترح يكشف عن نوايا خبيثة. حيث تدعو أقسام مشروع القانون التي تم نشرها في الصحافة إلى تطبيق الإجراءات التأديبية على القتل العمد، وكذلك "الإرهاب"، وهي تهمة يتم توجيهها ضد أي شخص يتكلم ضد الحكومة.

وكنتيجة لذلك، شمل الحكومة، من خلال هذا القانون، الجماعات الكردية المسلحة والسياسيين والمنظمين والكتاب الأكراد الذين يسعون من أجل كسب الحقوق العرقية والتمثيل لأكبر مجموعة أقلية في تركيا.  

ومن الواضح أن النظام القضائي التركي ابتعد عن معالمه المركزية. لقد وصل النظام إلى حد أصبح فيه انتقاد الحكومة بأكثر الطرق شيوعًا جريمة يعاقب عليها القانون. ومع القانون المقترح، يبدو أن النظام يشير إلى أنه ليس على استعداد للتسامح مع الجرائم ضد الدولة، ولكنه على استعداد للتسامح مع الجرائم ضد الأفراد والجمهور.

وعلى الرغم من أن أولوية الحكومة يجب أن تكون عكس العقوبات المتعلقة بالحكومة والنظام، إلا أنها بدلاً من ذلك تتخذ النهج المعاكس.

ونظرًا لأن جائحة فيروس كورونا قد استأسرت العالم كله، فإن نظام حزب العدالة والتنمية التابع للرئيس أردوغان لا يتخلى عن توسيع سيطرته من خلال حث مسؤوليه على الاستحواذ على تولي الإدارات المحلية من رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين.

وفي الأسبوع الماضي، استخدم الحزب الوباء كذريعة لاستبدال البلديات التي يحكمها حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يمثل الحركة الكردية في تركيا، بالمسؤولين الذين يعينهم الحزب الحاكم.

يرى حزب العدالة والتنمية أن هذه الخطوة ضرورية لاستمرار النظام، وعلى الرغم من عدم وجود شرعية لهذه السياسة، فإنه يواصل عزل ممثلينا من منصبهم.

هل هناك أي سبب لتوقع حكم القانون أو الشرعية أو العدالة أو حماية الحقوق من حزب العدالة والتنمية أو شريكه اليميني المتطرف، حزب الحركة القومية؟ الآن، بما أننا نعيش تحت حكم مبهم ولا نعرف حتى عدد الأشخاص الذين فقدوا حياتهم في تركيا بسبب هذا الوباء، فإن الحكومة لا تفشل في اتخاذ الاحتياطات اللازمة في السجون فحسب، بل والأهم من ذلك خارجها.

تم التخلي عن الناس حتى وصلوا إلى أدنى مستويات الفقر، ويتم ترك العمال في أماكن العمل والمصانع المزدحمة للتعامل مع أزمة الفيروس بمفردهم.

إذن إلى أي حد ينبغي أن نصدق الإعلانات التي تدعي الحكومة أنها اتخذت فيها الاحتياطات اللازمة؟

وحتى إيران، التي نعرف أنها ليست ديمقراطية، أعطت الأولوية لسجناءها السياسيين عندما تم إطلاق سراح 80 ألف سجين.

وبمعنى آخر، يمكن للحكومة التركية العفو فقط عن الجرائم ضد الدولة، وليس الجرائم ضد الجمهور.

وكما هو الحال، عندما ننظر إلى بند "المساواة أمام القانون" المنصوص عليه في المادة 10 من الدستور ومعايير القانون الدولي للحقوق والحريات الأساسية، التي وقعت عليها تركيا، فمن الواضح أن سياسة "العفو الجزئي" غير مقبولة.

ليس من المقبول بأي حال من الأحوال أن يختار النظام من يراه مناسبًا للإفراج عنه، بينما يترك في السجن الصحافيين والطلاب والمحامين والمثقفين المتهمين بجرائم فكرية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تؤخذ هذه الملاحظات على أنها تعني أن أولئك الذين هم في السجن يتوقعون عفوًا سياسيًا. لم نرتكب أي جريمة، لذلك لا يوجد شيء نأسف عليه ولا حاجة لطلب الصفح. نحن لسنا من يحاكمون، نحن من يحكمون. نحن في السجن لأننا طالبنا ضمير المجتمع وحكمنا على اخلاق النظام. لأننا شككنا في شرعية النظام وشاركنا أخطائه مع الشعب. لا نتوقع بأي حال عفواً عن هذا، لأننا لسنا المذنبين.

لقد حاولنا منع تفشي فيروس كورونا في السجون بموارد غير كافية. نحن لا نعرف مدى نجاح جهودنا في الوقاية، في ظل عدم توافر كميات كافية من منتجات التنظيف التي تمكنا من الحصول عليها من متجر بيع البضائع. ولكن إذا استمر الوباء في الانتشار، فإن سياسات النظام ستؤدي إلى حدوث المزيد من الوفيات.

وكوني طبيباً، فإنني أعلي من معنويات زملائي السجناء عن طريق إخبارهم أننا يجب أن نكون محفزين لأنفسنا ونحمي أنفسنا من المرض وتفشيه. وأقول للذين هم في الخارج، وللعمال والفقراء، إننا سنتغلب على هذا الوباء من خلال إيماننا بالعلم، ومن خلال دعم بعضنا البعض.

لا يمكننا التغلب على هذه التحديات إلا بروح التضامن وقبول نمط حياة ديمقراطي. وهذه هي الخطوات التي يجب اتخاذها:

ينبغي اتخاذ إجراءات فورية في السجون، حيث سيكون تأثير الفيروس هو الأسرع والأشد.

يجب إفراغ مراكز الاحتجاز التي تعمل فوق طاقتها بكثير.

لا ينبغي تجاهل التوجيه الدولي.

يجب ممارسة الشفافية وإعلام الجمهور بهذا الوضع.

دعونا لا ننسى أن التضامن يمنح الحياة، وأن الأنظمة تدمره. وباعتقادي أنه من خلال التضامن، فسوف نكون قادرين على التغلب على جميع التحديات، بما فيهم هذا الذي نواجهه الآن. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-prisons/listen-rest-world-clear-out-prisons-soon-possible
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.