استقالات وإقالات هزّت أركان قصر أردوغان في 2020

أنقرة – شهد عام 2020 في تركيا استقالات وإقالات أظهرت هشاشة النظام الرئاسي الحاكم، وعدم قدرته على مواكبة المستجدّات والمتغيّرات على الساحتين المحلّية والدولية، ناهيك عن الخلافات والانشقاقات التي تتخلّل بنية النظام الحاكم، والحزبين اللذين يشكّلان الحكومة؛ العدالة والتنمية الغسلامي والحركة القومية اليميني المتطرف.  

يمكن التوقّف عن عدد من الاستقالات والإقالات التي زعزعت ثقة الأتراك بنظام أردوغان وسياساته في مواجهة عدد من الأزمات التي اجتاحت تركيا في العام 2020، منها مثلاً استقالة وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في أبريل، والتي تم رفضها من أردوغان، وبعد ذلك إقالة محافظ البنك المركزي مراد أويصال، واستقالة بيرات البيرق صهر أردوغان، وكذلك استقالة بولنت أرينج الذي كان مستشاراً في المجلس الرئاسي الأعلى.

وكان صويلو قد استقال من منصبه كوزير للداخلية يوم 12 إبريل، بعد فشل تنفيذ حظر تجوال فجائي على نطاق واسع خلال يومي نهاية الأسبوع في 31 مقاطعة لمنع انتشار فيروس كورونا المُستجد. لكنّ استقالة وزير الداخلية التركي أثارت موجة من الدعم له على وسائل التواصل الاجتماعي وعزّزت من مكانته في الحزب والدولة، وأعلن أردوغان على إثر ذلك بسرعة أنه رفض الاستقالة وأنّ صويلو باقٍ في منصبه.

وعلى الرغم من أنّ صويلو (59 عاماً) لم ينضم إلى صفوف حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلا في العام 2012، إلا أنّه اشتهر بدوره في إفشال محاولة الانقلاب العام 2016 فتمّ تعيينه على إثر ذلك وزيراً للداخلية، ولتستمر أسهمه في الصعود منذ ذلك الحين حتى بات على خلاف قوي مع صهر الرئيس الطامع بخلافة أردوغان.

ومن منصبه الأمني هذا، أدار صويلو الذي يتميّز بسطوته ونبرة خطاباته القاسية، عمليات التطهير الأمنية الواسعة ضد مؤيدين مفترضين للانقلابيين، وأوقف واعتقل عشرات الآلاف من الأشخاص بحجة المشاركة في الانقلاب، لتتوسع عمليات القمع تلك بعد ذلك لتطال معارضين مؤيدين للقضية الكردية، وناشطين في المجتمع المدني، وصحافيين أتراك وأجانب.

وأشادت معظم الأحزاب التركية بوزير الداخلية ورحّبت برفض استقالته، حيث أعرب دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية التركي المُتحالف مع حزب العدالة، عن سروره لرفض أردوغان استقالة صويلو، مُشيداً بـ"الأداء الناجح من قبل صويلو في منصب وزارة الداخلية بشخصيته الحازمة والحكيمة".

وبالنظر إلى التحالفات السياسية الحالية في تركيا، يبدو أن صويلو هو الضامن لدعم جهاز الدولة للحكومة الحالية، وفي النهاية، الضامن للاستقرار السياسي لحكومة أردوغان. ومن المحتمل أن يكون جهازه مدعومًا بشكل غير رسمي من قبل جهاز الدولة التركية، بما في ذلك الشرطة والجيش وأجهزة المخابرات. وبحسب محللين فإنّ صويلو "يجسد الدولة العميقة، وهو المفضل لدى الحكومة".

وبعد ذلك، كانت استقالة بيرات البيرق، صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 8 نوفمبر من منصب وزير الخزانة والمالية عبر إصدار بيان على حسابه على إنستغرام. وقال البيرق في بيانه: "بعد تولي حقائب وزارية على مدى خمس سنوات تقريبا، قررت التوقف عن ممارسة مهامي (كوزير للمالية) لأسباب صحية".

وتأخرت الرئاسة التركية يوماً كاملاً قبل أن تعلن أنّه تمت الموافقة على طلب وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق إعفاءه من مهامه. وجاءت استقالة البيرق، التي عزاها لأسباب صحية، بعد يوم من تعيين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لوزير المالية السابق ناجي إقبال محافظا للبنك المركزي بدلا من مراد أويصال.

وأحجمت وزارة المالية عن التعليق بشأن التغيير السريع، الذي حل فيه لطفي علوان، السياسي الكبير في حزب العدالة والتنمية، محل البيرق.

ضحّى أردوغان بمراد أويصال ليبرّئ نفسه من المسؤولية
ضحّى أردوغان بمراد أويصال ليبرّئ نفسه من المسؤولية

وفي أغسطس، رفض مسؤولون كبار في حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا، دعوات انتشرت بشدّة على وسائل التواصل الاجتماعي لاستقالة وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق بعد هبوط الليرة إلى مستوى قياسي جديد مقابل العملات الرئيسية.

وكان مسؤول في حزب العدالة والتنمية صرّح أنّه "ليس سراً الآن أن هناك صراعاً وبعض القضايا الخلافية بين وزير المالية بيرات البيرق ووزير الداخلية سليمان صويلو منذ زمن"، وأضاف أنّ استقالة صويلو في أبريل الماضي إثر فشل تدابير التعامل مع أزمة فيروس كورونا، كانت تفجيراً لتلك الخلافات، وتظهيراً لها للملأ.

وعكست استقالة صويلو خصومة قوية مع البيرق، وأحدثت هزّة في حكومة أردوغان، بينما توقع مراقبون سياسيون والعديد من استطلاعات الرأي أن يُطيح وزير الداخلية برئيسه وصهره معاً في حال إجراء انتخابات، بعد أن كان صهر أردوغان خليفته المتوقع.

ووصف علي باباجان بيان استقالة بيرات البيرق صهر الرئيس رجب طيب أردوغان بأنّه إفلاس وليس استقالة، وذلك في أوّل تعليق له على الأمر. وأعلن حزب الشعب الجمهوري المعارض أن استقالة وزير المالية بيرات البيرق من خلال بيان على موقع إنستغرام خطوة غير مسبوقة وترقى إلى "أزمة دولة"، وانتقد أيضا الإطاحة المفاجئة بمحافظ البنك المركزي.

وفي نوفمبر الماضي، جاءت استقالة بولنت أرينج الذي طلب الإفراج عن عثمان كافالا وصلاح الدين دميرطاش، من المجلس الاستشاري الأعلى الرئاسي، من خلال إجباره عليها، بعد انتقادات شديدة من الذئب العجوز دولت بهجلي له، كضربة للاقتصاد والأسواق والحريات، مما ألغى توقعات الإصلاح التي أعلن عنها أردوغان.

ووصف دولت بهجلي أرينج بأنه "مولع بالإرهاب" بعد أن دعا الأسبوع الماضي للإفراج على سجينين بارزين تم توجيه الاتهام لكل منهما في قضية منفصلة بعد محاولة انقلاب وقعت عام 2016.

وكان بولنت أرينج، وهو نائب رئيس وزراء سابق، قد دعا لإطلاق سراح السياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش ورجل الأعمال عثمان كافالا بعد أن تعهد أردوغان بإصلاحات قضائية في العام المقبل. وأثارت تصريحات أرينج، توقعات بأن حزب العدالة والتنمية يسعى لتحسين صورته فيما يتعلق بحكم القانون الذي تقول أحزاب معارضة وحلفاء غربيون إنه يقع تحت تأثير السياسة.

وكانت إقالة أردوغان لمحافظ البنك المركزي مراد أويصال من منصبه في نوفمبر ضربة استباقية منه للتبرّؤ من مسؤولياته تجاه الانحدار الذي وصل إليه الوضع الاقتصادي في البلاد.  وقال مسؤولون أتراك إنّ قرار الرئيس التركي بإقالة رئيس البنك المركزي جاء بعد ساعات من تلقيه إحاطات عن الوضع الاقتصادي الهش، وأضافوا أن تلك الخطوة المفاجئة هي التي حدت صهره إلى الاستقالة من منصب وزير المالية. وبحسب مصادر مطلعة رُقي ناجي إقبال إلى رئاسة البنك المركزي بعد أن حذر هو وأعضاء كبار آخرون بحزب العدالة والتنمية الرئيس من تناقص حاد للاحتياطيات الأجنبية.

وعلى صعيد متصل، تمت إقالة رؤساء عدد من البلديات التي يسيطر عليها حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، كمدن دياربكر وماردين ووان، كما تمت إقالة نحو 130 ألف شخص خلال الأعوام الماضية في إطار حالة الطوارئ التي بدأ العمل بها في يوليو 2016، وتم إلغاؤها في يوليو 2018، بحسب المنظمة. وتمكن نحو 6 آلاف فقط من بينهم من استعادة وظائفهم. وأكدت السلطات أن هذا الإجراء كان ضروريا لـِ "تطهير" المؤسسات والحدّ من أيّ تهديد بحصول تمرد، لكن منظمات غير حكومية والمعارضة اعتبرت أنّ الحكومة تقوم بمناورة لإسكات مُعارضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.