استقالة مدير بورصة اسطنبول.. كبش فداء آخر للتهدئة مع واشنطن

اسطنبول - بدأ النظام التركي في التخلص تدريجيا ممن يرى فيهم من المسؤولين أنهم قد يشكلون عامل توتر إضافي مع إدارة الأميركية الجديدة، فيما تستعد محكمة فدرالية أميركية لاحياء قضية بنك خلق في ستة اتهامات تتعلق بالفساد وغسيل الأموال وخرق عقوبات في 2019.

وقد أعلن محمد هكان أتيلا المصرفي التركي الكبير الذي أدين في الولايات المتحدة بانتهاك العقوبات المفروضة على إيران، استقالته الاثنين من منصب المدير التنفيذي لبورصة اسطنبول، حسبما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

ويشير توقيت الاستقالة التي ربما كانت بطلب من الحكومة التركية أو تحت ضغوط معينة بمعنى أنها أقرب للإقالة منها للاستقالة الطوعية، إلى أن أنقرة تريد استبعاد شخصيات متورطة في قضية بنك خلق من أي مسؤولية حتى تخلي مسؤوليتها وحتى تتقرب أكثر إلى إدارة أميركية تبدو عازمة على كبح سلوك تركيا الصدامي والعدواني.

ويحيل استبعاد أتيلا إلى حدث مماثل شهدته تركيا قبل أشهر قليلة حين أعلن بيرات البيرق وزير المالية وصهر الرئيس رجب طيب أردوغان في تغريدة على تويتر استقالته من منصبه، وهي الاستقالة التي اعتبرها كثيرون إقالة، متسائلين عن مغزاها خاصة أنه لم يعلن عنها بشكل رسمي كما يفترض أن تجري الأمور ولم تؤكدها الرئاسة التركية إلا بعد أيام.

وفتحت تلك الاستقالة حينها الباب على مصراعيه للتأويلات فذهب بعضها لوجود خلافات بين ألبيرق وأردوغان وأخرى تحدثت عن استبعاده من اجتماع لكبار القادة في حزب العدالة والتنمية من بينهم ناجي إقبال الوزير والخبير الاقتصادي المخضرم وهو والد زوجة الرئيس وثمة تفسيرات ذهبت إلى أن البيرق كان يرفض تعيين إقبال على رأس البنك المركزي.

ولكن استقالة أتيلا في هذا الظرف أحيت الجدل القائم حول دور ألبيرق في قضية بنك خلق وأنه تم استبعاده مبكرا ليس من منصبه كوزير للمالية فقط بل من الدائرة المقربة للرئيس، على خلفية التوتر مع الولايات المتحدة.  

وكان أتيلا الذي تولى منصب نائب المدير العام لمصرف بنك خلق قد أدين في 2018 بالتخطيط لمساعدة إيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية.

وأطلق سراحه من السجن في الولايات المتحدة بعدما أمضى عامين خلف القضبان واستقبل في بلاده استقبال الأبطال في الوقت الذي كان النظام التركي يروج بلا كلل لنظرية المؤامرة في قضية بنك خلق. وقام وزير المالية التركي حينها بيرات البيرق، بتعيين أتيلا في أعقاب إطلاق سراحه مديرا للبورصة في أكتوبر 2019.

وأعطى تعيينه في منصب كبير حينها في ذروة التوترات مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، انطباعا بأن أردوغان ماض في تحد واشنطن في واحدة من القضايا الخلافية أي قضية بنك خلق وانتهاك تركيا للعقوبات الأميركية على إيران.

ورفض أردوغان مرارا الاتهامات التي وجهت لأتيلا، مشددا على أن القضية المرفوعة ضده ذات "دوافع سياسية".

ولم يكن ترامب ليتسامح مع حليف أو خصم يعمل على كسر حلقة من حلقات تضييق الخناق على إيران لذلك أخذت قضية بنك خلق مسارا متشددا سدد فيها أتيلا فاتورة بأكثر من عامين من حياته سجنا.  

وبحسب بيان صادر عن بورصة اسطنبول استقال أتيلا "بملء إرادته"، فيما تتزامن الاستقالة أو الإقالة مع احتمال قوي أن تعيد محكمة فدرالية أميركية في وقت لاحق هذا العام في ستة اتهامات موجهة لبنك خلق تتعلق بالفساد وغسيل الأموال وخرق عقوبات في 2019.

وتأتي استقالته أيضا في وقت تسعى فيه تركيا لبناء علاقات مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الذي لم يتصل بأردوغان، في تجاهل متعمد على أرجح التقديرات في رسالة مضمونة الوصول للرئيس التركي مفادها أن وقت تحدي الإرادة الدولية وإرادة الولايات المتحدة قد قد ولّى.

وتتحسب تركيا بالفعل لهزات قوية في العلاقات مع الحليف الأميركي على خلفية خلافات عالقة من ضمنها إتمام أنقرة صفقة الصواريخ الدفاعية الروسية اس 400 رغم التحذيرات الأميركية وتحذيرات حلف شمال الأطلسي (الناتو).

والعلاقات بين الدولتين العضوين في الناتو متوترة على خلفية قضية بنك خلق والنزاع في سوريا وقضايا دولية أخرى.

وتأسس بنك خلق الذي تملك الدولة التركية 51 بالمئة من أسهمه، في العام 1933 وكان من أهدافه دعم المشاريع المتوسطة والأسر التركية. وقد تعرض في مراحل من مسيرته إلى صعوبات كثيرة لكنه تمكن في السنوات الأخيرة من أن يصبح من ضمن أفضل عشر بنوك تركية.

لكن بروز قضية محمد هاكان أتيلا وما رافقها من التفاف وتحايل على العقوبات الأميركية على إيران، بدأت تثقل على بنك خلق الذي يكابد للحفاظ على توازناته المالية.

وقد بدأت القضية حين اعتقلت السلطات الأميركية رجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا ضراب عام 2016 بتهم تتعلق بغسيل الأموال والتحايل على إجراءات الخزانة الأميركية إلى أن تم اعتقال أتيلا في 2017 بتهمة المساعدة في الالتفاف على الإجراءات العقابية الأميركية وتنفيس أزمة إيران وكسر عزلتها عن النظام المالي العالمي.