استقالة رئيس أركان القوات البحرية تكشف عن انتهازية أردوغان

أثار عدد قليل من التطورات في تركيا الكثير من الاهتمام مؤخرًا - في الداخل والخارج - مثل استقالة الأميرال جهاد يايجي، بعد إقالته من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من منصبه كقائد بحري عام نشط ورئيس الأركان البحرية.

أثارت خطوة الأميرال يايجي سلسلة من التعليقات والتكهنات حول العواقب التي ستثيرها. وبشكل مختصر، يعد هذا الحدث أكبر مما يبدو عليه.

ويعد يايجي هو المهندس الرئيسي لاتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، ومؤلف العديد من الكتب التي تُعتبر نصوصًا مرجعية لحكم تركيا بعد الانقلاب في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه.

وفي كتاب "مطالب اليونان: المشاكل في بحر إيجة أسئلة وأجوبة"، يجادل يايجي بأن تركيا لديها الحق في ملكية إقليمية على أكثر من 150 صخرة وجزيرة صغيرة - تابعة لليونان - قبالة ساحل تركيا.

وفي كتاب آخر بعنوان "النضال من أجل مشاركة شرق البحر المتوسط وتركيا"، طور خطة بعنوان "الوطن الأزرق" - التي تطالب بمنطقة بحرية كبيرة بين المياه التركية والليبية، على حساب كريت وقبرص.

في واقع الأمر، تم صياغة مصطلح "الوطن الأزرق" من قبل أميرال متقاعد، جيم غوردينيز، في حين تم سجنه بسبب صلات مزعومة بشبكة "إرغنكون"، وهي شبكة سرية عميقة اتهمت بالإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية المنتخبة. وبُرِّئ المتهمون فيما بعد.

ولم تأت شعبية يايجي بدون سبب. فقد قاد سعيه لتحقيق خطة ترسيم الحدود البحرية الخريف الماضي إلى عقد صفقة بحرية مثيرة للجدل مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، مما أدى إلى تصعيد التوتر بشكل كبير بين أثينا وأنقرة. أصبح الوجود العسكري التركي في ليبيا حقيقة واقعة، وتظهر جزر بحر إيجه كنتيجة لذلك وكأنها تحولت إلى براميل بارود.

لذا، ما هي الأسباب التي أدت إلى إقالة يايجي ومن ثم دفعته إلى تقديم استقالته؟  عرضت التخمينات والتعليقات ما كان يجري فقط على السطح. تم ذكر الخلاف حول المشتريات العسكرية كسبب، لكن قلة يعتقدون ذلك. حيث الجانب العسكري في أنقرة أعقد من أن يتم تحليله بهذه البساطة.

ولكن كانت هناك تيارات قوية، في سياق قضية يايجي، تشير إلى وجود صراع مستمر على السلطة لم يتم حله. فقد كان هذا الضابط رفيع المستوى عضواً بارزاً في الجناح "القومي" للدولة، إلى جانب الضباط (المتقاعدين في الغالب)، الذين يتم وصفهم أيضًا بالـ "أوروآسيويين".

برز هؤلاء الضباط كمنتصرين من المعركة داخل الجيش التي أُثيرت خلال محاولة الانقلاب في منتصف يوليو 2016. حيث بينما قامت الدولة بتطهير الأجنحة العسكرية من الضباط المواليين للولايات المتحدة والناتو، ومعظمهم كانوا تابعين لحركة غولن، عزز الأوروآسيويون تحالفهم مع أردوغان وحلفائه المخلصين، وزير الدفاع السابق، الجنرال خلوصي أكار، ورئيس الأركان الحالي ياشار غولر.

لكن التحالف كان تكتيكيًا وليس استراتيجيًا - تاركًا الطريق مفتوحًا لمزيد من المواجهة بين الإسلاميين والقوميين العلمانيين المتشددين. وكان كلا المعسكرين، المتورطين في مواقعهما، مصممين على اختبار نقاط ضعف بعضهما البعض، من أجل اتخاذ خطوات لكسب المزيد من الأراضي داخل الإدارة والجيش والتأثير العام.

وبالنسبة لمعسكر أردوغان، كان تطوير وتنفيذ خطة "الوطن الأزرق" مواتٍ تمامًا، على المستويين الإقليمي والداخلي.

لكن لا يبدو أن المعسكر القومي الأوروآسيوي قد استوعب أكثر سمات أردوغان وضوحاً؛ وهو أنه معتنقاً للنهج المكيافيلي، أي أن رئيس تركيا له الحق في ممارسة الأساليب الماكرة وغير السوية في السياسة.

وكونه حرباء يركز فقط على البقاء السياسي والسلطة، كان سؤال أردوغان هو كم من الوقت سيستلزم لبقاء هؤلاء الحلفاء العلمانيين المتشددين المعادين للولايات المتحدة إلى جانبه. وبطبيعته يعتبر أردوغان مشاركاً تكتيكياً للسلطة، ولكن عندما يرى جانبًا في تحالفه - أو في هذه الحالة حلفاؤه غير المخلصين - يحاول كسب النفوذ والهيمنة، فلن يتسامح معه.

وقد أثبت أكار إخلاصه لرئيسه حتى الآن، نظرًا لأنه تم منحه بعض الاستقلالية لتصميم أعلى المناصب في الجيش، وفقًا لرئيسه في القصر. وسيكون أكار مهماً للغاية بالنسبة لأردوغان إذا استمر في إبقاء خياراته مفتوحة لتحسين العلاقات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والبنتاغون. لا يوجد خيار أمام رئيس تركيا سوى وضع البيض كله في سلة ترامب، مراهناً على فوزه في الانتخابات الأميركية.

لذلك من المهم ألا يترك أكار أي تحركات غير متوقعة من قبل الضباط العسكريين للصدفة. وفي هذا السياق نرى إقالة يايجي، التي تأتي كتحذير للجناح القومي بضرورة إدراك موقفهم ومكانتهم.

كانت هناك بعض التكهنات الجامحة بأن إقالة يايجي كانت تشير إلى توقف التحركات التوسعية التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولكن يمكن أن يثبت خطأ هذا التوقع. حيث سيستمر الحفر قبالة ساحل قبرص، والتصعيد فوق جزر بحر إيجة، والتوغل في ليبيا.

كان جناح يايجي – غوردينيز مربحاً جداً بالنسبة لأردوغان، لأنهم عرضوا خبرتهم بخطة "الوطن الأزرق" عليه. وبالنسبة لأردوغان، لم توفر الخطة فرصًا لخفض الاعتماد على الطاقة فحسب، بل الأهم من ذلك، لتصدير أيديولوجيته الجهادية العالمية المعروفة عن طريق إنشاء موطئ قدم في ليبيا – ليس من أجل مواجهة مصر وتونس فقط، ولكن أيضاً لمواجهة الخط الجنوبي للاتحاد الأوروبي.

وفي الآونة الأخيرة، استغل الرئيس التركي بنجاح مخاوف الناتو المتزايدة بشأن المصالح الروسية في ليبيا، محاولاً تقريب الحلف له من أجل إضفاء الشرعية على العمليات العسكرية التركية - التي يقوم بها المرتزقة الجهاديون - في البلاد.

وكما كانت حركة غولن ذات مرة، كان إشراك الضباط القوميين الأوروآسيويين في القضايا الإقليمية مواتياً لمصلحة أردوغان. لذا، فإن الوقت سيخبرنا فقط ما إذا كان جناح يايجي – غوردينيز سيقع في نفس تصنيف "الفئة النافعة" كما كان الحال مع حركة غولن.

وفي مقابلة جديدة مع غوردينيز، من قبل قناة "أودا تي في"، تظهر جميع الدلائل على أنه يفهم أن الأمر الآن يقف على المحك، وأن جناحه قد يخسر المعركة ضد خط أردوغان-أكار. ذكر أنه كان على علم بالمبادرات التي قام بها أردوغان وأكار مؤخرًا تجاه واشنطن، ولم يكن سعيدًا بذلك على الإطلاق. 

وباختصار، تعتبر قضية يايجي عرضاً آخراً لصراع هائل ومكر للاحتفاظ بالسلطة في أنقرة. ومع خروج أتباع حركو غولن والمجموعات العسكرية الموالية للناتو، وفي الوقت الذي لا تزال فيه تركيا عالقة بين الولايات المتحدة وروسيا، كان هذا تطورًا حتميًا، وكان يجب أن يأتي عاجلاً أم آجلاً. ستكون معركة سيئة، وقد يكون الوقت قد حان بالفعل لوضع بعض الرهانات.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/cihat-yayci/turkish-admirals-resignation-exposes-new-showdown-ankara
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

Related Articles

مقالات ذات صلة

İlgili yazılar