استراتيجيات الأحزاب في انتخابات إسطنبول وكواليس الحزب الجديد

لقد صارت الرؤية أكثر وضوحاً بشأن الاستراتيجيات التي ستتبعها الأحزاب السياسية في تركيا خلال جولة إعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول، بعد قرار المجلس الأعلى للانتخابات إلغاء نتائج الانتخابات السابقة.

وفي الوقت الذي أعلن فيه الحزب اليساري الديمقراطي والحزب الشيوعي التركي وحزب حركة الكادحين عن انسحابهم من السباق الانتخابي، داعين أنصارهم إلى منح أصواتهم إلى إمام أوغلو، كان مرشح تحالف الشعب بن علي يلدريم، ومرشح حزب الأمة أكرم إمام أوغلو، ومرشح حزب السعادة نجدت غوكجنار يستعدون لخوض السباق مرة أخرى، فيما يتردد الآن في الكواليس عن مقاطعة ما يقدر ڊ 300 ألف شخص من المؤيدين لعبدالله غول وأحمد داود أوغلو لهذه الانتخابات. 

حسناً، ولكن ماذا عن الاستراتيجية التي يعتزم الحزب الحاكم اتباعها في هذه الانتخابات، بعد أن تلقى ضربةً موجعةً في جولتها الأولى في 31 مارس الماضي؟ سيحاول حزب العدالة والتنمية، وفق معلومات وردت إلينا من مصادر مقربة منه، إقناع المقاطعين للانتخابات بالعدول عن رأيهم والتوجه إلى صناديق الاقتراع، كما سيسعى لحصد أصوات الأكراد، وأصوات ناخبي البحر الأسود، الذين أعطوا أصواتهم في الجولة الأولى لأكرم إمام أوغلو.

ذكر مصدر ينتمي لحزب العدالة والتنمية، رفض ذكر اسمه، أن الحكومة التركية التقت الشركات العاملة في مجال استطلاع الرأي؛ للوقوف على مطالب الناخبين في إسطنبول، ويؤكد المصدر نفسه أن حزب العدالة والتنمية لا يزال تحدوه الآمال لاسترداد إسطنبول مرة أخرى، خاصة وأنه خسر الجولة المُلغاة بفارق ضئيل، مشدداً على أن المعارضة داخل الحزب تشكل واحدة من العقبات التي تقف حجر عثرة في طريق تحقيق هذا الهدف.

ويؤكد المصدر نفسه أن حزب العدالة والتنمية يحاول استعادة الانضباط والنظام الداخلي للحزب، مشيراً إلى أهمية استعادة أصوات مؤيدي الحزب من المقاطعين للانتخابات في حسم هذه الجولة، أو على حد قوله "مع الإعلان عن خوض جولة أخرى من الانتخابات، أعلنت أسماء مقربة من حزب العدالة والتنمية عن مقاطعتها  لجولة الإعادة. كان من بين هؤلاء عبد الله غول وأحمد داود أوغلو اللذان انتقدا قرار المجلس الأعلى للانتخابات على حسابيهما على مواقع التواصل الاجتماعي".

وعلى الرغم من أنهما كانا يوجهان النقد للمجلس الأعلى للانتخابات، إلا أنه يبدو أن النقد كان موجهاً في الأساس إلى أردوغان. وتُقدّر أعداد المؤيدين لهذين الكيانين اللذين يمثلان جبهة المعارضة داخل حزب العدالة والتنمية بحوالي 300 ألف شخص، لهم جميعاً حق الانتخاب.

وجه غول وداود أوغلو، باعتراضهما على قرار المجلس الأعلى للانتخابات، رسالةً لمؤيديهما مفادها "قاطعوا الانتخابات". وهذا يعني أنهما يحثان الناخبين على عدم التصويت لصالح بن علي يلدريم. ومع هذا، يتردد في الكواليس داخل حزب العدالة والتنمية الآن أن الحزب يضع مهمة إقناع الناخبين المقاطعين للانتخابات على قمة أولوياته في هذه المرحلة". 

يشير هذا المصدر كذلك إلى تأثير إمام أوغلو على الناخبين في منطقة البحر الأسود؛ لكون أصوله تعود إلى طرابزون؛ ولذلك لم يمثل خروج الناخبين بهذا الكم من المناطق المختلفة في البحر الأسود دعماً لإمام أوغلو سوى "صدمة صغيرة" لحزب العدالة والتنمية. 

ومن جهته، سيستعين حزب العدالة والتنمية برؤساء الأحياء في إسطنبول، الذين تعود أصولهم لمنطقة البحر الأسود؛ لإقناع الناخبين في الأحياء التي يتركز فيها ناخبو البحر الأسود، بإعطاء أصواتهم لمرشح حزب العدالة والتنمية. 

ومن ناحيته، سيوجه بن علي يلدريم رسائل معتدلة إلى الناخبين الأكراد، الذين يعيشون في إسطنبول؛ سيؤكد فيها على شعارات مثل "رفقاء الوطن"، وأنه من أبناء محافظة أرزينجان، التي تسكنها أعداد كبيرة من الأكراد. وبالتزامن مع هذا، ستقوم مجموعة أخرى من الأسماء المنتمية لحزب العدالة والتنمية بحملة لتنفير الأكراد من حزب الشعب الجمهوري، وسيسوقون الحجج والبراهين في أحاديثهم وخطبهم في الميادين؛ لإقناع الناخبين بأن حزب الشعب الجمهوري قد اتبع أسلوباً تحريضياً ضد الأكراد في الماضي.  

وفي حديثه عن الاستراتيجية التي سيتبعها حزب السعادة خلال الفترة المقبلة، أكد مصدر مقرب من الحزب أن الانتخابات في إسطنبول صارت مصدر قلق كبير لحزب العدالة والتنمية، مشيراً إلى حالة التوتر، غير المعلن، التي استمرت طوال فترة الانتخابات بين فريق وزير المالية وصهر أردوغان بيرات البيراق من جهة وبن علي يلدريم من جهة أخرى، وأنه من المتوقع أن تستمر حالة التوتر تلك خلال جولة الإعادة كذلك، مؤكداً أن الحزب لا يتوافق على استراتيجية واضحة سيتبعها خلال الانتخابات المقبلة، ويضيف " لقد تحولت انتخابات إسطنبول إلى حرب وجود بالنسبة لرئيس الجمهورية. وعلى الجانب الآخر، تشعر جبهة المعارضة بالتعاطف مع إمام أوغلو، وترى أنه تعرض للظلم؛ لذلك فهي ستقف إلى جواره، وستأخذ بيده حتى يصبح رئيساً لتركيا". 

وقال المصدر نفسه "إن السبب وراء سحب حزب السعادة مرشحه من جولة الإعادة أن هذا لن يضير في شيء؛ لأن الناخب الذي لن يصوت لحزب الشعب الجمهوري لن يذهب بعيداً عن نجدت غوكجنار".

ومن ناحية أخرى، كان حزب الشعوب الديمقراطي من أكثر الأحزاب التي اتبعت استراتيجية ناجحة خلال جولة الانتخابات الأولى، وساهمت، إلى حدٍ بعيد، في إسقاط حزب العدالة والتنمية عن عرش إسطنبول.

ويؤكد المسؤولون داخل حزب الشعوب الديمقراطي أن الحزب لن يغير سياسته خلال المرحلة المقبلة، وأنهم سيمنحون أصواتهم إلى المرشح الذي يرونه مناسباً؛ حتى يلحقوا الهزيمة بتحالف حزب العدالة والتنمية – حزب الحركة القومية مرة أخرى. وفي السياق نفسه، يتردد داخل الحزب أن أنصار حزب الشعوب الديمقراطي، الذين لم يشاركوا في الانتخابات الأولى، لن يترددوا في التوجه إلى صناديق الاقتراع هذه المرة للتصويت لصالح إمام أوغلو. ويؤكد هؤلاء المسؤولون أن الأكراد يبدون اهتماماً كبيراً بالرسائل التي بعث بها صلاح الدين دميرطاش بشأن الانتخابات المقبلة.

وعلى الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن نتائج الانتخابات، إلا أن كافة المؤشرات ترجح فوز أكرم إمام أوغلو مرة أخرى.

وعلى الجانب الآخر، أصبحت فكرة الحزب الجديد، الذي يسعى عبد الله غول وأحمد داود أوغلو لتأسيسه ملموسة بشكل أكبر. ويدعم هذا الحزب عدد كبير من الشخصيات ورجال الأعمال والأكاديميين في الجامعات.

ولا تزال الاتصالات جارية مع عدد آخر من الأسماء مثل إبراهيم كالين وبشير أتالاي، بالإضافة إلى اتصالات أخرى يجريها عبد الله غول وعلي باباجان في الوقت الحالي مع عدد من الشخصيات أبرزها خلوصي أكار وسعد الله أرجين ونهاد إرغون. ويتولى غول الاتصال بعدد من الشخصيات المؤثرة داخل غرف التجارة والصناعة في العديد من المحافظات، وعلى رأسها إسطنبول.

ترى بعض المصادر أن داود أوغلو يركز في سياسته على قاعدة حزب العدالة والتنمية، في حين يتقدم الثنائي غول – باباجان خطوات للحفاظ على مركز الوسط. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kulis/23-haziran-ve-yeni-parti-kulisleri-iste-kurulacak-partide-yer-alacagi-konusulan-isimler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.