استراتيجية ترامب في إطلاق يد أردوغان في المنطقة

أحوال (خاص) – ليست الإدارة الأميركية في احسن احوالها.

كانت الأنظار تتجه الى البيت الأبيض حيث تتابع وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ما سوف تفضي اليه حملة الديموقراطيين ضد الرئيس الأميركية دونالد ترامب باتجاه عزله بسبب مخالفات عديدة آخرها مكالمته مع الرئيس الاوكراني.

في ظل هذه الأجواء القاتمة اطلق الرئيس الأميركي مفاجأة بل قل صدمة هائلة بالتخلي عن لجم اقوات التركية للتوسع في الشمال السوري وباتجاه المناطق التي تتمركز فيها قوات سوريا الديموقراطية وجماعات أخرى كردية متحالفة معها.

الموقف الأميركي كان حادا ومباشرا، البيت الأبيض اعلنها ليل الأحد أن تركيا ستمضي قريباً قدماً في عمليتها العسكرية.

الموقف الآخر الأكثر وضوحا من الجانب الأميركي ان الولايات المتحدة لن تدعم عملية عسكرية تركية في الشمال السوري ولن تنخرط فيها، ولن تتمركز بعد اليوم في المنطقة عند الحدود مع تركيا.

الرئيس الأميركي أحال الملف الشائك برمته الى دول واطراف فاعلة على الأرض، هي تركيا وأوروبا وسوريا وايران والعراق وروسيا والأكراد وان على هذه الاطراف حل الوضع، موضحاً "لقد قاتل الأكراد معنا لكنهم تلقوا الكثير من المال والمعدات للقيام بذلك".

الولايات المتحدة نفذت استراتيجيتها في اطلاق يد اردوغان اذ أعلنت صباح الإثنين سحب قواتها من مناطق الشريط الحدودي مع تركيا في شمال سوريا، ما يفتح الطريق أمام تنفيذ أنقرة تهديدها بشنّ هجومها ضد المقاتلين الأكراد. وهو التهديد الذي طالما لوّحت به.

اعطاء البيت الأبيض الضوء الأخضر لأنقرة للمضي في استراتيجيتها، يشكل بحسب الكثير من المراقبين تحولاً بارزاً في السياسة الأميركية وتخلياً ملحوظاً عن المقاتلين الأكراد الذين شكلوا حليفاً رئيسياً لها في المعارك ضد تنظيم داعش الإرهابي.

شهور عدة والرئيس التركي يلوح وعلى مدى أشهر بشن هجوم في شمال سوريا، ثم تلا ذلك التوصل مع واشنطن إلى اتفاق في أغسطس نصّ على إقامة منطقة عازلة تفصل مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد عن الحدود التركية.

ويبدو ان سياسة خذ وطالب قد نجحت في الجانب التركي بدليل ان ما سعى اليه الرئيس التركي قد توج بانسحاب أميركي وتخلي شبه كامل عن حلفائها الاكراد.

اسراتيجية ترامب تنطلق من اعتبارات عدة منها خروج بلاده مما وصفها بالحروب العبثية وإعادة الجنود الأمريكيين إلى وطنهم، في مسعى لتعزيز مكانته في الداخل الأميركي لا سيما وانه على اعتاب حملة انتخابية استعدادا لسباق الرئاسة المقبل.

وبحسب زعم الرئيس الأميركي، "كان من المفترض أن نذهب إلى سوريا 30 يومًا، ذلك قبل سنوات مضت، لكننا بقينا سنوات ودخلنا في صراع شديد دون هدف واضح".

الكف عن ضخ المال والسلاح للاكراد كان احد عناوين تحرك ترامب وقراراته الأخيرة اذ نقل عنه قوله "ان الأكراد قاتلوا إلى جانبنا، لكننا دفعنا لهم كميات طائلة من الأموال والمعدات للقيام بذلك".

وتابع الرئيس الاميركي: ان الاكراد حاربوا تركيا لعقود، وأوقفت هذا القتال لمدة 3 سنوات، لكن آن الآوان للولايات المتحدة لأن تخرج من الحروب العبثية التي لا نهاية لها والتي هي في معظمها قبلية ويجب إعادة جنودنا لوطنهم.
وأكد أن بلاده "ستقاتل حيثما تستدعي المصلحة ولن نقاتل إلا لننتصر".

اردوغان كان قد اعلن صراحة ومرات عدة عن خططه في التمدد على الأرض مدعوما بقوة عسكرية في إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا. والهدف عمليا هو إقامة شريط بعمق 30 كلم وبطول حوالى 500 كلم يمتد من الفرات إلى الحدود العراقية، ويفصل بين الحدود التركية ومواقع وحدات حماية الشعب.

ومن وجهة النظر التركية، فإن الولايات المتحدة بإعطائها ضوءها الأخضر تكون قد أعطت الانطباع بأنها رضخت للطلبات التركية، على ما أوضحت خبيرة السياسة الخارجية التركية والأستاذة في معهد سيانس بو في باريس جنا جبور لفرانس برس.

فهل كان هذا بحد ذاته انتصار دبلوماسي لإردوغان؟.

لا شك أن الرئيس التركي سوف يجيّر الامر لصالحه ويعد الانسحاب الأميركي انتصارا له ولسياساته وان الفرصة الأميركية التي منحت له سوف تجعله قطبا أساسيا ومهما على الأرض السورية وتاليا فإن التمدد التركي على الأرض سوف يصبح حقيقة واقعة بكل ما يعنيه من تغيير ديموغرافي للسكان.

خطط اردوغان التالية غير خافية على الجميع فهو يسعى لضخ مئات الوف اللاجئين السوريين في تلك المنطة الامنة التي صارت عمليا تحت تصرفه وسيفعل معها ما فعله في منطقة عفرين من تتريك تدريجي يوصل السكان الى الخضوع لنفوذ وقوانين الدولة التركية.

والحاصل ان استراتيجية ترامب  في اطلاق يد اردوغان في المنطقة لا تشكل تهديدا لمصالح الولايات المتحدة لكنها سوف تتيح لاردوغان ضرب التواجد الكردي بكل اشكاله كما سوف تعطي اردوغان ورقة قوة امام روسيا وايران باتجاه تقاسم النفوذ على الأرض السورية وهو ما كان يسعى اليه اردوغان طويلا ومنذ اندلاع الازمة السورية.