استياء العدالة والتنمية من تدخل الحركة القومية بالسياسات الحكومية

أنقرة – كيف أرضخ حزب الحركة القومية اليميني المتشدّد حزبَ العدالة والتنمية الحاكم من خلال تحالف الشعب؟ مَن سخّر الآخر لمصالحه أكثر؛ الحركة القومية أم العدالة والتنمية؟ كيف نجح دولت بهجلي؛ زعيم الحركة القومية، بتحوير تحالف الشعب لصالحه؟ هل أصبح العدالة والتنمية مرتهناً لحليفه المتشدد؟

من المثير للانتباه أنّ الحركة القومية أصيح يتدخّل في السياسات الحكومية على أعلى مستوى، ويقوم بتوجيهها وفق مصالحه وبما يتناسب مع تطرّفه، بحيث يبدو الحزب الحاكم تابعاً له وغير قادر على التصرّف إلّا بناء على موافقة وتوجيه منه، ويتحول من الحزب الأصغر في التحالف إلى الموجّه والمقرّر.

استفاد الحركة القومية من نزوع أردوغان المرضيّ للتشبّث بالسلطة، ونزعته للاستبداد والتفرد بالحكم، ودخل في تحالف معه، وأملى عليه شروطه، بحيث قيّده بسياساته اليمينية، ودفعه للتصرّف بمزيد من العدوانية تجاه الآخرين، وبخاصة الأكراد وحزب الشعوب الديمقراطي لهم.  

وقبل دخول بهجلي في تحالف الشعب مع حزب أردوغان سنة 2016، كان شديد الانتقاد لأردوغان، واتهمه بتأجيج حدة الاستقطابات السياسية في البلاد، وحاول إقناع الرئيس السابق عبدالله غول بالترشح ضده كمرشح توافقي للمعارضة، وكان متحالفاً مع حزب الشعب الجمهوري، وتم التوافق على ترشيح أكمل إحسان الدين أوغلو الذي كان الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي. كما رفض سنة 2015 التحالف مع العدالة والتنمية ولم يكترث بدعوات رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو.

لم تنجح محاولات قياديين في الحركة القومية في الإطاحة ببهجلي، ولم تؤثر الانشقاقات عليه كثيراً، وظلّ محط اهتمام الحزب الحاكم والمعارضة معاً، وحاول بهجلي ألا يظهر بمظهر الباحث عن مناصب وتنفيعات، من خلال رفض الحصول على أية وزارة، وبالمقابل أطلق يد كوادر حزبه للتنشط في مؤسسات الدولة والتوسع فيها رويداً رويداً تحت سمع العدالة والتنمية وبصره وبرضاه، ليقينه أن التغلغل في مؤسسات الدولة أهم من المناصب الوزارية.

وقام بهجلي بتأثير كبير على سياسات أردوغان الداخلية والخارجية، حتى وصفها محللون أنها أصبحت أقرب لسياسات الحركة القومية وأكثر تطابقاً معها، وافترقت عن شعارات حزب العدالة والتنمية التي كان ينادي بها. في حين أصبح أردوغان أقرب للشعبوية والتطرف، وابتعد أكثر عن الأكراد، وقام بتجميد عملية السلام معهم.

أقرّ العدالة والتنمية النظام الرئاسي وقام بتمرير القانون بمسانده حليفه الحركة القومية ودعمه، ومن ثم فاز أردوغان بالرئاسة، وتمكن من الفوز بأغلبية برلمانية بالتحالف معه، وبات بإمكانه دعم الحركة القومية داخل البرلمان لإقرار مختلف التشريعات التي يطالب بها. وأصبح تحالف الشعب جامعاً للتطرفين القومي والديني، ناهيك عن التعطش المرضي للسلطة. 

ويشير محللون إلى أن الخلافات بين الحليفين بهجلي وأردوغان مرشحة للتفاقم في المستقبل القريب، ذلك أنّ بهجلي الذي يستقوي بما حققه في الانتخابات المحلية، ويستغل حاجة أردوغان وحزبه له، يضغط باتجاه تنفيذ دعواته وسياساته، ويتمادى في التوغّل في المؤسسات فارضاً وجهة نظره وسياسته. 

من استغلّ الآخر؟
من استغلّ الآخر؟

وأظهرت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة زيادة عدد البلديات التي فاز بها حزب الحركة القومية في ظل تعاونه مع العدالة والتنمية، وهناك حالة تدفق متسارعة للناخبين من قاعدة حزب العدالة والتنمية إلى حزب الحركة القومية الذي انتعش بانضمامه لتحالف الشعب الحاكم، واستفاد من استلامه زمام الأمور، وتصدره القيادة، ولو في ظلّ أردوغان، ليقوم بتمرير سياساته المتطرفة.

وبحسب محللين، فإنّ حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية كانا أكثر حزبين يحتقر أحدهما الآخر، ويوجه لزعيمه أشد الانتقادات حتى مرحلة تقاربهما خلال السنوات القليلة الماضية. ويتذكر الأتراك أنّهم سمعوا من أفواه مسؤولي الحركة القومية اتهامات وادعاءات بحق أردوغان لم يسبق أن تفوه بها أي سياسي على الإطلاق بحق زعيم حزب آخر.

وفي هذا السياق كتب الصحافي التركي فهمي كورو مقالاً في موقع أحوال تركية بعنوان "العدالة والتنمية في السلطة والحركة القومية يوجه سياساته"، أشار فيه إلى أنّ أهم نقاط التحول الفارقة التي خيمت بظلالها على السنوات الأخيرة دائمًا ما اتُخذت بتوجيه من دولت بهجلي وباتباع الاتجاه الذي يريده حزب الحركة القومية.

ولفت إلى أنّ حزب الحركة القومية يُعطي انطباعًا بأنه أكثر صرامة وحساسية من حزب العدالة والتنمية فيما يتعلق بالنظام والنتائج الطبيعية له. كما أن حزب الحركة القومية وزعيمه دولت بهجلي هو أيضًا من أوقف مساعي تنقيح نظام الحكومة الرئاسية التي شُرع فيها من قبل حزب العدالة والتنمية بهدف القضاء على الاضطرابات الناشئة عن النظام الذي تسنى للرأي العام أن يدركه بخطوطه العامة، وكي يظهر وكأنه استمع لرأي القاعدة العريضة.

ومع ازدياد الشائعات حول تدهور صحة دولت بهجلي الذي يلقّب بـ"الذئب العجوز" البالغ من العمر 71 عاماً - وهو رمز أسطوري للقوميين الأتراك المتطرفين – والذي يتفرد بزعامة حزبه منذ 1997، والشكوك بقدرته على ممارسة عمله السياسيّ كزعيم للحزب، يبدو الحزب مقبلً على مرحلة جديدة مختلفة، قد يكون بعض سماتها التشرذم، والارتهان لأردوغان.  

ويحظى مستقبل بهجلي السياسي، وما سيغدو عليه حزبه بعد أنباء تدهور وضعه الصحّي بأهمية كبيرة لدى أردوغان وحزبه، لدرجة أنّ تغريدة من الكاتب أردغون باباهان؛ مدير تحرير القسم التركي في موقع أحوال، تسبّبت بأزمة دبلوماسية بين أنقرة وواشنطن، بعد نقر القنصلية الأميركية بأنقرة على زرّ الإعجاب بها، ما أثار حفيظة الحكومة التركية التي بدأت التحقيق بالأمر. 

وهناك الحزب الصالح الذي كان قد انشقّ عن حزب الحركة القومية، بزعامة ميرال أكشينار التي انضمّت لتحالف الأمّة المعارض، وقامت بترشيح نفسها للانتخابات الرئاسية سنة 2018، والذي نجح الرئيس أردوغان بإبعاده عن المعارضة، تمهيداً للتحالف معه، أو إعادته لحزبه الأم الحركة القومية، وتسليم الزعامة لأكشينار، بعد تقاعد بهجلي أو رحيله.

انشقاق الحزب الصالح عن تحالف المعارضة فتّت قوة تحالف الأمة؛ الذي كان يراهن عليه حزب الشعب الجمهوري في التصدي لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة سنة 2023، واحتمال إعادة سيناريو الانتخابات البلدية، حيث تمكن من انتزاع عدد من كبريات البلديات من قبضة العدالة والتنمية، ولاسيما بلديات إسطنبول وأنقرة وإزمير..

واعتاد أردوغان على طرح المسائل التي يرغب بها من خلال حليفه بهجلي، وإظهارها على أنّه من مبادراته، وأنّه لبى نداءه واستجاب لدعوته، ما يناسب المصلحة العامة المفترضة، التي تتقاطع مع مصلحته الشخصية ومصلحة حزبه. ومن ذلك ما حصل في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي أجريت في 2018، والتي صدرت الدعوة إليها من قبل دولت بهجلي؛ ووافق عليها أردوغان، وصادق عليها البرلمان الذي يمتلك العدالة والتنمية وحليفه الأغلبية فيه.

وعلى الرغم من أردوغان ما يزال السياسي الأكثر شعبية في البلاد، إلّا أن هزائم حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية هذا العام، بالإضافة إلى سوء تردّي الظروف الاقتصادية، وهروب المستثمرين وزعزعة الثقة بالأسواق التركية، وانهيار الليرة وفقدانها قرابة أربعين بالمئة من قيمتها منذ حوالي عامين، تعتبر بمثابة ضربة خطيرة لشعبيته وحكومته.