أغسطس 10 2019

استياء روسي من مُتاجرة أردوغان بتتار القرم

 

موسكو – بينما توقع سياسيون روس تغيير السلطة في تركيا على غرار الميدان الأوكراني، مُشيرين لوجود دلائل على أنّ أوروبا تفكر بالفعل في الإطاحة بأردوغان، على طريقة الإطاحة بيانوكوفيتش في أوكرانيا، أثارت تصريحات الرئيس التركي حول تتار القرم وعلاقة بلاده مع كييف، استياءً واسعاً في موسكو ترجمته العديد من الصحف الروسية، فيما لا يبدو في ذات الصدد أنّ روسيا ستكون منزعجة على مصير أردوغان المتوقع، حيث ترى أنّ أنقرة ستبقى بحاجة موسكو وليس العكس.
وتحت عنوان "متاجرة مع الاتحاد الأوروبي: ماذا وراء كلمات أردوغان عن تتار القرم"، رأى رافائيل فخروالدينوف، في مقال له نشرته "غازيتا رو"، أنّ تصريحات أردوغان تتناقض مع بناء التعاون بين روسيا وتركيا، وتتجاهل المبادئ الديمقراطية التي على أساسها صوت شعب القرم، بما في ذلك التتار، للانضمام إلى روسيا.
يُذكر أنّه وفي يناير الماضي، أنهت أوكرانيا بشكل رسمي في مراسم احتفالية بإسطنبول، أكثر من 330 عاما من السيطرة الدينية الروسية على البلاد، بالإعلان عن إقامة كنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة.
وقاطعت أكبر كنيسة في أوكرانيا، وهي موالية لروسيا، هذه الخطوة التي جاءت وسط سنوات من العلاقات السيئة بصورة كبيرة بين موسكو وكييف.
وجاء في المقال الذي ترجمته للعربية "روسيا اليوم": رأى الممثل الدائم لجمهورية القرم لدى الكرملين، غيورغي مرادوف، في استخدام رجب طيب أردوغان موضوع تتار القرم في اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في القصر الرئاسي بأنقرة، متاجرة سياسية.
فقد قال أردوغان بعد محادثاته مع زيلينسكي: "لا تعترف تركيا بضم شبه جزيرة القرم ولن تعترف بذلك أبدا. إن حياة أقاربنا تتار القرم في وطنهم التاريخي في شبه جزيرة القرم وحماية هويتهم وثقافتهم، وكذلك ضمان حقوقهم وحرياتهم الأساسية ستبقى أولويتنا".
ومن المثير للاهتمام أن العشاء الرسمي الذي أقامه أردوغان على شرف زيلينسكي، ضمّ، إلى جانب جميع الوزراء الرئيسيين في تركيا، مصطفى جميلوف، زعيم المنظمة المتطرفة "مجلس تتار القرم" المحظورة في روسيا، واسمه موضوع على قائمة المطلوبين الفدرالية، بموجب ثلاث مواد من القانون الجنائي تتعلق بالإرهاب وتقويض أسس أمن الدولة الروسية.
يُذكر أنّه في عام 2014 عندما احتلت روسيا شبه جزيرة القرم ونشبت الأزمة الأوكرانية، وقفت أنقرة إلى جانب أوكرانيا في هذه الأزمة وأدانت معاملة روسيا لتتار القرم، بينما تتصاعد بالمقابل العلاقات التركية الروسية بشكل إيجابي منذ حوالي 3 سنوات بعد أن كانت شهدت توترا كبيرا في نوفمبر العام 2015 نتيجة الحرب في سوريا، وذلك في ذات الوقت الذي بدأ فيه شهر العسل التركي الأوكراني بعد أن فرضت روسيا حينها عقوبات على تركيا في أعقاب إسقاطها مقاتلة روسية على الحدود السورية التركية.
وكان الرئيس الأوكراني عبّر عن شكره لأردوغان في زيارته السابقة "لدعمه وحدة الأراضي الأوكرانية، وعدم اعترافه بالاحتلال غير الشرعي للقرم من قبل روسيا، وتنديده بالعدوان الروسي المسلح على شرقي أوكرانيا".
صحيفة "العرب" اللندنية واسعة الانتشار، وتحت عنوان "روسيا تراقب أزمات تركيا وتستعد لسيناريوهات سقوط أردوغان"، قالت إنّ الاستدارة التركية شبه التامة نحو روسيا لا تُثير تساؤلات الدول الغربية وحدها، بل امتدت هذه التساؤلات إلى وسائل الإعلام الروسية التي بدأت تراقب أسرار هرولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نحو الكرملين التي تبدو في ظاهرها ردة فعل غاضبة على مواقف واشنطن، لكنها في العمق تكشف عن مخاوف الرئيس التركي على مصيره وتحسبه من انقلاب مفاجئ كردة فعل على سياسة صفر أصدقاء التي بات يتبعها في محيطه.
وأبدت وسائل الإعلام الروسية اهتماما كبيرا بالاتفاق الأميركي التركي حول “المنطقة الآمنة” شرق الفرات، وعلاقة ذلك بالشأن الداخلي لأنقرة ومخاوف أردوغان من محاولة انقلاب عسكري جديدة عليه، فضلا عن تزايد الانشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه واحتمال أن يتم عزله عن قيادة الحزب الحاكم أيضا.
وكتب المحلل السياسي سعيد غفوروف أنّ أردوغان يرغب في إشغال الجيش خشية أن ينقلب عليه، في ظلّ أزمة داخلية خطيرة في البلاد. وقال “يحتاج الرئيس التركي إلى الحرب بحدّ ذاتها، وليس إلى النصر، فالوضع السياسي في البلاد غير مستقر، والظروف موضوعيا تنقلب ضده”.
وأظهرت الانتخابات البلدية الأخيرة بوضوح أن المعارضين الأتراك يكتسبون قوة. لكن أردوغان يسعى لأن يضع الجميع تحت الضغط ويخوفهم من أعداء تركيا، ما يجعل المعارضة تسير وفق أجندته.
وتشبه الظروف الحالية في تركيا من نواح كثيرة ما كانت عليه أوكرانيا قبل خمس سنوات، فالطغمة المالية غير راضية عن الرئيس، وترى فيه عقبة أمام التكامل الأوروبي، والعمال يضربون باستمرار، والحزب الحاكم غير راض عن نتائج الانتخابات.
ولم يستبعد فلاديمير أحمدوف، كبير الباحثين في معهد الاستشراق بموسكو، حدوث انقلاب في تركيا في المستقبل، ويستدرك بقوله “على المدى القصير الجيش التركي فقد قدرته على القيام بانقلاب بعد تغيير القيادات وملاحقة من ساهموا في الانقلاب الماضي”.
وقال أحمدوف في تصريح لـ “العرب” إن العلاقات الروسية التركية لن تتأثر جذريا بأي انقلاب، وهو توجه لا يقتصر على الحكومة الحالية برئاسة أردوغان بل أيضا أغلب المعارضة التركية تدعم الانفتاح الكبير على روسيا.
وأضاف “انطلاقا من عدم القلق الروسي لمستقبل الرئاسة في تركيا، فإن موسكو ليست مشغولة بمستقبل أردوغان كونها غير قلقة على مستقبل علاقات البلدين”، مشيرا إلى أن “التقارب الكبير بين موسكو وأنقرة أعطى روسيا قدرة كبيرة على التحرك بحرية مطلقة في سوريا حتى في المناطق الحدودية مع تركيا”. كما أن “روسيا ستغير طريقة تعاملها مع الملف السوري في حال حدوث تغييرات في نظام الحكم التركي”.