اتفاقية مونترو ستضبط أوهام أردوغان حول قناة إسطنبول

تستمر حالة الجدل في وسائل الإعلام التركية بشأن حفر قناة جديدة ستُسمى "قناة إسطنبول" لربط بحر مرمرة بالبحر الأسود. وقد وصف الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان المشروع بأنه "مشروع مذهل".

ويتركز اهتمام الرأي العام على تكلفة هذا المشروع، والآثار المدمرة التي من المحتمل أن تنتج عنه وتؤثر على البيئة، والأموال العامة التي سيتم توجيهها إلى شركات البناء المقرّبة من الحكومة. هناك أيضاً الكثير من القيل والقال عن تربُّح بعض الأشخاص، الذين تشير معلومات مسربة إلى أنهم اشتروا أراضٍ على طول مسار القناة النهائي.

سيركز هذا المقال على القانون الدولي فيما يخص المشروع. تُنظّم الاتفاقية الدولية الموقّعة في مدينة مونترو السويسرية عام 1936 المرور عبر المضائق التركية – الدردنيل والبوسفور وبحر مرمرة. وتقر الاتفاقية بتمتع هذه المضائق بوضع دولي، لكنها تعطي تركيا دوراً محورياً في الإشراف على تطبيقها بشكل سليم.

وناقشت وسائل الإعلام التركية الجانب المتعلق باتفاقية مونترو في مشروع القناة بشكل سطحي فقط. ويخضع هذا الجانب لنقاش مُعمّق على شبكات التواصل الاجتماعي لخبراء القانون الدولي والدبلوماسيين الأتراك المتقاعدين.

ويعتقد أردوغان أن القناة ستكون "خارجة تماماً عن نطاق تطبيق اتفاقية مونترو. وقد تحدّى "حق ناقلات النفط التي تصل حمولتها إلى مئتي ألف طن في استخدام مضيق البوسفور في إطار حرية المرور. البعض قد لا يجرؤون على قول هذا... لكني أستطيع. إذا كان هناك خطر على سواحلنا الأوروبية والآسيوية، فإننا سنفعل أي شيء ضروري من أجل صده".

وبالطبع، فإن تركيا مخوّلة باتخاذ أي إجراءات في إطار حقها كدولة، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة أن البوسفور ممر مائي بحري وأن هناك اتفاقية دولية تحدد وضعه.

وقبل اتفاقية مونترو، كانت هناك اتفاقية أخرى تنظّم المرور عبر المضائق التركية، وكانت تلك الاتفاقية ملحقة بمعاهدة السلام الموقّعة في لوزان عام 1923. فرضت تلك الاتفاقية الكثير من القيود على تأسيس منشآت عسكرية على بعد مسافة محددة من المضائق وبحر مرمرة.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، نجحت تركيا في إقناع الدول الموقعة على الاتفاقية الملحقة بمعاهدة لوزان باستبدالها بواحدة أخرى. كان هذا ممكناً بسبب انعدام الأمن الذي ساد أوروبا في ذلك الوقت؛ فقد غزت إيطاليا الحبشة ولم تتمكن عصبة الأمم من منعها، بينما كانت ألمانيا تهدد بغزو تشيكوسلوفاكيا.

واستغلت تركيا مناخ عدم الاستقرار هذا لإقناع أطراف الاتفاقية بتعديلها ووضع بنود جديدة، وتمكنت من إعادة عسكرة شواطئ المضائق وبحر مرمرة. نتيجة لذلك، وُقّعت اتفاقية مونترو الجديدة، والتي راعت بصورة أكبر مخاوف تركيا وروسيا الأمنية. حمت الاتفاقية أيضاً مصالح الدول الأخرى المطلة على ساحل البحر الأسود. وُقّعت اتفاقية مونترو لأجل 20 عاماً، وهو أجل سمحت الاتفاقية بتمديده بموافقة ضمنية.

وحافظت الاتفاقية على حرية غير محدودة لمرور السفن التجارية لجميع البلدان. وأيضاً، تَحسَّن أمن تركيا من خلال فرض قيود على المرور في حالة الحرب.

ووُضع أمن روسيا في الحسبان من خلال فرض قيود على وزن السفن العسكرية التابعة لدول غير دول البحر الأسود، والمسموح لها بدخوله. ويبلغ الحد الأقصى للوزن الإجمالي لهذه السفن العسكرية 30 ألف طنّاً، على ألّا تتجاوز مدة بقائها في البحر الأسود 21 يوماً.

والولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية مونترو، ومن ثم فإنها لا تملك الحق في اقتراح تعديل أو إلغاء الاتفاقية؛ لكنها ترغب في وجود بحريتها في البحر الأسود. وخلال أزمة أوسيتيا الجنوبية عام 2008 بين روسيا وجورجيا، كانت الولايات المتحدة تريد إرسال سفينة طبية وزنها 68 ألف طن إلى سواحل جورجيا، لكن تركيا أبلغت واشنطن بأن هذا سيمثل خرقاً لاتفاقية مونترو، فأرسلت البحرية الأميركية سفينة وزنها 12 ألف طن فقط بدلاً منها.

فكيف سيكون رد تركيا إذا قررت الولايات المتحدة إرسال سفن حربية إلى البحر الأسود فوق الحدود التي تسمح بها اتفاقية مونترو، وطلبت من أنقرة الموافقة على إرسال تلك السفن عبر "قناة إسطنبول" مستندة إلى أن القيود التي تفرضها اتفاقية مونترو تسري فقط على البوسفور؟ في هذه اللحظة سيُختبر مدى ارتباط اتفاقية مونترو كمرجعية بقناة إسطنبول، وسيكون ذلك الاختبار قويّاً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/kanal-istanbul/montreux-convention-and-canal-istanbul
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.