اتهامات بالرشى تهدد بتقويض المسار السياسي في ليبيا

تونس - برزت اليوم الأحد عقبة أخرى في مسار التسوية السياسية في ليبيا، فإلى جانب التدخلات التركية التي أثقلت لأشهر طويلة على مسار الحوار السياسي الليبي ولا تزال تشكل إلى حدّ الآن واحدة من المعضلات المؤثرة سلبا على خطوات بطيئة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، كشف خبراء من الأمم المتحدة في تقرير رفع إلى مجلس الأمن أنه تم شراء أصوات ثلاثة مشاركين على الأقل في محادثات السلام الليبية التي ترعاها الهيئة الدولية.

وتم انتخاب رئيس الوزراء المؤقت عبدالحميد دبيبة مطلع الشهر خلال منتدى الحوار السياسي الليبي الذي انطلق في تونس في نوفمبر/تشرين الثاني وكان آخر محاولة للأمم المتحدة لإنقاذ البلاد من نزاعها المستمر منذ عقد.

وفي تقرير من المقرر تقديمه إلى مجلس الأمن في مارس، وجد خبراء الأمم المتحدة أنه خلال محادثات تونس عرض اثنان من المشاركين "رشاوى تتراوح بين 150 ألف دولار و 200 ألف دولار لثلاثة أعضاء على الأقل في منتدى الحوار السياسي الليبي إذا التزموا بالتصويت لدبيبة كرئيس للوزراء".

وأعد التقرير الذي لم يُنشر بعد، خبراء الأمم المتحدة المنوط بهم فحص انتهاكات حظر الأسلحة الدولي المفروض على ليبيا.

وفي فقرة من تقريرهم أفاد الخبراء أن أحد المندوبين "انفجر غضبا في بهو فندق فور سيزنز في تونس العاصمة عند سماعه أن بعض المشاركين ربما حصلوا على ما يصل إلى 500 ألف دولار مقابل منح أصواتهم إلى دبيبة، بينما حصل هو فقط على 200 ألف دولار".

وأكد أحد المشاركين في المحادثات، طلب عدم الكشف عن هويته أنه كان شاهدا على ما حصل، معربا عن غضبه من "الفساد غير المقبول في وقت تمر فيه ليبيا بأزمة كبيرة".

ولا يمكن التسليم بصحة كل هذه الادعاءات أو نفيها في ظل مشهد ليبي ملتبس شديد التعقيد ومنفتح على كل السيناريوهات، فكما يمكن الاعتقاد بصحة تلك الرواية التي اعتمدها خبراء الأمم المتحدة، يمكن أيضا الذهاب في فرضية عدم صحة تلك المزاعم وأن المراد منها على الأرجح إفساد العملية السياسية وتقويضها وهي لاتزال في المهد، حيث يقود دبيبة جهود تشكيل الحكومة وهي جهود ليست بالسهلة.

وفي كل الأحوال فإن التقرير الأممي يفترض أن يتضمن ما يثبت صحة ما ورد فيه لا أن يعتمد على روايات بلا أدلة، فيما سبق للمبعوثة الأممية إلى ليبيا بالنيابة ستيفاني ويليامز أن تعهدت بالتحقيق في تلك المزاعم.   

وهدفت محادثات تونس التي جاءت في خضم هيمنة تركية على غرب ليبيا ومقدراتها بعد أن نجحت أنقرة في صدّ هجوم قاده الجيش الوطني الليبي في أبريل 2019 وكاد أن يسقط حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، إلى إقامة إدارة انتقالية تقود البلاد نحو انتخابات مقررة في 24 ديسمبر القادم.

وفي الشهر الجاري، اختار المشاركون الـ75 الذين انتدبتهم الأمم المتحدة لتمثيل طيف واسع من الليبيين، إدارة مؤقتة بقيادة الملياردير دبيبة ومجلس رئاسي من ثلاثة أعضاء.

ويتعين على دبيبة أن يحظى بثقة البرلمان الليبي خلال تصويت على حكومته بحلول 19 مارس.

وقال الخميس إنه قدّم "رؤية" لتشكيل الحكومة لكن أسماء الوزراء المقترحين ستعلن في البرلمان خلال التصويت على الثقة. وجاءت الادعاءات الأخيرة بعد أن طالبت عدة منظمات ليبية في نوفمبر من العام الماضي بفتح تحقيق في تهم الفساد بشأن اختيار المسؤولين المستقبليين.

وفي رسالة بتاريخ 20 فبراير، دعت المشاركتان في منتدى الحوار السياسي سيدة كامل اليعقوبي وعزة محمود عصيد، المبعوث الأممي إلى ليبيا الذي عيّن حديثا وفي أثناء ملتقى جنيف يان كوبيش، إلى نشر تقرير الخبراء، قائلتين إن هذه المزاعم تمثل إهانة لـ"كرامتهما وشرفهما وشفافيتهما".

وعلى ضوء ما استجد، فإن العملية السياسية برمتها باتت مهددة بالفعل وقد تنفتح على عدة سيناريوهات أدناها التشكيك في شرعية دبيبة والمطالبة بعزله واختيار شخصية أخرى.

وثمة أطراف خارجية تتقدمها تركيا قد يسعدها هذا الأمر بل قد تراهن عليه وتدفع باتجاه لجهة إطالة أمد الأزمة واستثمارها في تثبيت أقدامها والبحث عن بدائل وبيادق لخدمة مشروعها التوسعي.

وكانت الحكومة التركية قد رحبت بانتخاب عبدالحميد دبيبة رئيسا للحكومة الانتقالية ومحمد المنفي رئيسا لمجلس الوزراء وأبدت دعمها وحرصها على نجاح العملية السياسية، لكن المعلن شيء والتحرك على أرض الواقع شيء آخر مناقض تماما لأي تقدم ايجابي في مسار تسوية الأزمة الليبية.

فتركيا لم تتمكن من التدخل في ليبيا عسكريا وسياسيا واقتصاديا إلا في ظل مناخ من الفوضى وآي استقرار قد يؤثر على محاولاتها للتغلغل في مفاصل الدولية الليبية.

وسواء كان دبيبة من أنصار البقاء التركي في ليبيا أو ضدّه، فإن الاستقرار السياسي عامل لا يخدم الأجندة التركية.