أطماع أردوغان الانتقامية في المتوسط أبعد من مصادر الطاقة

يتفاقم الصراع في شرق المتوسط بين تركيا واليونان، نتيجة للتوغلات التي يقودها الجيش التركي بأوامر من الرئيس رجب طيب أردوغان، ولطالما تم اعتبار هذه الخلافات الثنائية قائمة لأهداف تتعلق بمصادر الطاقة، ولكن الكاتبان زينوناس تزياراس، باحث في مركز "بريو" للأبحاث، وجليل الحرشاوي، زميل بارز في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة لهما رأي مختلف، عبرا عنه في مقال في مجلة فورين بوليسي.

ففي حلقة تكررت عدة مرات منذ يوليو، اشتبكت سفن المسح الزلزالي والبحرية التركية مع السلطات اليونانية أثناء البحث عن الهيدروكربونات في المياه قبالة جزيرة كاستيلوريزو اليونانية الصغيرة. ولا تتفق تركيا واليونان على الحدود البحرية شرق المتوسط. لكن، دائما ما يسارع المراقبون إلى تقليص المواجهة اليونانية التركية إلى خلاف ثنائي حول الموارد الطبيعية. ويبقى الخلاف حول جزيرة كاستيلوريزو (وتوغلات تركيا في شرق البحر المتوسط) مجرد أعراض قريبة لصراع متجذر على السيادة. وكانت تلك المعركة على نار هادئة منذ عقود، وتفاقمت مؤخرا بسبب التخلي عن مبادئ السياسة الخارجية التركية التي قامت منذ فترة طويلة على أساس الحذر وتجنّب المغامرة، وفق ما قاله الكاتبان.

 ويؤكد الكاتبان أنه لا شيء يحدث في شرق البحر المتوسط ​​يمكن فصله عن الديناميكيات الأوسع في منطقة تلتقي فيها أوروبا وآسيا وأفريقيا. فلطالما كانت المنطقة نقطة الصفر لسياسات القوى العظمى، لكنها طورت نقطة ضعف جديدة إثر حرب العراق التي دفعت إلى إعادة تشكيل أولويات سياسات الولايات المتحدة الخارجية حول العالم. واليوم، أصبحت الولايات المتحدة غير مستعدة للتدخل في الخارج مما يتيح المجال للجهات الفاعلة الأخرى للتنافس في السعي لتحقيق أجنداتها الفردية.

ويبرز هذا الأمر أكثر في المناطق المحيطة بتركيا، حيث سعت أنقرة إلى الاستفادة من هذه التغييرات لمتابعة ما يرقى إلى مستوى أجندة جيوسياسية معدلة في الخارج. وعلى الصعيد المحلي، دُعم هذا التحول بتحرك نحو الشعبوية الإسلامية والقومية والاستبداد بعيدا عما أسماه بعض خبراء السياسة في واشنطن "النموذج التركي": حيث تم تصور هذا النموذج على أنه "تركيبة متصورة للتحرير الاقتصادي والديمقراطية الصديقة للغرب مع القيم الإسلامية في مزيج اعتقد الكثيرون أنه قد يصبح نموذجا للعالم العربي. الآن، تستفيد أنقرة من علاقاتها المؤسسية والاقتصادية والأمنية المختلفة مع الغرب لتسلق سلم السلطة في النظام الإقليمي بينما تتبنى أسسا مناهضة لليبرالية في الداخل."

ويعتقد الكاتبان أنه منذ سنة 2015، أظهر أردوغان نزعة انتقامية تاريخية في تبرير التدخل التركي في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا الوسطى مع خطاباته التي تتضمن مصطلحات "الجغرافيا في قلوبنا" و"حدودنا الروحية". لكن سياسة الحنين إلى العثمانية الجديدة ليست سوى المنطلق في تفسير منطق أنقرة الجيوسياسي في ظل حكم أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

تسعى تركيا اليوم لأن تصبح قوة عظمى قادرة على التفاوض بشروط متساوية مع بقية القوى وفرض إرادتها أينما أمكن ذلك. ولتعزيز مكانتها، استثمرت في جهاز الأمن القومي وقدرات الإسقاط العسكري مع تكثيف قوتها الناعمة العالمية في مجالات تشمل الترفيه والدين والتجارة.

وتشمل أجندة أردوغان أكثر من مجرد الدفاع والبقاء. ويكمن هدفه النهائي في تغيير الوضع الجيوسياسي الحالي بطرق يعتقد أنها تفيد تركيا. وبهذا، أصبحت تركيا الآن دولة رجعية تتورّط في التدخلات العسكرية وتسعى للسيطرة على أراضٍ أجنبية (في سوريا والعراق)، وتتحدى الحدود البرية والبحرية (قبرص واليونان)، وتمارس الهندسة الديموغرافية والتدخل السياسي (سوريا وشمال قبرص)، لها قواعد في الخارج (الصومال وقطر)، وتشغل الوكلاء التابعين (ليبيا وشمال سوريا وقره باغ).

قد تكون كل هذه التحرّكات استفزازية وبلا داع، وتثبت في النهاية أنها تأتي بنتائج عكسية في تعزيز مكانة تركيا في مواجهة الحلفاء السابقين. لكنها ضمن مسار انتقامي مستوحى من سياسة أنقرة الخارجية الحالية، مع النسخة التجارية التركية الخاصة بالإسلام السياسي: حركة نجم الدين أربكان مللي جوروش (الرؤية الوطنية) في السبعينيات.

لم تعكس نظرة أردوغان للعالم نظرة أربكان دائما. فقد انفصل الرئيس التركي عن أربكان وحرسه القديم في مطلع القرن بعد أن أطاح انقلاب بحزب الرفاه الإسلامي الذي كان أردوغان عضوا فيه أثناء عمله كرئيس لبلدية إسطنبول في التسعينيات. وفي 2001، عندما أسس أردوغان حزب العدالة والتنمية، كان حزبه الجديد مؤيدا قويا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بينما فضل أربكان الاندماج مع العالم الإسلامي.

لكن الأمور تغيرت عندما بدأ أردوغان وحزب العدالة والتنمية في إحكام قبضتهما على الدولة. كما واجه الحزب إحباطا في مداولاته المستمرة مع الاتحاد الأوروبي، وخاصة بعد أن قبل الكتلة جمهورية قبرص عضوا في 2004 بينما عطّلت ألمانيا وفرنسا ترشيح تركيا. وفي 2015، شكّل أردوغان تحالفا مع حزب الحركة القومية التركي، الذي يتبنى وجهات نظر متشددة بشأن قضايا مثل حرب تركيا المستمرة ضد المسلحين الأكراد ووضع قبرص. وسرّعت معاداة حزب الحركة القومية للغرب من تحول حزب العدالة والتنمية نحو موقف أكثر قومية. وبمجرد تشكيل ائتلاف الحزبين، لم يعد هناك مجال للعودة.

واليوم، تنظر أنقرة إلى معاهدة لوزان لسنة 1923، التي أسست الجمهورية التركية ورسمت حدودها الحديثة، وتعتبرها لعنة وتنازلا لم يكن على تركيا أن توافق عليه أبدا. وتأسف نخب حزب العدالة والتنمية على التنازل عن مناطق في شمال سوريا وشمال العراق بموجب المعاهدة، وادعى القوميون الأتراك أنها كانت في ميثاقهم الوطني سنة 1920.

هذا خروج عن مؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك، الذي صور لوزان على أنها انتصار تاريخي. لكن بالنسبة لأردوغان وأتباعه، يعدّ أي شيء أسفر عن إلغاء الخلافة والسلطنة خيانة، خاصة عندما يتبعه مشروع علمنة. لهذا السبب، يرى أردوغان في مراجعة معاهدة لوزان أساسا لطموحاته السياسية.

ولا تتعلق أزمة شرق البحر المتوسط في المقام الأول بالغاز الطبيعي بل بقضايا السيادة التي تعود إلى عقود من الزمن والتي أصبحت مشبعة بمزيج من الطموحات الجيوسياسية القديمة والجديدة. وبينما تدفع المكاسب المادية طموحات التوسع في تركيا، تحرّك الهوية والأيديولوجيا هذه الأحلام أيضا. ولم يُعثر على مواد هيدروكربونية قبالة ليبيا واليونان حتى الآن. لكن تركيا تنظر إلى البحر على أنه نقطة انطلاق لاكتساب المزيد من النفوذ في المغرب العربي والساحل وغرب أفريقيا.

لم تكن الحكومة الكمالية لتفكر في مثل هذه المغامرات المليئة بالمخاطر. فقد كانت السياسة الخارجية الكمالية (التي تكمن جذورها في مقاومة الغزوات الأجنبية للأناضول عندما سقطت الإمبراطورية العثمانية)، في معظمها، تتسم بالخوف من خسارة الأراضي وليس كسبها. وتغيّر هذا مع أردوغان وأتباعه، مما أدى إلى تورط تركيا في حرب أهلية على بعد أكثر من ألف ميل من حدودها.

في 2019، تدخلت تركيا عسكريا في الحرب الأهلية المستمرة في ليبيا. ولم يُعرف بعد ما إذا ستثبت عملية أنقرة المستمرة أنها مستدامة، أو حتى مفيدة، للمصالح الوطنية التركية. لكن بالنظر إلى ميول أردوغان التحريفية، تبدو المخاطر كبيرة.

في أبريل 2019، شن قائد قوات شرق ليبيا، خليفة حفتر، هجوما بريا على العاصمة طرابلس، وهي مقر حكومة الوفاق الوطني. وأعطت العملية تركيا، التي تدعم حكومة الوفاق الوطني، فرصة ذهبية للتوغل في ليبيا.

بالإضافة إلى دعم حكومة الوفاق الوطني عسكريا، وقعت تركيا أيضا مذكرة مثيرة للجدل مع الجانب الليبي بشأن ترسيم حدود الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط. ولم تكن الاتفاقية وسيلة لتركيا لاستخراج الغاز الطبيعي من الساحل الليبي بقدر ما كانت محاولة لتخريب الحدود البحرية الحالية وتعطيل مطالبات الدول الأخرى المعترف بها، بما في ذلك قبرص ومصر واليونان. ببساطة، يهدف الاتفاق إلى إضفاء الشرعية على تطلعات تركيا التوسعية في جوارها المباشر.

وفي سنة 2020، نجحت قوات حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا في طرد قوات حفتر من الربع الشمالي الغربي لليبيا. واستغلت أنقرة فترة الهدوء التي أعقبت ذلك لتعزيز وجودها. اليوم، تنتشر الأصول التركية في المنطقة، من المنشآت البحرية والقوات البرية إلى الطائرات بدون طيار. ومن الواضح أن أردوغان لا ينوي المغادرة في أي وقت قريب. لكن، لا يمكن مواصلة الوجود العسكري القوي بتكلفة زهيدة. وستستمر الإمارات العربية المتحدة وفرنسا واليونان في إحباط استراتيجية تركيا. ويُذكر أن قوات حفتر تسيطر على معظم احتياطيات ليبيا من الهيدروكربونات ويطرح السؤال حول كيف يمكن لتركيا ضمان الجدوى الاقتصادية لوجودها في ليبيا في المستقبل.

إذا لم يتم العثور على أموال في البحر، فيجب ربح الأموال على الأراضي الليبية. قبل عقد، وقبل أن يتدخل الناتو والقوى العربية عسكريا ضد نظام معمر القذافي، كان لدى تركيا حوالي 20 مليار دولار من العقود المعلقة مع الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، في مشاريع البنية التحتية والهندسة والطاقة البرية. الآن، ومع حاجة ليبيا الماسة إلى إعادة الإعمار، أصبحت الشركات التركية عازمة على إبرام صفقات تجارية بقيمة عدة مليارات من الدولارات في الأراضي التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني، والاستفادة منها.

وعلى عكس سوريا، تبقى ليبيا دولة غنية، وتشعر تركيا بحقها في الحصول على عقود هناك. وتمر أنقرة بأزمة اقتصادية في الداخل، وتحتاج بنوكها، المثقلة بالديون، إلى تخفيف قريب. ولكن بعد هجوم فاشل في يونيو 2020 على مدينة سرت الواقعة غرب الهلال النفطي الليبي ، بذلت تركيا جهودا لتجنب القتال، وفضلت الحل الدبلوماسي.

في أغسطس 2020، أبدت أنقرة اهتمامها بتحصيل مدفوعات بالعملة الصعبة من حكومة الوفاق الوطني من خلال توقيع اتفاقية مع مصرف ليبيا المركزي. لكن هذا وحده لن يغطي مستحقات تركيا. فمنذ سنة 2014، أصيب القطاع المالي الليبي بشلل بسبب الخلل الوظيفي والاقتتال الداخلي، ويكمن آخر آماله المتبقية في الإنقاذ في اقتراح إصلاح الأمم المتحدة الذي قُدّم العام الماضي. ولا يمكن لتركيا الاستفادة من الخطة إلا إذا وافقت الفصائل المتنافسة في ليبيا عليها.

على الرغم من أن أردوغان أعرب عن شكوكه بشأن عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، فقد امتنع في الأشهر الأخيرة عن الاستفزاز العسكري الوقح. وفي نوفمبر 2020، سمحت أنقرة للسياسيين البارزين في غرب ليبيا بزيارة مصر التي تدعم حفتر. ويعكس هذا أن تركيا لا تريد أن تنهار عملية السلام.

ومع ذلك، لن تكون هذه الخطوات كافية لتحقيق السلام. وقد ينتهي إصلاح المصرف المركزي ضد مصالح تركيا. وتخشى أنقرة أن يعيد حفتر فرض حصاره. فليس هناك ما يضمن أن حملة الضغط التي قادتها الولايات المتحدة وروسيا، والتي أنهت الحملة السابقة، ستكون موجودة لإنقاذ الموقف مرة أخرى.

في أغسطس 2020، لاحظ وزير الخارجية الألماني هايكو ماس "هدوءا مضللا في ليبيا". إذ يمكن أن تندلع الحرب مرة أخرى في أي يوم. وبغض النظر عمن يشعل الجولة التالية من القتال، فمن المرجح أن تستغل تركيا هذا الظرف للتقدم إلى المناطق الغنية بالنفط في البلاد، مثل الهلال النفطي أو فزان.

لكن هذا لا يرجع لتعطّش أنقرة للهيدروكربونات. فبالنسبة لتركيا، يعتبر النفط والغاز الطبيعي وسيلة لتحقيق غاية: في ليبيا، يضمن النفط بقاء حكومة الوفاق الوطني من خلال تقليل اعتمادها الاقتصادي على الآخرين. وتحتاج أنقرة حلفاء أقوياء لتحقق غاياتها.