أوروبا تبتلع طُعم أردوغان فماذا عن روسيا

تروج أوساط حزب العدالة والتنمية لسياسة إشكالية مربكة هي سياسة فرض الأمر الواقع وتدّعي نجاحها مع الغرب فيما تبرز العلاقة المعقدة مع روسيا على السطح فهل يرضخ بوتين للأمر الواقع ام يستمر في سياسة لا مهزوم ولا منتصر في علاقته بأردوغان.

هذه التساؤلات تتزامن مع حدثين مهمين، هما ما تظن أنقرة انها حققته من انتصار على الصعيد الاوروبي فيما انتهى اليه الاوروبيون في شبه إعادة تأهيل لأردوغان واعطائه فرصة يكون فيها تحت الاختبار مع تأجيل موضوع العقوبات حاليا.

أما الحدث الثاني فهو الأجواء الساخنة والتي تزداد سخونة ما بين روسيا وأوكرانيا وانحشار تركيا في وسط المعادلة بحثا عن مكاسب من أحد الطرفين او كلاهما.

في الحالة الأولى وجدت اوروبا نفسها غير مهيئة في الوقت الحاضر لخوض نزاع مع اردوغان وخاصة تحت جائحة كورونا والحاصل ان مواجهة اردوعان ليست اسبقية حاليا بل هي احتمال مؤجل الى حين.

ومن ذلك ما تروج له ديلي صباح بنسختها الإنجليزية قائلة انه أصبح تطبيع العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي واضحا في أعقاب زيارة رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي تشارلز ميشيل ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى العاصمة أنقرة مؤخرا.

بعد اجتماعهم مع الرئيس رجب طيب أردوغان الذي استمر قرابة ثلاث ساعات، أدلى مسؤولو الاتحاد الأوروبي بتصريحات لتبديد الأجواء السلبية الأخيرة.

لكن ديلي صباح تنسى او تتناسى ان ما جرى بروتوكوليا بإهانة شخص رئيسة المفوضية في اثناء زيارة الوفد الاوروبي الى انقرة  ليس امرا عاديا وليس الاوروبيون في وارد التطبيل لأردوغان على اهانته تلك ولا هم غادروا أنقرة وهم راضين، بل أن رئيس المجلس الاوروبي يقول بعد عودته ان النوم صار عصيّا عليه وأنه يعيش كابوساً بسبب ما وقع في قصر اردوغان.

اوروبا

ما صدر من الإتحاد الاوروبي مؤخراً لا يتعدّى إعطاء أردوغان فرصة إضافية ولأن الأوروبيين ليس من اولوياتهم حاليا خوض نزاع مع تركيا

ويرى الكاتب مليح التينوك في مقال له في ديلي صباح ان الاتحاد الأوروبي تقدم إلى تركيا بخمسة أوراق رئيسية هي:

أجندة ملموسة حول التعاون الاقتصادي والهجرة

معالجة وتحديث المشاكل المتعلقة بالاتحاد الجمركي

الالتزام بمواصلة تدفق الأموال للاجئين في تركيا

زيادة الزخم في العلاقات مع تركيا في مجالات التعاون الرئيسية

أمن واستقرار شرق المتوسط

جاء هذا التحرك تجاه تركيا، التي تقع على الحدود الجنوبية الشرقية ذات الأهمية الحاسمة لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، في وقت تكثف فيه روسيا والصين الصراع على النفوذ في المنطقة.

على الرغم من أنه كان من المتوقع أن تدفع الإدارة الأمريكية الجديدة تركيا نحو الجبهة الروسية الصينية، أوضحت الجبهة الغربية أنها لن ترتكب مثل هذا الخطأ وأكدت أن تركيا شريك لا غنى عنه.

وبالمثل، يجدر التأكيد على تصريحات وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين في مؤتمر صحفي مع الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في بروكسل: "أعتقد أن وجود تركيا في الناتو يعود بالفائدة علينا بشكل خاص".

في لعبة شطرنج الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، لا ينبغي تجاهل التحركات المتزامنة لتركيا وإسرائيل ومصر.

اذا كانت انقرة متفائلة الى هذه الدرجة وكأن جميع الملفات العالقة من الاتحاد الاوروبي قد اغلقت وكأن انقرة قد فرضت الأمر الواقع على الاوروبيين وفرضت عليهم اجندتها.

والحاصل ان على اردوغان ان يتفرّغ الآن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تربطه به علاقة تكتيكية خلاصتها لا غالب ولا مغلوب وذلك ماشهدته العديد من الساحات.

اوكرانيا

أن يضع أردوغان قدما في كييف والأخرى يريدها في موسكو ويحضى بمنافع من الطرفين المتنازعين ورضاهما ايضا هو واحد من اوهام السياسة التركية الان.

لكن بوتين مشغول الان بتحشيد قواته ضد أوكرانيا بينما اردوغان في ذات اللحظة يستقبل رئيس ذلك البلد ويطرح نفسه وسيطا بين الطرفين المتنازعين او في الاقل تقديم النصح لهما باللجوء للطرق السلمية في حل الخلاف بينهما لكن البيان الصحافي لكل من اردوغان ورئيس اوكرانيا كان قد عبرعن دعم "منصة القرم" كصيغة جديدة لمعالجة ما سميّاه الضم غير القانوني وغير المشروع لشبه جزيرة القرم من قبل الاتحاد الروسي، إضافة إلى دعم زيادة الجهود المشتركة لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين الأوكرانيين، وخاصة تتار القرم، الذين أجبروا على مغادرة وطنهم بعد الاحتلال المؤقت.

و قال أردوغان اليوم الأحد إن تركيا تعمل على التوصل لحل سلمي للخلاف بين أوكرانيا وروسيا بعد تزايد العنف في منطقة دونباس وحشد روسيا قوات على الحدود.

ودعا أردوغان إلى وضع حد للتوترات المتصاعدة في دونباس بعد عقد محادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اسطنبول يوم السبت، وأخبره أن تركيا مستعدة لتقديم أي دعم ضروري.

خلال ذلك يرسل الكرملين حاليا مزيدا من القوات نحو أوكرانيا ويعزز الحشد الروسي في شبه جزيرة القرم.

فكيف يوازن اردوغان بين موقفه المساند لأوكرانيا في جوانب معينة أولها ما يتعلق بجزيرة القرم، وهو يناوىء الموقف الروسي بطريقة غير مباشرة وبين التمسك بالحليف الروسي امام اضطراب العلاقة مع واشنطن.

ترى انقرة في ذات الوقت أن روسيا لا تزيل عن عمد العقبات التي أحدثتها إيران في الوضع السوري ولا يمنع التفاهم مع حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردي، التي سمح لها بفتح تمثيل لها في موسكو.

والحاصل أن هنالك كثير من الخرافات في السياسة التركية بالظن أن بإمكان دول العالم كبيرها وصغيرها قبول سياسات أردوغان كنوع من الأمر الواقع بينما يجهل صانعو الخرافة التركية أن الحنكة السياسية تقتضي استيعاب بعض الترهات السياسية وعلى هذا يتفاءل إعلام الحزب الحاكم كثيرا الى درجة الاسراف بأن أوروبا ابتلعت الطُعم التركي وكذلك سوف تفعل روسيا بينما الأمر بالغ التعقيد ولا يمكن حسمه بمثل تلك السهولة.

* بالإشارة الى مقال مليح التينوك في ديلي صباح – انكليزي.