جان تيومان
سبتمبر 15 2019

أيام عصيبة بانتظار الليرة التركية

استمر سعر صرف الدولار في الحفاظ على استقراره النسبي بعد خفض سعر الفائدة بمعدل 4.25 نقطة؛ الأمر الذي منح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مزيداً من الثقة في أحاديثه بهذا الخصوص. لقد رفع أردوغان، الذي ركز في تصريحاته الأخيرة على موضوع الفائدة، من سقف توقعاته بهذا الخصوص، معلناً في حشد من أنصاره أنه سيخفِّض أسعار الفائدة بحلول هذا العام إلى رقم مكون من خانة واحدة.

دأب أردوغان على معارضته لرفع سعر الفائدة، وتمسك، في المقابل، برؤيته الخاصة بأن ارتفاع الفائدة هو السبب وراء ارتفاع التضخم؛ مما دفعه إلى البحث عن حلول للأزمة خارج إطار النظريات الاقتصادية المعتادة. وبالتالي لم يكن تصريحه هذا هو التصريح الأول له حول نيته التدخل للتحكم في سعر الفائدة، ولن يكون الأخير كذلك. ومع هذا، فالواضح أن كافة تصريحاته الحالية والسابقة لم تلق آذاناً صاغية من قبل الأسواق.

تحدث أردوغان هذه المرة بثقة وقوة مختلفتين عن أحاديثه الماضية، بعد أن نجح في فرض سيطرته الكاملة على البنك المركزي، بالتغييرات التي أقرها في شهر يوليو الماضي؛ فلم يكد يتولى محافظ البنك المركزي الجديد مهام منصبه حتى سارع بتخفيض سعر الفائدة؛ تلبيةً لرغبة أردوغان. ومع ذلك، لم تحدث تقلبات كبيرة في سعر صرف الدولار أمام الليرة التركية. ومما لا شك فيه أن وضع كهذا سيدفع أي سياسي آخر في موضع أردوغان إلى المغامرة بخفض سعر الفائدة مرات أخرى. ومع ذلك، فقد بدا واضحاً كذلك أن السوق لم تتفاعل، بالشكل المطلوب، مع تخفيض سعر الفائدة.

بالطبع، لم يحدد أردوغان سعر فائدة محدد في حديثه عن أن سعر الفائدة سينخفض إلى مستويات مكونة من رقم واحد بحلول نهاية العام؛ فعلى سبيل المثال، لا تزال أسعار الفائدة على قروض الإسكان التي تقدمها البنوك العامة، في إطار حملة سياسية لمساندة النظام الحاكم، ثابتة عند مستوى 12% سنويًا، ولم يطرأ عليها أي انخفاض. ومن المؤكد أن تخفيض أسعار الفائدة هذا إلى رقم من خانة واحدة بحلول نهاية العام هو أمر تعرفه الحكومة التركية من الآن، كما أن تحميل دافعي الضرائب الأتراك فاتورة تغطية الخسائر الناجمة عن القروض التي يحصل عليها بعض المستهلكين سعداء الحظ من البنوك العامة لن يكون سوى خيار سياسي أيضاً.

من ناحية أخرى، إذا أراد أردوغان تخفيض أسعار الفائدة لدى البنك المركزي، التي لا تزال عند مستوى 19.75%، أو بمعنى آخر إذا أراد تخفيض الفائدة الأساسية إلى رقم مكون من خانة واحدة، فحينها سيتغير الحال تماماً. وتشير التوقعات، في هذا الصدد، بأن أسعار الفائدة لن تنخفض بنهاية هذا العام عن نسبة 15% ؛ الأمر الذي أحدث صدمةً كبيرةً في الأسواق.  

ولا شك أن أردوغان بات يملك السلطة السياسية اللازمة لإرغام البنك المركزي التركي على خفض أسعار الفائدة إلى أرقام مكونة من خانة واحدة، لكن من المحتمل أن نرى تأثير ذلك في المقابل على أسعار صرف العملات الأجنبة مقابل الليرة؛ لأننا إذا نحينا جانباً المفاجآت التي قد يحدثها البنك المركزي في الأسواق؛ فجميع المؤشرات تؤكد أن فصل الخريف سيشهد تحركاً جديداً للدولار أمام الليرة؛ فعلى سبيل المثال، قلل بنك HSBC، وهو أكبر البنوك الأجنبية استثماراً في تركيا،  في بيانه الأسبوع الماضي، من تفاؤله بأداء الليرة التركية على المدى القصير، معرباً عن توقعه بأن يتحرك سعر صرف الدولار بنهاية العام إلى 6.5 ليرة.  

مثل هذا التقدير صدمة كبيرة؛ لأن هذا يعني أن سعر صرف الدولار، الذي لا يزال عند 5.72 ليرة اليوم، سيرتفع، وفق هذا الرأي، بنسبة لن تقل عن 14% في غضون بضعة أشهر فقط. وبالطبع كان هذا التقرير قبل تصريح أردوغان الأخير ووعده بأن يخفض سعر الفائدة بنهاية هذا العام إلى رقم مكون من خانة واحدة.

استند بنك  HSBC، في توقعاته بارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية، على أربعة أسباب:  

1) على اعتبار ارتفاع نسبة التضخم بحلول الربع الرابع.

2) سعر الفائدة الحقيقي سيكون قريباً من الصفر مع خفض سعر الفائدة الجديد من قبل البنك المركزي. 

3) زيادة خطر زيادة العجز في التجارة الخارجية. 

4) مدفوعات الديون الخارجية التي سترتفع في الربع الأخير.

ومع هذا، يمكننا أن نترجم البيانات التي أدلى بها البنك بخصوص السيناريو الاقتصادي قصير الأجل الخاص بتركيا على النحو التالي: 

"سوف ينتهي الانخفاض الحاصل في نسبة التضخم في شهر سبتمبر الحالي، وربما ينخفض إلى ما دون 10%. ومع ذلك، فمن المحتمل كذلك أن ترتفع نسب التضخم في تركيا، على العكس تماماً من وجهة النظر السابقة لتتخطى نسبة 10%.  

وفي المقابل من ذلك، سيوجه البنك المركزي أسعار الفائدة نحو مزيد من الانخفاض؛ ليبدو التضخم كأنه تراجع بشكل دائم، وبالتالي لن تكون معدلات الفائدة الحقيقية في تركيا محط اهتمام من أحد.

سيبدأ العجز في التجارة الخارجية في الارتفاع بسبب عوامل محددة مثل التخفيضات المؤقتة في أسعار الفائدة، ونهاية موسم السياحة، وتراجع أداء الصادرات (سجل معدل نمو الصادرات، حسب آخر الأرقام الصادرة بهذا الشأن، تراجعاً قدره 1%).

وبالإضافة إلى ذلك، سترتفع أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة، متأثرةً بمدفوعات الديون الخارجية (معظمها على هيئة قروض بنكية) التي ستدور حول 18 مليار دولار خلال  الأشهر الثلاثة المقبلة فقط".

من ناحية أخرى، لم يتضمن تقرير البنك أية إشارة إلى مخاطر الاضطرابات الاجتماعية الناجمة عن التدخل العسكري التركي على الأراضي السورية، وتنحية العمل بمبادئ الديمقراطية والقانون جانباً في التعامل مع القضية الكردية على مستوى السياسة الخارجية.  

علاوة على ذلك، لم نجد من بين المخاطر كذلك ما يشير إلى عدم تجاوب المستثمر التركي حتى شهر سبتمبر الحالي مع قرار خفض أسعار الفائدة، على الرغم من أن هذا الأمر يعد متغيراً حيوياً قد يؤثر بقوة على زعزعة استقرار الليرة التركية، خاصة مع عدم حدوث تراجع في معدل الدولرة في تركيا، التي اقتربت من 55%؛ لأن الاستمرار في تحويل الودائع بالليرة التركية، المحدودة من الأصل، إلى عملات صعبة، قد يفسد الأمر برمته.

ويتعين علينا الإشارة هنا كذلك إلى أن كافة مؤشرات السوق المتعلقة بهذا الشأن ليست بالمستوى الذي يمكن تجاهله، أو عدم الاكتراث به؛ فعلى سبيل المثال، يعد التغيير الذي طرأ على الودائع بالليرة التركية، بعد قرار البنك المركزي خفض سعر الفائدة، نذيراً مهما لا بد أن يؤخذ في الاعتبار.  

ووفقًا لبيانات البنك المركزي، فقد ارتفعت حصة ودائع الشهر الواحد، وهي أقصر مدة متاحة بين الودائع بالليرة التركية، بمقدار 4 نقاط في 4 أسابيع بما يعادل نسبة 21% ، في الوقت الذي كان يجب أن يحدث فيه العكس تماماً، تزامناً مع عمليات خفض أسعار الفائدة. ومن جهته، يقوم المستثمر بعمل ودائع طويلة الأجل للاستفادة من مستويات الفائدة المرتفعة الحالية.

الواضح أن الأمور تسير في تركيا على النقيض تماماً من كافة النظريات الاقتصادية المعروفة؛ فقد وضع التطور، الذي حدث في الودائع بالليرة التركية، المستثمرين الأتراك في حيرة من أمرهم، وجعلهم يبحثون عن بدائل مختلفة لتدارك تأثير قرار تخفيض أسعار الفائدة. وبطبيعة الحال، فإن انخفاض الطلب على الليرة التركية لن يشجع هؤلاء المستثمرين على إصدار قرارات لصالح الليرة.

خلاصة القول، عندما نضيف وضع المستثمرين بالليرة التركية إلى بيانات بنكHSBC، بشأن احتمال حدوث انتكاسة جديدة، بسبب عقدة أردوغان حيال أسعار الفائدة، يتضح لنا أن أياماً عصيبة في سعر صرف العملات الأجنبية باتت قريبة، وهو واقع فعلي لا يقوم على التخمينات، وإنما يقوم على التفكير العقلاني لطبيعة الأمور على أرض الواقع.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/doviz-krizi/dovizde-atesli-gunler-geliyor