أيكان أردمير: سياسات أردوغان العدائية تعزل تركيا

قال كبير محللي الشؤون التركية في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، وهو نائب تركي سابق ومعارض لأردوغان، أيكان أردمير، إن السياسة الخارجية التركية، التي تتشكل في القصر الرئاسي التركي بدلا من وزارة الخارجية أكثر فأكثر، تواصل عزل البلاد. إذ تشعر مجموعة من الدول بأنها مهددة من سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العدائية.

وأضاف في حديثه إلى رئيس تحرير موقع "أحوال تركية"، ياوز بيدر، أن تحركات أردوغان المتشددة أدت إلى تبني خصوم تركيا لسياسة الاحتواء والمواجهة. وينظر إليها أنصار أردوغان كدليل على مؤامرة كبرى ضد إدارتهم، مما يزيد من العزل الذاتي. وقال: "ستنتهي هذه الحلقة المفرغة بإجبار أنقرة على اتخاذ خطوات أكثر حدّة لتعزيز العزلة غير المسبوقة التي تمر بها البلاد حاليًا".

ووفقا لأيكان أردمير، فإن سياسة القبضة الحديدية التي يتبعها أردوغان والتي تدعمها الفصائل الأوراسية داخل الجيش وجهاز الأمن الأوسع، بما في ذلك الشرطة وحراس الليل وأصحاب القمصان البنية، يمكن أن تستمر في المسار الحالي، لكن هذه الحالة ليست مستدامة اقتصاديا وماليا.

لا تزال تركيا تخاطر بمواجهة العقوبات الأميركية بسبب شرائها نظام الدفاع الجوي إس-400 من روسيا، وعليها الآن التعامل مع العقوبات المحتملة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على انتهاكاتها شرق المتوسط.

وقال أردمير إن العقوبات مهمة بالنسبة إلى المستثمرين العالميين. فتركيا أمام مخاطر كلية كبيرة، وهو ما دعمته موديز بخفض التصنيف الائتماني لتركيا قائلة إن نقاط الضعف الخارجية للبلاد ستتسبب على الأرجح في أزمة في ميزان المدفوعات وإن مصداتها المالية آخذة في التناقص.

حسب أردمير: "لا تدخل تركيا مرحلة خطيرة من حيث السياسة الخارجية فحسب، بل تدخل في عنق الزجاجة اقتصاديا".

تراجعت احتياطيات تركيا الأجنبية (باستثناء خطوط المقايضة) وهي اليوم في المنطقة السلبية، ارتفعت تكلفة التأمين على ديون تركيا السيادية ضد مخاطر التخلف عن السداد لأعلى مستوياتها. وخفضت وكالة موديز تصنيف الديون السيادية التركية إلى وضع عالي المخاطر محذرة من أزمة على مستوى ميزان المدفوعات. وتراجع التصنيف الائتماني السيادي إلى خمسة مستويات أقل من درجة الاستثمار وعلى نفس درجة الدولة الأفريقية المضطربة رواندا. وقالت موديز إن المقاييس المالية يمكن أن تتدهور بنسق أسرع مما هو متوقع.

وكما لاحظ أردمير، تواجه تركيا احتمال حذفها قريبا من مؤشر "ﺇﻡ ﺇﺱ ﺳﻲ ﺁﻱ" للأسواق الناشئة، وهو معيار تستخدمه العديد من الصناديق العالمية إذا ما زادت صعوبة وصول المستثمرين الأجانب إلى أصولهم. وقال "لا يمكن لتركيا أن تستمر في مسار سياستها الخارجية الحالي نظرا لعدم توافق وسائلها الاقتصادية مع الواقع الدبلوماسي".

"لا يقوض خطاب أردوغان العدواني والانعزالي وسياساته الاستقرار الإقليمي فحسب، بل يضر بآفاق تركيا الاقتصادية والسياسية، ويعزل البلاد على مستوى غير مسبوق، ويطلق تحالفات لم يكن من الممكن تصورها قبل عقد من الزمن".

وقال المحلل إن هناك نهجين متميزين تجاه تركيا في الولايات المتحدة. واحد يستمر في رؤية تركيا في الدور التقليدي الذي اعتادت أن تلعبه في جناح حلف الناتو الجنوبي الشرقي خلال الحرب الباردة، كثقل موازن رئيسي للتهديدات الروسية والإيرانية. يفضل هذا التفكير غض النظر عندما يتعلق الأمر بتجاوزات أردوغان.

ومع ذلك، أضاف أردمير أن هذا النهج أصبح هامشيا أكثر بين المراقبين الأميركيين.

من ناحية أخرى، يرى النهج الثاني في تركيا جزءا من المشكلة مع التهديدات التي تمثلها روسيا وإيران. وقال إن هذا خلق إجماعا من الحزبين في الكونغرس الأمريكي.

يرى أردمير إن دعم تركيا حماس واستضافة أردوغان لاثنين من كبار قادتها يأخذ الأمور إلى مستوى آخر.

ويتجسّد مثال آخر على وضع تركيا الإشكالي في معارضة أنقرة الصريحة لمشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يهدف إلى التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل.

ويُنظر إلى تركيا الآن على أنها من التهديدات الرئيسية في المنطقة، لصراعات أنقرة مع جامعة الدول العربية وسبعة أعضاء متوسطيين في الاتحاد الأوروبي ومنتدى غاز شرق المتوسط.

قال المحلل إن لعلاقات الحكومة التركية مع الولايات المتحدة ثلاثة مستويات مختلفة. "على مستوى العلاقة الشخصية التي تجمع ترامب وأردوغان، نرى علاقة مستقرة نسبيا، وغالبا ما تنتهي بمساعدة أردوغان بحمايته من أي عقوبات".

على مستوى الكونغرس، هناك يبحث الحزبان عن فرص لمعاقبة أردوغان.

وقد قررت واشنطن مؤخرا رفع الحظر الأميركي للأسلحة على قبرص وسط تصاعد التوترات بين تركيا واليونان وقبرص. اعتبر العديد من مراقبي تركيا أن توقيت قرار الولايات المتحدة بإنهاء الحظر الذي دام 33 سنة يحمل قيمة دبلوماسية كبيرة في فترة من التوترات الشديدة في شرق البحر المتوسط.

وحدد أردمير مستوى ثالث يوفر نوافذ لفهم التحولات التكتونية في مواقف واشنطن تجاه أنقرة.

وقال إن الولايات المتحدة تضع خطط طوارئ في حالة عدم إمكانية الوصول إلى قاعدة إنجرليك في تركيا، مضيفا: "نشهد هذا التغيير التدريجي والبطيء على مستوى البنتاغون ووزارة الخارجية".

وقال إن هذه التحركات المؤسسية تبقى أكثر دقة من تصريحات ترامب أو إجراءات الكونغرس. "ومع ذلك، أثرت سياسات أردوغان على العلاقات الأميركية التركية. يجب أن نتذكر أن تغيير مسار العلاقات الثنائية يستغرق وقتا طويلا. ولكن، بمجرد انحراف هذا المسار، ستصعب العودة. إن اللأمر يشبه مناورات سفينة ناقلة".

لحماية نفسه من التوترات مع الولايات المتحدة، وضع أردوغان كل بيضه في سلة ترامب. لذلك، اكتسبت الانتخابات الأمريكية المقبلة بعدا وجوديا بالنسبة إليه.

وقال أردمير: "مؤخرا استهدف مسؤولو أردوغان المرشح الديموقراطي جو بايدن بهجمات إعلانية. لا يبدو أنها استراتيجية حكيمة بالنظر إلى احتمال فوز بايدن".

ويرى المحلل أن تركيا تتبع مناورات تكتيكية قصيرة المدى دون أي استراتيجية كبرى. وتابع: "يرمي أردوغان النرد في لعبة شطرنج دون التفكير في حركته القادمة. رأينا ذلك عند إسقاط الطائرة الروسية في 2015، وفي السياسة السورية، وشرق البحر المتوسط، وفي استخدام اللاجئين كسلاح ضد اليونان والاتحاد الأوروبي".

لكن أردوغان يعتقد أنه يتمتع بمرونة تخوّل له إجراء تغييرات جذرية عندما تفشل سياساته لأنه يسيطر على الغالبية العظمى من وسائل الإعلام التركية ويثق في قدرته من الإفلات من العقاب.

يعزل أردوغان تركيا عن الغرب بينما لا تزال عضوة في العديد من المنظمات الغربية بما في ذلك الناتو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

لكن أردمير يقول إن عضوية أنقرة الاسمية تختلف عن "العضوية الحقيقية" عندما تحمل شعورا حقيقيا بالانتماء وعندما يقبلك أقرانك ويعاملونك كواحد منهم.

وقال إن "شعور تركيا بالانتماء يتآكل مثل قبول أقرانها بها. وبدأت تركيا تصف هذا الوضع بأنه "انعزال ثمين".