أيقونة الدفاع عن الحقوق والحريات: نورجان بايْسال

أودّ أن أتحدث لكم اليوم عن زميلتي الحبيبة نورجان بايسال؛ تلك التي مازلتُ معجبة بصدق عزيمتها وشجاعتها، و- بالأحرى - بقلبِها الطافح بالمحبة.

عرفتها للمرة الأولى بكتاباتها. كان همها الوحيد أن تخبرنا بحقائق لم نشاهدها، ولم نطلع عليها، ولم نسمع بها، وما كنا نود أن نحيط بها علمًا.

فنحن الذين نعيش في غربي البلاد، نعتبر الوفيات والخسائر وكأنها بالنسبة لنا بيانات إحصائية، أمَّا هي فقد كانت ترسم لنا مآسي شرقي البلاد، وكأن الأحداث تأخذ صورة إنسان يستغيث صارخًا: "أرجوكم، اسمعوا أنيني واشعروا بآلامي وأوجاعي".

وبينما كانت نورْجان تسرد لنا مآسي مسقطِ رأسها بشغف بالغ، كانت تُبدي مقاومة استثنائية تجاه ما تتعرض له من العنف وخطاب الكراهية. 

ولم تكن تنحصر في حدود الكتابة فقط، بل كانت تسعى جاهدة وتتطوعُ لمواساة المنكوبين من أبناء البلاد، وتساعدهم ليتمكنوا من استئناف حياة جديدة.

فأحيانا كنا نراها في مخيمات اللاجئين وهي تحاول أن تصبح ضمادًا لجِراح النساء الإيزيديات. وأحيانا أخرى كنا نراها في البلدات الكردية التي تعرضت للقصف والدمار، مثل: بلدة سُور أو سِلُوبِي أو الجزيرة أو نصيبين.. نراها تحاول مساعدةَ الذين فقدوا أطفالهم أو دُمِّرت منازلهم.

وإذ كانت تقوم بكل هذه الأنشطة كانت بسيطة وطبيعية وكأنها خلقت من أجل هذه الأعمال.

في السابق كنت أعرف نورْجان من كتاباتها فقط. ولأول مرة سنحت لي فرصة الالتقاء بها في رحلة قمت بها إلى بلدة الجزيرة الكردية بجنوب-شرقي البلاد. 

فشاهدت الناس وهم يُلقون بأنفسهم في أحضانها بحب وحنان، وعاينتُ أمهاتٍ فَقَدْنَ أطفالهن يبكين وهن واضعات رؤوسهن على كتفي نورجان. فقد كانت صوتًا وأملاً لأبناء بلدها الذين بحَّتْ أصواتهم بالآلام.

كان جسمها نحيلا ولكن كان يكتنف ذلك الجسمَ قلبٌ ضخم يحمل عبئًا كبيرًا. فكانت تحاول، ولا زالت، في معظم الأحيان أن تحمل الأعباء بمفردها، ولا أشك أنها ستظل كذلك في كل دقيقة من دقائق حياتها.

وبعد لقائنا في الجزيرة لم ينقطع التواصل بيننا، بل أصبحتْ صديقتي وأختي بل وضميري.

لم أر في حياتي إنسانا مثلها يستصغر ما ينجز، ولا تكتفي به بل تظل تحاسب نفسها وتنقُد ذاتها باستمرار.

ولم أر أحدًا أكثر استحقاقًا منها لنيل الجائزة العالمية لـ"فرونت لاين ديفندرز" وهي الجائزة الأكثر احتراماً في العالم بعد جائزة نوبل للسلام. وبالفعل، تم منح هذه الجائزة لنورجان في العام الماضي.

وقد ثبت بالفعل أنها تستحق هذه الجائزة بسبب كفاحها من أجل السلام؛ حيث إن الغالبية الكبرى من الناس في تركيا اختاروا السكوت على ما يجري من الانتهاكات وكأن بينهم إجماعًا سكوتيًّا على تقبُّل ما يحدُث.. ولكن ذلك لم يُثْنِ عزيمتها ولم يوقفها عن مواصلة السير في طريقها.

فقد سبق أنْ داهمتْ شرطةُ مكافحة الإرهاب دارها وكَسرت بابَ منزلها لتحتجزها لأنها طالبت بالسلام. 

ولم تمض فترة طويلة على هذه الحادثة حتى عاودت الشرطة مداهمتها مرة ثانية واحتجزتْها قبل العيد بيوم واحد.

وبعد إطلاق سراحها كانت أولُ رسالة نشرتْها عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي أيضًا متعلقة بالظلم الذي يعاني منه الآخرون، مما أدى بممثلة منظمة العفو الدولية في إنجلترا كارلا مكلارين أن تكتب: "أنا منبهرة بهذه الشجاعة والقوة التي تتمتع بها نورجان؛ فحتى بعد الاعتقال تستمر في الكفاح من أجل حقوق الإنسان".

ومن المفارقات العجيبة أنه لم يمضِ أسبوع على إعلان المسؤولين الأتراك عن إستراتيجية الإصلاح القضائي الجديدة، والتي كان شعارها: "حرية التعبير هي ضمان الديمقراطية"، حتى وصلتْني رسالة قصيرة من نورجان تقول فيها: "أختي الكبيرة نسرين، غالبُ الظن، أنني سأُحتَجز". 

ومما يبعث فينا التسلية أن الأمر انتهى هذه المرة أيضًا بإطلاق سراحها قُبيل العيد.

ويقول الكاتب والصحفي المخضرم آيدين أنكين: "إن نورجان العاشقة لديار بكر، والمدافِعةَ الدؤوبة عن البلاد الكردية، لهي -بالتعبير الشائع - في مقدمة - بل في مقدمة مقدمة - الناشطين في مجال حقوق الإنسان".

إن نورجان صديقتي.. نعم إنني فخورة بأن أقول: "إنها صديقتي".

كيف لا أفتخر بها وهي المدافِعة عن حقوق الإنسان والتي أهدت إلى بلادنا شرف الحصول على الجائزة العالمية لعام 2018 من "فرونت لاين ديفندرز". علما بأن الذين يحصلون على هذه الجائزة يُعتَبَرون وسيلةَ فخرٍ لبلادهم، ويتم استقبالهم كضيف شرف في الاجتماعات والمؤتمرات التي تُعقد حول السلام وحقوق الإنسان والقوانين العالمية. 

وقد تم احتجاز نورجان من منزلها في ديار بكر من طرف قوات مكافحة الإرهاب، ووُضعت في زنزانة، ووضعت عليها الحراسة إلى أن حضر المدعي العام المناوب.

ولما وصل المدعي استجوبها بخصوص تحقيق كان يتم إجراؤه بسبب حضورها في نشاط لـ "مؤتمر المجتمع الديمقراطي" في عام 2012. مع العلم بأن "مؤتمر المجتمع الديمقراطي"، منظمة قانونية معترف بها رسميا، ولا تزال تواصل أنشطتها، وهي معتمَدة لدى البرلمان التركي بصفتها منصة للمجتمع المدني.

وقد انكشف أثناء استجواب الصحفية نورجان بايْسال بأن الشرطة كانت تتابع جميع مكالمات نورجان الهاتفية ومراسلاتها عبر البريد الألكتروني منذ عام 2010 بموجب قرار قضائي، وأن أسئلة المدعي العام أيضًا قد استندت إلى هذه الرسائل الإلكترونية والمكالمات الهاتفية.

وفي نهاية المطاف تم إطلاق سراحها هذه المرة أيضًا إلى أن يتم استدعاؤها -لا سمح الله- بذريعة أخرى.

وكان من المفترض أن يتم استدعاؤها حتى تأتي هي بنفسها إلى الشرطة كعادتها في المرات السابقة. ولكن قضاء حكومة حزب العدالة والتنمية قرر أن يجلب هذه الصحفية "المتَّهَمَة الخطيرة" قُبيل العيد من خلال اعتقالها من قبل الشرطة.

 وأعود لأكرر القول بأنني فخورة بكوني صديقًة لواحدة مثلها، ونداؤها لي بـ"أختي الكبيرة". 

وكم كنت أتمنى لو نستطيع أن ندافع عنها ونحميها.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews-com.cdn.ampproject.org/c/s/ahvalnews.com/tr/guncel/bir-hak-savunucusu-nurcan-baysal?amp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.