أزمة اللغة عند أردوغان، "المنطقة الآمنة" والإبادة الجماعية لهتلر

 

تركيا (الأردوغانية) لا تتعرض لعزلة عالمية من الناحية السياسية فقط، وإنما تتعرض لعزلة شبيهة في اللغة التي تستخدمها أيضًا. ذلك لأن الكلمات والمفاهيم التي تستخدمها السلطة السياسية في تركيا غير مفهومة بالمرة في دول العالم، سواء كانت في خانة "الأعداء" أو "الأصدقاء"، مع أن دلالات هذه الكلمات والمفاهيم واضحة وضوح الشمس في كبد السماء عند غير الأتراك.
على سبيل المثال، تعتبر السلطة السياسية في تركيا دولاً معينة "صديقة" و"حليفة"، لكنها في الوقت ذاته تتبنى تجاه تلك الدول خطابًا يوجِّه لها جملة من الاتهامات، بدءًا من "اتخاذ مواقف مناهضة لتركيا"، مرورًا بـ"تدبير مؤامرات ضدها"، وانتهاءً بـ"السعي للنيل من سيادتها". وذلك على الرغم من أن أي دولة تحمل هذه الصفات يطلق عليها في كل العالم العدو لا الصديق. لذا فإن ما تقصده تركيا من عبارتي الصديق والحليف غير واضح وغير مفهوم أبدًا. وفي المقابل تقول "الدول الصديقة والحليفة لتركيا" بأن "الدولة التي تعارضنا بهذا الشكل، وتنظر إلينا بهذه الطريقة، لا يمكن أن نراها دولة صديقة وحليفة لنا."
هذا الخلط والالتباس في المفاهيم ودلالاتها يظهر بصفة خاصة في التعامل مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الناتو. حيث إن محاولات تركيا للتقرب من روسيا لا يتم النظر إليها "في الغرب" باعتبارها "علاقات ودية"، بل يراها الغربيون ابتزازًا ولعبًا على الحبلين وتحوّلاً من محور إلى آخر. وهذا بسبب أن الدول الغربية "الصديقة" لتركيا تلاحظ أن المسؤولين الأتراك لا ينظرون إليها كدول صديقة. (يبدو أن الغربيين لا يدْرون بعدُ العقيدة المترسخة لدى الأتراك: التركي ليس له صديق غير التركي!).
وعندما تقول تركيا، وهي ضمن الدول الموقعة على اتفاقية الأمم لقانون البحار: "حقوقنا المشروعة المحدَّدة وفقًا للقانون الدولي"، لا يتبين عن أي قانون وشرعية تتحدث عنهما في الواقع. كذلك مفهوم "الإرهاب" والتطبيقات القائمة عليه يمثل مشكلة بحد ذاتها في علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي. حيث إن دلالة هذه الكلمة في العالم الغربي مختلفة تمامًا عما في تركيا.
لذا فإن إلصاق وصف "الإرهاب" في تركيا بالمؤلفين والكتاب أو الباحثين عن حقوقهم المهدورة أو المنتمين إلى أي جماعة أو مجموعة مثير للدهشة في الغرب. وبناء على ذلك فإن دول الاتحاد الأوروبي عندما تسمع من تركيا مقولة "نقوم بمكافحة الإرهاب" فإنها تنظر إليها بريبة كبيرة، وتساورها شبهات حول "إقدام الحكومة التركية على التخلص من غير المحبوبين أو المرغوبين فيهم".
وعندما تقول تركيا "دولة قبرص الشمالية التركية" تتغاضى عن أن هذه الكلمة تحمل معنى في اللغة التركية فقط، في حين ليس لها أي معنى في لغات العالم الأخرى. كما أن تركيا تستخدم كلمة "الإدارة" عند حديثها عن الجزء الجنوبي اليوناني، بينما جميع العالم يصفه بـ"الدولة"، مما يكشف أنها تعاني من عزلة لغوية في هذا الشأن أيضًا.
إن ارتباط مفاهيم مثل السلام وعملية السلام العسكرية والمنطقة الآمنة والأمن، بالحرب والترهيب والتهديد والثقة في نفس الوقت يخلق المصطلحات التي خرجت من جعبة الروائي الشهير "جورج أورويل". وكذلك مفهوم "المنطقة الآمنة" المقامة من جانب واحد يعيد للأذهان مفهوم "ليبونراوم" (سياسات الإبادة الجماعية التي انتهجها أدولف هتلر).
والأمر نفسه ينطبق على مفاهيم من قبيل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وقرينة البراءة والقضاء المستقل وأمثالها، حيث ينظر إليها بشكل مختلف في "الغرب" أيضًا. ولذلك عندما تقوم السلطات التركية بإضفاء هذه الصفات على الممارسات الموجودة في تركيا، ترتبك عقول الناس الذين هم على دراية باحتلال تركيا مراتب متأخرة في التقييمات الدولية بهذا المضمار. بل يفكر هؤلاء الناس أن تركيا تعيش في كوكب آخر غير كوكبنا.
وكذلك عندما يقال باللغة التركية: "سنقوم بتنفيذ عملية السلام في المنطقة الفلانية من أجل الدفاع عن حقوقنا المشروعة في إطار القانون الدولي، وتأمين الأمن والسلام والاستقرار وترسيخ الديمقراطية"، فإن الذين يعيشون في تلك المنطقة يهبّون للنزوح والهروب منها في قلق كبير؛ إذ إنهم يسمعون ويشاهدون أمورًا مختلفة للغاية عمّا يقال.
والذين يسمعون جملة "تعالوا نعمل معًا لتحقيق الفائدة للجميع" باللغة التركية، يخطر على بالهم فورًا مفهوم "السلام العثماني" ذي الأراضي الشاسعة.
مثلما أن الذين يسمعون عبارة: "نمدّ إليهم يد الود والعون" يبادرون على الفور إلى إخفاء أيديهم في جيوبهم. وعندما تدعو تركيا "إلى بلد السلام والأمن والاطمئنان" لا يستجيب لها أحد.
وحينما تتحدث تركيا عن "صفر مشاكل مع الجيران"، يفهمه "الذين يعيشون خارج تركيا" على أنه صراع مستمر مع دول العالم.
وذلك لأن معنى الخطاب الوطني باللغة التركية ودلالة الكلمات المستخدمة تختلف في الساحة الدولية. وللأسف هذه اللغة السياسية تهزّ الثقة في السياسة الخارجية التركية.
لا شك أن الحوار يتم عن طريق اللغة. وعندما تكون معاني الكلمات غامضة ومتناقضة على هذا النحو، فإن الذين يتحدثون مع السلطات التركية يشعرون بريبة بالغة ويصبحون متوترين للغاية. فلا يستطيعون أن يستوعبوا ما يسمعونه من مخاطبيهم الأتراك أهو عتاب أم تهديد، اقتراح ودي أم إنذار نهائي، جهل أم تبجح. ولا يتمكنون من أن يتوقعوا مسار مستقبلهم هل سيكون مستقبلاً عامرًا بالأمن والسلام والاطمئنان أم مليئًا بالقمع والحرب.
حسنًا، إذا كان الوضع في تركيا كما وصفنا، فكيف تتصرف دول العالم إزاء هذا الواقع يا ترى؟
إنها تقرّر عدم التسرع والانتظار حتى تعود تركيا إلى مسارها الصحيح وتدخل مجددًا دائرة المعنى والمعقولية. فهذه الدول تفكّر أن تركيا دولة ديمقراطية في نهاية المطاف، وأن موعد الانتخابات سيأتي لا محالة، وأن السلطة الحاكمة سترحل يومًا لتأتي سلطة أخرى تتبنى فكرة مختلفة عن سابقتها.
والحقيقة أن هذه النظرة السطحية تكشف أن الذين ينظرون إلى تركيا من الخارج لم يفهموا معنى كلمة "الديمقراطية" في تركيا كما ينبغي. والأنكى أن هؤلاء لا يعلمون أنهم فشلوا في إدراك الوضع التركي على حقيقته.
ومن المثير للدهشة أن هذا الخطاب الوطني الرسمي لا يبدو غريبًا ومتناقضًا وخارجًا عن دائرة المعنى والمعقولية بعد تبنّيه وتمثّله في الداخل التركي. فضلاً عن ذلك فإنه تترسخ في المجتمع بمرور الوقت عقيدةُ "العالم كله على خطأ، بينما نحن على الحق والصواب". والنتيجة الطبيعية لهذا هي هجر العالم برمته، والاضطرار إلى العزلة، ورفض أي حل وتفاهم.
هذا بلا ريب يحدث دوامة كبيرة.. فالشخص الذي لا يثق في الآخر ينغلق على ذاته، ويقوم بإقصاء الآخر وشيطنته. وإذا احتجّ الآخر على هذا فإن ذلك الشخص يعيد إنتاج شعور: "كنت محقًّا في عدم الثقة به".
إذن كيف يمكن التغلب على هذه الدوامة أو الحلقة المفرغة؟
دواء هذا الداء، وفقًا للرأي الرسمي، هو أن يصبح الشعب التركي "لكمة واحدة" تجاه الأعداء، بينما يؤكد كل العالم أن الحل يكمن في إنهاء تلك الملاكمة.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/resmi-turkce-anlasilmiyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.