أزمة الليرة، الأسوأ لم يدخل في خبر كان، بل القادم أشد وطأة

 

لقد بدأ الدولار يجلب الأنظار من جديد بسبب ارتفاع سعر صرفه إلى ما فوق 6.20 ليرة تركية قبل عدّة أيام، جراء إلغاء الانتخابات في إسطنبول، وضبابية الأوضاع في السياسة الخارجية التركية.
ومن أهمّ أسباب هبوط سعر الليرة استخدام البنك المركزي التركي البنوكَ المملوكة كغطاء وأداة للتدخل في سعر الدولار، من خلال دفعها إلى بيع العملات الأجنبية، على الرغم من تناقص الاحتياطات.
وقد صرفت تلك البنوك ما يبلغ 4.5 مليار دولار وفقا لبعض المصادر، كما أن المستثمر المحلي راهن على زيادة سعر الدولار بدلا من الاهتمام بالليرة (علما بأن نسبة الدَّوْلرة في ودائع الادخار بلغت 54%) مما جذب اهتمام المستثمرين بالانخفاض الحاد في العملة.
وهذا ما جعل الجماهير على نطاق واسع يهتمون –إلى جانب الجهات الفاعلة في السوق- بسعر صرف الدولار كمؤشر مهم على الاقتصاد.
ومع ذلك يمكن القول: إن التغيرات في سعر صرف الدولار وحدها لن تكون مؤشرًا كافيًا في الكشف عن المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد التركي في الوقت الراهن.
نعم، إن ارتفاع سعر الدولار مؤشرٌ مهم على أزمة السوق، ولكن لا يمكن القول بأنه يكفي بمفرده أن يعكس الوضع الراهن في تركيا؛ لأن تركيا تواجه أزمة في الليرة أيضًا، باعتبارها سببًا إضافيًّا أو نتيجة لتحركات أسعار الصرف. فالبنك المركزي يتخذ تدابير للحد من تزايد الطلب على النقد الأجنبي، في حين أن انعدام الثقة في الاقتصاد يؤدي إلى الانكماش، وكلا الأمرين يتسببان في أزمة السيولة في الدولار والليرة في آن واحد.
وقد يكون السبب في عدم انتباه الرأي العام إلى هذه الظاهرة انهماكه في ملابسات الأجواء الانتخابية، ولكن من المحتمل بقوة أن ترتفع الأصوات في المستقبل القريب حول الهزات الناتجة عن أزمة السيولة التي صدمت أوساط القطاع العام وعالم الأعمال، لأنه على الرغم من أن أسعار صرف العملات الأجنبية أقل ارتفاعًا مما كانت عليه أثناء الصدمة التي حدثت في شهر أغسطس العام الماضي، إلا أن حجم انكماش الليرة في السوق أكثرُ حدةً من الأزمة في تلك الفترة. وهذا يجعلنا نفكر في أن التأثير السلبي لمشكلة الليرة على الاقتصاد أشدّ تأثيرًا من مشاكل أسعار صرف العملة الأجنبية.
وللتعرف على مدى كبر حجم مشكلة الليرة دعُونا نلق نظرة على بعض الأرقام الاقتصادية:
لقد انخفض حجم الأموال المتداولة في الأسواق ومقدارُ ودائع الليرة المحتفَظ بها في البنوك بمقدار 4 مليارات ليرة لينخفض إلى 300.1 مليار ليرة. علما بأن المقدار كان في نفس التاريخ من العام الماضي 302.8، وكان في 17 أغسطس 2018، أي في تلك الأيام الحالكة التي قفز سعر الدولار فيها إلى 7.2، حوالي ٣٧٠ مليار ليرة. وهذا يعني أن مبلغ/حجم الأموال التي يتاح إنفاقها في أي وقت في البلاد قد انخفض في هذا العام بنسبة 1.5%، مقارنة بنفس الأسبوع من العام الماضي، وانخفض بنسبة 19% مقارنة بـ 17 أغسطس أي التاريخ الذي حدثت به صدمة في العملات الأجنبية.
وإذا أخذنا بالاعتبار كون معدل التضخم السنوي 19.5%، وأن معدل التضخم من نهاية شهر أغسطس إلى الآن قد بلغ 11.5 في المئة، فسوف يتبين لنا أن حجم الانكماش الحقيقي في النقد هو 21.3 و32.7 على التوالي. وهذا يعني أن القوة الشرائية للنقد في الأسواق قد ذابت من شهر أغسطس إلى الآن بمقدار الثلث، وذلك يُعتبر تطورًا مُنْهِكًا جدًّا لاقتصادٍ يَستهدف تحقيق نمواً بنسبة 5% على المدى المتوسط.
إنّ تطوير أنظمة الدفع ونظام الائتمان هو بالطبع بديل مهم عن استخدام النقد/الليرة. كما أنه يمكن التعرف على مدى الانكماش في السيولة من خلال النظر إلى بيانات هذه المجالات البديلة. ولذلك فإن البيانات التي تم الحصول عليها من هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية (BDDK) يمكن أن تقدم لنا أدلة واضحة على مدى انكماش السيولة في الأسواق التركية. حيث إن إجمالي القروض التي منحتها المصارف التركية في 3 مايو 2019 قد بلغ 1.49 مليار ليرة، في حين أن هذا الرقم كان في نفس اليوم من العام الماضي 1.48 مليار ليرة، وفي 17 أغسطس 1.52 مليار ليرة.
وفي حين أن الزيادة السنوية في إجمالي القروض كانت بنسبة 0.9%، فقد تقلصت هذه النسبة بعد أزمة 17 أغسطس إلى 1.6%. وإذا أخذنا نسبة التضخم أيضا بعين الاعتبار فسنلاحظ أن الانخفاض الحقيقي في القروض هو 18.6% و13.2% على التوالي. وبالطبع، يمكن أن يكون المبلغ الذي تم إنفاقه في الأسواق عبر الائتمان البنكي أو بطاقات الائتمان مؤشرًا على مدى الانكماش النقدي في الأسواق، فإن المدفوعات التي تتم عبر البطاقات البنكية لهي عاكسة طبيعية لِمدى سرعةِ دورة المال في الأسواق، ويمكن أن تُعتبَر وسيلة لحساب وفرة السيولة المالية.
وعليه فإن النفقات التي تمت بواسطة بطاقات الائتمان والبطاقات البنكية قد زادت بنسبة 9.7% من أبريل العام الماضي حتى أبريل العام الحالي، في حين أنها قد تقلصت منذ شهر أغسطس بنسبة 19%. وإذا أضفنا نسبة التضخم إلى هذا الرقم فسوف نرى أنه حتى النفقاتُ التي تمت عبر بطاقات الائتمان قد تقلصت في المستوى الحقيقي بشكل ملحوظ، وذلك مؤشر على مدى ما تعاني منه الليرة التركية من التقلص في الأنشطة الاقتصادية اليومية.
من ناحية أخرى، أدى الانكماش في السيولة إلى ارتفاع أسعار الفائدة في الليرة ليقترب من المستويات الصادمة التي عاشها الاقتصاد في شهر أغسطس العام الماضي، وتَجاوَز معدلُ فائدة سندات الخزينة التي مدتها سنتان نسبةَ 25%، بينما تجاوزت معدلات القروض البنكية 35%. بل إن سعر الفائدة للبنك المركزي وصل في الأسبوع الماضي إلى 25.5%، مما يعني أنه تجاوز أرقام أيام الأزمة.
وخلاصة القول: يمكن القول إن تركيا -كما قال وزير الخزانة بيرات البيرق- أخذت التدابير اللازمة بالنسبة لأسعار صرف العملات التي تراها أهم المشاكل التي يعاني منها اقتصادها، إلا أنه، ونتيجةً للآثار المدمرة لهذه التدابير، ارتفعت أسعار الفائدة في الليرة.. والأسوأ من ذلك، عانت من أزمة السيولة على مستوى العملة المحلية.
وبالنسبة لعواقب أزمة الليرة الحالية نقول:
بالطبع لا تزال تركيا تستخدم الليرة، وبالتالي فإن تأثير الليرة على الاقتصاد أكثر من العملة الأجنبية، إلا أنَّ تدخُّل البنك المركزي وأخْذَه التدابير من خلال سلسلة عملياتِ صرفٍ خفية أو تضييق في السيولة ربما يبدو وكأنه يحدّ من ارتفاع سعر الدولار، إلا أنه -ونتيجة لذلك- فإن تأثيرات ضيق السيولة على أسعار الأصول والحراك الاقتصادي بالذات لن تكون أقل سلبية من ارتفاع سعر الدولار.
وبالتالي فإن الاقتصاد التركي يتحول من أزمة ارتفاع سعر العملة الأجنبية نحو أزمة انكماش السيولة، وهذا تطوُّر يعزز فكرةَ أن الأسوأ لم يدخل في خبر كان، بل أن القادم أسوأ.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/herkesin-gozu-dolarda-ama-asil-kriz-tlde