أزمة تركيا الاقتصادية ليست مؤامرة خارجية

يبدو أن من يعتقدون في تركيا أن القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، تحاول تقويض نمو بلادهم الاقتصادي لم يفهموا حقيقة التحول الكبير الذي شهده الاقتصاد العالمي في العقدين الأخيرين.

وكثيراً ما يُحمّل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوى خارجية مسؤولية السقطات الاقتصادية التي تشهدها البلاد. وفي أحدث خُطَبه المطولة، قال أردوغان إن من يعتقدون أن مشاكل تركيا الاقتصادية نابعة من الداخل غير واعين بالمؤامرات التي تُحاك لبلدهم.

لكن بالنظر إلى الشركات الكبرى في الاقتصادات المتقدمة حول العالم منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم، يتبين لنا أن تلك الدول بحاجة إلى نمو دول مثل تركيا لكي تحقق الرخاء والازدهار لنفسها.

في السبعينيات، كان من بين الشركات العشر الأكبر في الولايات المتحدة كلٌ من جنرال موتورز وجنرال إلكتريك وفورد وكرايسلر وآي.تي.تي، بالإضافة إلى شركات الطاقة العملاقة مثل إكسون موبيل وتكساكو وغلف أويل. واليوم، يُنظر إلى تلك الشركات على أنها هي التي استفادت من "الاقتصاد القديم".

وإذا ألقينا نظرة على أكبر عشر شركات في العالم من حيث رأس المال السوقي في عام 2018، سنجد أن شركات التكنولوجيا العملاقة هي المهيمنة على القائمة.

أكبر عشر شركات في العالم - ستاتيستا
أكبر عشر شركات في العالم - ستاتيستا

وتحتل إكسون موبيل حالياً المرتبة العاشرة، وتسبقها أبل وأمازون وألفابيت، الشركة الأم لغوغل، ومايكروسوفت وغيرهم. وتضم بيركشاير هاثاواي القابضة، التابعة لوارن بافت، تحت مظلتها عشرات الشركات في قطاعات التكنولوجية والتأمين والصناعات الغذائية. في المقابل، هناك شركتا الاستثمار والخدمات المالية تينسنت القابضة، التي تتخذ من الصين مقراً، وجيه.بي مورغان تشيس.

وتؤثر التغييرات التي طرأت على تكوين الشركات الأكبر في العالم على السياسية الخارجية الأميركية أيضاً، لكون زبائن الفائزين الجدد أشخاصاً وليسوا دولاً، على عكس العمالقة القدامى. واليوم، لم تعد واشنطن تنظر إلى دول الشرق الأوسط، وبالتأكيد تركيا، كزبائن في حد ذاتهم، ولكن كدول للزبائن من مواطنيها. لكن من لا يفهمون هذا التحول المهم يرددون مضمون تحليل حول الإمبريالية يتبنى تفسيراً للاقتصاد القديم.

والشركات من أمثال أبل وأمازون بحاجة إلى أسواق يتمتع من يعيشون فيها بالثراء الكافي لشراء كل جديد يُطرح في السوق من هواتف محمولة وأجهزة لابتوب وبرامج إلكترونية. ومن ثم، فإن السياسة الخارجية الأميركية تسعى إلى ترسيخ مبدأ سيادة القانون وحقوق الملكية في الدول النامية نظراً لأهمية هذا للتنمية الاقتصادية وأسواق المستهلكين.

وأعلن معهد الإحصاء التركي انكماش الاقتصاد التركي بنسبة 2.6 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2019، بينما نما 1.3 في المئة في الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس مقارنة مع الربع الأخير من العام الماضي. وشدّت بيانات النمو انتباه الجميع، نظراً لأن الاقتصاد في حالة ركود من الناحية الفنية بعد تسجيل نمو سلبي على أساس فصلي لربعين على التوالي في عام 2018.

لكن بيانات أخرى مهمة نُشرت أيضاً في نفس الأسبوع، وهي بيانات مسح أكبر 500 شركة صناعية في عام 2018 التي تعدها غرفة إسطنبول للصناعة. وعلى الرغم من أهمية البيانات لفهم حقيقة ما إذا كان الاقتصاد التركي سيتمكن من التعافي من ركوده بسرعه، فإن      تكوين قائمتها للشركات الأكبر مهم لفهم حقيقة ما إذا كانت البلاد تلاحق ركب الدول النامية، أم أنها لديها الفرصة للحاق بالركب.

أكبر الشركات التركية في عام 2018
أكبر الشركات التركية في عام 2018

وإذا قارنّا قائمة 2018 بما كانت عليه قائمة الشركات الأكبر في تركيا قبل 15 عاماً، فسنجد أن الشركات العشر الأكبر ما زالت إلى حد كبير كما كانت دون تغيير. الأهم من ذلك أن تركيا ليس لديها أي شركة من بين الشركات العشر الأكبر تعمل في قطاع التكنولوجيا الجديدة. فجميع الشركات المهمة في تركيا قادمة من حقبة الاقتصاد القديم.

وتوضح الصورة أنه حتى إذا حلت تركيا مشاكلها وبدأت تحقق نمواً من جديد، فإنها ستَبقى سوقاً لشركات التكنولوجيا المتقدمة، نظراً لأنها لا تستطيع التأقلم مع اقتصاد المعرفة.

ولا يمكن أن تكون أي مخططات أجنبية أو مؤامرات خارجية مبرراً للفشل التركي. ومن الواضح أن اللحاق بركب الدول المتقدمة اليوم يلزمه تعليم جيد وبيئة تشجع على الابتكار.

وبالنظر إلى نظام التعليم في تركيا، وعقلية من يحكمون البلاد، يتضح أن قدَر تركيا هو أن تظل قابعة في الاقتصاد القديم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-recession/turkeys-economic-crisis-not-foreign-plot
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.