أزمة تركيا: الموتى لا يدفعون الضرائب

تضطر تركيا، مثل الدول النامية الأخرى، إلى اتخاذ قرارات صعبة لأنها تنظر في مقايضات السياسة لتعويض تأثير جائحة كورونا.

اختارت الحكومة في أنقرة إعطاء الأولوية للاقتصاد بدلاً من الصحة العامة. ينتشر المرض بسرعة وليس من المؤكد إلى متى يمكن للحكومة أن تستمر في هذه السياسة. وإذا زاد عدد الوفيات عن التوقعات، فإن إعطاء الأولوية للاقتصاد لن يكون غير إنساني فحسب، بل سيكون له نتائج عكسية من الناحية المالية.

وهناك ثلاث جوانب للأزمة التي تواجهها تركيا: اجتماعية واقتصادية ومتعلقة بالصحة العامة. وفي ظل الموارد المالية المحدودة والبطالة المرتفعة والعديد من العمال المعرضين للتسريح من وظائفهم، اختارت تركيا وضع الاقتصاد في مقدمة الاهتمامات المجتمعية والصحية.

وفيما يتعلق بالصحة العامة، امتنعت الحكومة عن اتخاذ خطوات من شأنها أن تساعد في انكماش النشاط الاقتصادي، وخاصة في مجالي التصنيع والتصدير. وقد فرضت حظر التجول اليومي الذي لا يشمل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و65. وقد قيدت التنقل بين المدن وليس داخل المدن.

ومن أجل معالجة الأزمة الاجتماعية، أطلقت الحكومة حزمة مساعدات من خارج الميزانية لا توفر حافزًا ماليًا كافيًا للعمال للبقاء في منازلهم.

يتم تنفيذ التدابير التي لا تؤثر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي بشكل صارم للغاية. يمنع حظر التجول المطلق كبار السن والأطفال من الخروج من منازلهم حتى للتسوق أو الرياضة. أما حظر التجوال العام الذي فُرض في نهاية هذا الأسبوع والأسبوع الذي يسبقه يمنع التسوق. ونتيجة لذلك، اندفع الأتراك لشراء إمداداتهم الأساسية في وقت متأخر يوم الجمعة عندما تم الإعلان عن فرض حظر التجول فجأة قبل ساعتين من دخوله حيز التنفيذ.

وعلى الرغم من أن الفيروس قد أثر على تركيا في وقت متأخر بشكل نسبي، إلا أن الحكومة فشلت في أخذ دروس من دول أخرى من خلال اعتماد إطار سياسة شامل للتعامل مع الوباء. تنتشر العدوى بسرعة ويزداد عدد الوفيات. وإذا استمرت الزيادة الحالية في الوفيات والإصابات، فسوف ينهار النظام الصحي في آخر المطاف، وسيتعين على تركيا عكس القرارات التي اتخذتها في وقت متأخر.

وإزاء هذه الخلفية، تحاول الحكومة معالجة الجانب الاقتصادي للأزمة من خلال اتخاذ تدابير مصممة للحفاظ على عجلة الاقتصاد، مثل تأجيل مدفوعات الضرائب، وتقديم مخططات العمالة قصيرة الأجل، وتمديد فترة القروض الرخيصة على أمل أنها عاجلاً أم آجلاً ستجمع الإيرادات المتأخرة.

ومع ذلك، وبالنظر إلى مخاطر الصحة العامة، يجد العديد من الاقتصاديين أن هذا النهج قصير النظر ويؤدي إلى نتائج عكسية. ويؤكد الخبير المالي، أوزان بينغول، يجب على الحكومة أن تعلن في النهاية عفوًا ضريبيًا.

ويأتي الطموح السياسي للرئيس رجب طيب أردوغان وصهره، وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق سبباً رئيسياً وراء سياسات تركيا غير الحكيمة. تذكرنا هذه الصورة بما يسمى بمشكلة الوكيل الرئيسي للأنظمة الاستبدادية. حيث يصور أردوغان أزمة فيروس كورونا على أنها فرصة لبلاده، في حين يرى الجمهور أن التفشي هو مأساة بحد ذاته. ويجادل أردوغان بأن النظام العالمي الذي يمكّن القوى الغربية من استغلال بقية العالم لن يكون مستدامًا بعد الأزمة وبالتالي ستظهر تركيا أقوى.

وفي هذا الصدد، انضمت تركيا أيضًا إلى سباق القوة الناعمة مع روسيا والصين لإرسال الإمدادات الطبية وغيرها من المساعدات إلى العديد من الدول المتضررة. وعرض أردوغان موقفه السياسي الخاص من خلال وضع علامة على طرود المساعدة تحمل الشعار الرئاسي. كما تم استخدام هذه المساعدة في حملات العلاقات العامة الحكومية لإقناع الناس بأن تركيا في وضع أفضل من الاقتصادات الأكثر تقدمًا.

وقد لعب تضارب المصالح أيضًا دورًا في قرارات سياسة أردوغان، ولا سيما وأن الشركات المقربة منه التي قامت ببناء وتشغيل مشاريع البنية التحتية الكبيرة تتمتع بالفعل بضمانات الخزانة الشاملة. وستثبت حزمة إنقاذ تركيا المحدودة البالغة 100 مليار ليرة (15 مليار دولار)، إذا أمكن الحفاظ عليها، أنها مثالية لهذه الشركات لأنها ستبقي عجز الميزانية عند مستويات يمكن التحكم فيها وستمنع انقطاع ضمانات الدولة التي توفر لها مزايا مالية على المنافسة..

وفي مكافحة الوباء، امتنع أردوغان عن تعبئة الموارد العامة بسخاء كما فعل خلال فترات الانتخابات، التي كان يعتبرها فترات حياة أو موت وكان يقوم بتعزيز سياسة الإنفاق الاجتماعي بكل الأشكال الرسمية وغير الرسمية. لكن الآن، وفي مواجهة أزمة حياة أو موت حقيقية، ترسل الحكومة زجاجات كولونيا الليمون والأقنعة إلى كبار السن، مصحوبة برسالة رئاسية شخصية.

قد يحسب أردوغان أن هناك الكثير من الوقت حتى يصل إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، المقرر إجراؤها في عام 2023. إن ثلاث سنوات هي بالفعل فترة طويلة في تركيا لأن الأجندة السياسية تتغير بسرعة ويعتمد أردوغان على قدرته على تبديل التروس عند الحاجة لذلك.

وقبل تفشي المرض، كانت تركيا تعاني بالفعل من أزمة اجتماعية ناتجة عن ارتفاع معدلات البطالة. وحتى يناير، كان هناك 5.3 مليون شخص عاطل عن العمل وحوالي مليون شخص كانوا مستعدين للعمل، لكنهم فقدوا الأمل في العثور على وظيفة. ارتفع عدد العاطلين عن العمل الذين لم يتمكنوا من العثور على عمل لمدة عام أو أكثر بنسبة 25 بالمئة سنويا إلى أكثر من 1.1 مليون شخص. إن الإجراءات الحكومية المجزأة ضد فيروس كورونا تدفع الآن الشركات إلى طرد المزيد من العمال.

وقد استجابت الحكومة بإصدار تشريع يحظر الاستغناء عن العمال لمدة ثلاثة أشهر ولكنه يسمح للشركات بوضع العمال في إجازة بدون أجر.

قد يزيد السخط العام مع ارتفاع معدلات البطالة وفقدان المزيد من الأرواح. كما أن الطفرة في ارتفاع معدلات البطالة ستكثف المنافسة على الوظائف. وقد يبدأ بعض الناس في الاعتقاد بأن المقربين من الحكومة هم فقط من يمكنهم العثور على عمل أو الحصول على إعانات اجتماعية. ربما تتوقع هذه الحالة، لا تفصح الحكومة عن شروط المساعدة المالية أو القروض المقدمة للشركات من أجل الحفاظ على مرونة السياسة.

ويبدو أن الحكومة تعتقد أنه إذا استمر الاقتصاد في التحرك، فإن الأموال الموجودة تحت تصرفها ستكون كافية لضمان بقاء تركيا المالي دون مساعدة خارجية. ولكن يبدو من الواضح الآن أن هذا الافتراض متفائل للغاية، بالنظر إلى ضعف الطلب على الصادرات وخطورة الأزمة الصحية.

وفي هذه المرحلة، سيكون الخيار العملي لتركيا هو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة. لكن طلب الأموال من الصندوق يتعارض مع محاولات الحكومة بيع صورة تركيا كدولة قوية مالياً قادرة على ممارسة نفوذ سياسي إقليمي وعالمي كبير.

لكن الوهم لن يدوم طويلاً. ولن يؤثر انتشار المرض في أماكن العمل على السكان في سن العمل فحسب، بل على كبار السن والأشخاص الذين يعانون من حالات مزمنة يعيش معها العمال. وبالرغم من ذلك، أظهرت الحكومة عدم مبالاة تجاه حياة السجناء السياسيين من خلال استبعادهم من العفو الشامل هذا الشهر. لكن الاحتمال الحقيقي لارتفاع معدلات الوفيات الناتجة عن انهيار النظام الصحي في البلاد لن يتم التسامح معه وقد يكون كارثيًا من الناحية السياسية.

وعاجلاً أم آجلاً، سيثور الناس ضد نهج الحكومة في التعامل مع فيروس كورونا. وستضطر الحكومة بعد ذلك إلى اتخاذ خطوات عكسية وستنظر في اتخاذ تدابير أكثر صرامة، من المحتمل أن تؤدي إلى توقف مفاجئ للاقتصاد.

وفي الختام، فإن محاولات تركيا لإبقاء المصانع مفتوحة، والاقتصاد يعمل على حساب الصحة العامة والمجتمع يخاطران بالمزيد من حالات الوفيات، وبالتالي أموال أقل. فالموتى لا يدفعون الضرائب.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkeys-dilemma-dead-men-dont-pay-taxes
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.