بايدن - فرصة تركيا الأخيرة للوصول إلى الديمقراطية

حان الوقت لقبول حقيقة لا يمكن إنكارها عن تركيا: يستحيل تشكيل ديمقراطية على النمط الغربي ودولة القانون في بلد، حيث أصبحت عبادة الدولة والعقلية الوحدانية راسخة الجذور. في هذا البلد، سيعتمد القضاء على الدولة دائما، مما يدفعها إلى تغطية جرائم هذه المؤسسة، ومما سيمهد الطريق لفساد القضاء. هكذا كان الحال دائما.

بدأت هذه العملية بفصل الإسلام عن العِلم ومنع تكوين طبقة تجارية مستقلة عن الدولة، إلى جانب زيادة السيطرة الدينية على أركانها. وتكثّفت من خلال جهود جمعية الاتحاد والترقي لجعل الأناضول أكثر تركية وإسلامية، بخطوات شملت الإبادة الجماعية للأرمن.

وكانت النتيجة النهائية واضحة: نرى دولة بعيدة كل البعد عن أي مفهوم لحقوق الإنسان، ومجتمع يؤمن بكل رواية عن تلك الدولة بينما يدين أي كيان تعلن الحكومة أنه عدو.

نحن نتحدث عن هيكل يحافظ على نفسه بجنون الريبة والمخاوف والدعوات الفارغة للمواجهة، ودولة تبرر نفسها من خلال اضطهاد الأطفال والنساء ومجتمع المثليين والضعفاء بمجتمع يهيمن عليه الرجال الذين يدعمهم الدين.

من غير الواقعي أن نتوقع أن تخرج ديمقراطية على النمط الغربي من هذا الواقع دون تحول واسع النطاق وعميق الجذور. حيث يخضع هذا المجتمع، بدينه وغضبه وأحزابه السياسية، لسيطرة الدولة. فلا أحد ملزم بالقانون، طالما أنه يردد روايات الدولة ويتصرف نيابة عنها.

ومع ذلك، تعيش تركيا حاليا حقبة بدائية غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فقد وصل الفساد وانعدام القانون، فضلا عن نهب موارد الدولة واتخاذ القرارات التعسفية، إلى نقطة يمكن أن تتجاوز فيها البلاد ما شهدته خلال حقبة الحزب الواحد ما قبل الديمقراطية بين عامي 1925 و1945. لا يدقق أحد النظر في ملايين اليوروهات المنقولة بالسيارات لمسؤولي الحزب الحاكم. لقد فَقدَ المجتمع ثقافة التعايش بينما أصبحت تركيا معزولة بشكل متزايد في العالم مع اقتراب اقتصادها من الانهيار.

وفي المرحلة الحالية، لا تقدم حالة المعارضة التركية الكثير من الأمل أيضا. وفي بلد يفتقر إلى النقابات والتنظيمات القوية، تظل هذه الأطراف البريق الوحيد للتوقعات بمستقبل أفضل.

ربما رضي حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، تحت قيادة كمال قليجدار أوغلو، بالمتدينين والمحافظين في تركيا، لكنه لم يتقدم أكثر من ذلك. ويظل قليجدار أوغلو محاطا بمسؤولين حزبيين معينين من الدولة. ويدير السياسة ضمن المعايير المقيدة التي تسمح بها الدولة، كأنه في ملعب للأطفال محاط بسياج. ويبتعد عن الأكراد ولا يمكنه حتى احتضان العلويين، الذين يشكلون العمود الفقري لحزب الشعب الجمهوري.

تمر تركيا بأكثر حالاتها خطورة خلال قرن من وجودها كجمهورية. وقد تستمر على هذا الطريق كنظام تركي مؤيد للإسلام دون نفط، مثل النموذج الإيراني، ممّا يهدد وجودها على المدى الطويل. أو يمكن أن تصبح دولة تنضم إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، مع نظام برلماني وقضاء فعال، يحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع الجيران.

يشير تاريخ تركيا الحديث وحالة المعارضة في البلاد إلى أن إنشاء مثل هذا النموذج الديمقراطي الضعيف قد يكون صعبا في ظل الديناميكيات الداخلية الحالية. ويكمن الأمل الوحيد في الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي جلب وجوده رياح الديمقراطية.

كما أشار محرر موقع "أحوال تركية" إلهان تانير في مقال حديث، يبدو أن "عقيدة بايدن" تتشكل في واشنطن. ويبدو بايدن على استعداد لمحاولة تعزيز الجبهة المؤيدة للديمقراطية من خلال حلف شمال الأطلسي ضد الصين التي يتزايد عداؤها، والعدو التقليدي للولايات المتحدة، روسيا. هذا هو أساس مذهبه. ومن المحتمل أن يكون هذا هو العنصر الرئيسي خلال أول مكالمة هاتفية من المتوقع إجراؤها بين بايدن والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في وقت لاحق من هذا الأسبوع.

يجب أن تفهم المعارضة التركية حقيقة أن هذه هي آخر فرصة للبلاد. وعلى عكس الصين، لا تملك تركيا، التي ستُعامل كمنبوذة في الناتو بعد تلقي نفس المعاملة من الاتحاد الأوروبي، الموارد الطبيعية اللازمة لعقد صفقة استثمار بقيمة 400 مليار دولار مع الصين. وإذا قطعت تركيا المدار الغربي، فستترك لرحمة روسيا بالكامل. وسيفهم أولئك الذين ينظرون إلى تصرفات روسيا في إدلب السورية خلال وقت لم يتصل فيه بايدن بأردوغان بعد، ما يعنيه هذا.

يجب على أحزاب المعارضة ألا تستسلم للعقلية المناهضة للغرب التي تسيطر على الدولة في الوقت الحالي، وأن تعمل على تشكيل نموذج ديمقراطي يسمح لمواطني الدولة ببعض الحرية حتى لو لم يكن كاملا.

تخوض تركيا حروبا بحكم الواقع في سوريا والعراق، حيث أصبح الأكراد وشرائح المجتمع الكبيرة الأخرى معادين لبعضهم البعض. ويظل اقتصادها في حالة من الفوضى، وتعاني من إدارة غير قادرة على إصلاحه.

إن البلاد تتجه نحو كارثة غير مسبوقة. وإذا فشلت المعارضة في المطالبة بالديمقراطية، وإن كانت تناضل من أجل مثل هذا النظام، فإنها ستعرض الدولة التي تحاول حمايتها للخطر.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-united-states/biden-turkeys-last-chance-any-kind-democracy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.