بايدن يجري أول اتصال بأردوغان بعد أشهر من التجاهل

واشنطن - أجرى الرئيس الأميركي جو بايدن اليوم الجمعة اتصالا هاتفيا بنظيره التركي رجب طيب أردوغان هو الأول له منذ توليه رئاسة الولايات المتحدة في 20 يناير الماضي في خضم توتر بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وبعد أشهر من التجاهل، ذكر البيت الأبيض في بيان مقتضب أن الرئيس بايدن أجرى مكالمة هاتفية مع أردوغان، وذلك في ظل التقارير حول أنه يستعد لتجاهل الاعتراضات التركية والاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن.

وقالت مصادر مطلعة لوكالة رويترز، إن بايدن أبلغ نظيره التركي خلال اتصال هاتفي بأنه يعتزم الاعتراف بأن مذابح وتهجيرا قسريا تعرض لها الأرمن في 1915 هي إبادة جماعية، لكن الرئاسة التركية قالت في بيان إن الزعيمان "اتفقا على الطبيعة الإستراتيجية للعلاقة الثنائية وأهمية العمل معا لإرساء تعاون أوسع في ملفات ذات اهتمام مشترك".

ويأتي هذا الاتصال في ذروة توترات مستمرة بين واشنطن وأنقرة طبعها الإعلان عن إقصاء تركيا رسميا من مشروع تطوير المقاتلة أف 35 الأميركية في عهد الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب، ردا على شراء أنقرة منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية اس 400.

ولا يبدو أن الرئيس الأميركي الحالي يعتزم إتباع سياسة أكثر ليونة من سلفه، حيث تؤكد كل المؤشرات حتى قبل توليه الرئاسة أنه يعتزم التصدي لما تعتبره دول غربية سلوكا تركيا عدوانيا.

ولم يشر البيت الأبيض إلى مسألة الاعتراف الأميركي المرتقب بإبادة الأرمن المثيرة للجدل، مكتفيا بالقول إن بايدن حثّ على "علاقة ثنائية بناءة مع مجالات تعاون موسعة وإدارة فعالة للخلافات". كما اتفق الزعيمان على اللقاء على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في يونيو.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد اشارت في وقت سابق الجمعة إلى "إعلان" مرتقب السبت بشأن "الإبادة الجماعية للأرمن"، فيما يبدو تأكيدا لاستعداد الرئيس جو بايدن للاعتراف بها.

وقالت مساعدة المتحدث باسم وزارة الخارجية جالينا بورتر للصحافيين "فيما يتعلق بالإبادة الجماعية للأرمن، يمكنكم ترقب إعلان غدا". وكانت واشنطن تمتنع عن الحديث عن الإبادة الجماعية حتى الآن. وترفض تركيا الحديث عن إبادة جماعية للأرمن، بينما تعترف بها أكثر من عشرين دولة والعديد من المؤرخين.

وفي السياق ذاته ذكرت وكالة الأناضول الحكومية نقلا عن مصادر دبلوماسية، أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أجرى بدوره الجمعة اتصالا هاتفيا مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن "لمتابعة القضايا التي ناقشها الرئيسان التركي والأميركي في وقت سابق".

وتشكل مسألة الاعتراف بأن مجازر الأرمن كانت إبادة جماعية بين 1925 و1927 مصدر توتر شديد بين تركيا والأسرة الدولية، في وقت سيكون فيه الرئيس الأميركي جو بايدن أول رئيس أميركي يقرّ رسميا بها على غرار ما قامت به حتى الآن عدة برلمانات.

وأقر الكونغرس الأميركي بـ"الإبادة الأرمنية" في ديسمبر 2019 في عملية تصويت رمزية، غير أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب رفضت استخدام كلمة "إبادة".

ويؤكد الأرمن أن مليون ونصف مليون أرمني قتلوا بشكل منهجي خلال الحرب العالمية الأولى في ظل الإمبراطورية العثمانية المتحالفة آنذاك مع ألمانيا والنمسا-المجر. وهم يحيون ذكرى الإبادة كل عام في 24 أبريل.

وإن كانت تركيا وريثة الإمبراطورية بعد تفككها عام 1920، تقر بوقوع مذابح، إلا أنها ترفض توصيفها بالإبادة، مشيرة إلى أن حربا أهلية في الأناضول تزامنت مع مجاعة، تسببت بمقتل ما بين 300 و500 ألف أرمني، فضلا عن عدد مساو من الأتراك.

واشتبهت السلطات العثمانية بعدم ولاء الأرمن للإمبراطورية منذ نشوء حركة قومية تطالب بحكم ذاتي للأرمن في نهاية القرن التاسع عشر.

وفي عهد السلطان عبدالحميد الثاني، دارت مواجهات دامية قتل فيها 100 إلى 300 ألف أرمني بين عامي 1895 و1896، بحسب مصادر أرمنية.

وفي أكتوبر 1914، دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا-المجر. وحين لحقت بها خسائر فادحة في المعارك التي جرت في المحافظات الأرمنية، ألقت باللوم على الأرمن، فاتهمتهم بالتعاون مع الروس ووصفتهم بـ"أعداء الداخل".

وفي 24 أبريل 1915، ألقت السلطات العثمانية القبض على آلاف الأرمن للاشتباه بامتلاكهم نزعة قومية معادية للحكومة المركزية. وفي 26 من الشهر ذاته أجاز قانون ترحيلهم "لدواعي الأمن الداخلي"، فيما سمح قانون آخر صدر في 13 سبتمبر بمصادرة أملاكهم.

ونُفي السكان الأرمن في الأناضول وكيليكيا قسرا إلى صحارى ما بين النهرين وقتل العديد منهم على الطريق أو في مخيمات، فمنهم من أحرق حيا ومنهم من قضى غرقا أو تسمما أو جراء إصابته بالتيفوئيد، وفق تقارير دبلوماسيين أجانب وعملاء استخبارات من تلك الحقبة.

وفي العام 2000 أكد 126 باحثا بينهم الحائز على جائزة نوبل للسلام إيلي فيزل في بيان نشر في صحيفة نيويورك تايمز أن "الإبادة الأرمنية إبان الحرب العالمية الأولى واقع تاريخي لا يمكن إنكاره".

وفي 20 أبريل 1965 كانت الأوروغواي أول بلد يعترف بإبادة الأرمن. وفي 2001 أقرت فرنسا قانونا يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن وأقيم يوم وطني لإحياء ذكرى الإبادة لأول مرة في 24 أبريل 2019، غير أن باريس لا تجرم إنكار الإبادة، خلافا لسويسرا وقبرص وسلوفاكيا.

وصوتت برلمانات حوالي ثلاثين دولة على قوانين أو قرارات أو مذكرات تعترف صراحة بالإبادة الأرمنية، هي ألمانيا والأرجنتين والنمسا وبلجيكا وبوليفيا والبرازيل وكندا وتشيلي وقبرص والولايات المتحدة وفرنسا واليونان وإيطاليا ولبنان وليتوانيا ولوكسمبورغ وباراغواء وهولندا وبولندا والبرتغال وروسيا وسلوفاكيا والسويد وسويسرا والأوروغواي والفاتيكان وفنزويلا.

وفي فبراير 2020، اعترف البرلمان السوري رسميا بالإبادة الأرمنية في ظل توتر شديد بين دمشق وأنقرة.

وقرارات الاعتراف بالإبادة لها أبعاد مختلفة باختلاف الدول ويتم التصويت عليها أحيانا في مجلس واحد من مجلسي البرلمان ويمكن للحكومات أن تنأى بنفسها عنها.

وأقر البرلمان الأوروبي لإبادة الأرمنية في 1987. ومن البلدان التي صوتت مؤخرا على قرار يعترف بالإبادة، هولندا عام 2018 والبرتغال عام 2019. كما أصدر مجلس النواب الألماني قرارا بهذا الصدد في 2016 وصفته المستشارة أنغيلا ميركل بأنه غير ملزم.

وفي 24 أبريل 2015، فيما كانت أرمينيا تحيي مئوية الإبادة، تحدث البابا فرنسيس عن "أول إبادة في القرن العشرين".