بأيّ وجه يحاجج أردوغان أوروبا بحقوق الإنسان

لندن – إلى أيّ حدّ يمكن للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يحاجج أوروبا بملف حقوق الإنسان، وهو الذي بات يعرف على نطاق واسع بأنّه لا يعير أيّ اهتمام للحريات العامة ولحقوق الإنسان في بلاده..

أثار رفع أردوغان شعارات حقوق الإنسان في مساومته لدول الاتّحاد الأوروبي التي يستخدم ورقة اللاجئين للضغط عليها وابتزازها، أسئلة عن ممارساته على أرض الواقع، حيث أصبح مناخ الرعب سائداً في تركيا تحت سلطته التي توصف بالاستبدادية من قبل معارضيه.

وفي هذا السياق نشرت صحيفة العرب اللندنية تقريراً أشارت فيه أنّ الرئيس التركي مرّ إلى السرعة القصوى لفرض المزيد من الضغوط على الدول الأوروبية عبر مقايضة سياسية اشترط فيها وجوب تقديم الدعم اللازم في مواجهة النظام السوري المدعوم روسيا بمحافظة إدلب شرق شمال سوريا.

وأعلن أردوغان الأربعاء أنه على الاتحاد الأوروبي دعم تحركات تركيا الهادفة إلى حل النزاع في سوريا إذا أراد وضع حد لأزمة الهجرة.

اللافت في تهديدات الرئيس التركي الجديدة أنه أخذ يناور بورقة يجمع الكثير من المتابعين على أنه ليس من حقه إشهارها في معاركه السياسية والعسكرية وهي تلك التي تتعلق بحقوق الإنسان.

وأشارت الصحيفة اللندنية أنّه في إطار حربه الكلامية الضاغطة على أوروبا، اتهم أردوغان في خطاب ألقاه بأنقرة الدول الأوروبية وبينها اليونان بـ”الدوس” على حقوق الإنسان عبر “ضرب وإغراق زوارق وحتى إطلاق النار” على المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا من تركيا بعدما فتحت أنقرة حدودها أمامهم.

ولئن اعتاد العالم وخاصة أوروبا على سياسة الرئيس التركي التي توظف منذ سنوات ورقة اللاجئين لفرض تصوّرات أنقرة على الدول الأوروبية، فإنه يوجد إجماع لدى جل المتابعين لعقدين من حكم أردوغان في تركيا بأنه هو آخر من يحق له التبجح بحقوق الإنسان خاصة أن أنقرة متورطة في السنوات الأخيرة في الكثير من الملفات الداخلية أو الخارجية الحبلى بانتهاكات حقوق الإنسان.

ويتساءل المراقبون عن مدى هذه الجرأة التي يتمتع بها أردوغان كي يحاجج أوروبا بملف حقوق الإنسان في الوقت الذي ساهم فيه نظامه في إغراق العديد من الدول بالمتشددين مثل سوريا وليبيا ودول عربية أخرى في فترة ما بعد 2011.

وداس الرئيس التركي في الأشهر الأخيرة على كل المواثيق الدولية والكونية الضامنة لحقوق الإنسان خاصة بتقديمه بصفة علنية دعما عسكريا وماليا وجنّد مرتزقة ومتشددين كانوا يقاتلون في سوريا لإسناد الميليشيات الداعمة لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج في العاصمة الليبية طرابلس.

وفتح أردوغان بهذه الخطوة الباب على مصراعيه أمام الميليشيات المسلحة في شمال سوريا بالانتقال نحو ليبيا مقابل أجر مادي، في خطوة تدل على خرق النظام التركي لاتفاقيات الأمم المتحدة.

وقد أدانت دول ومنظمات دولية كبرى تعنى بحقوق الإنسان هذه الانتهاكات التركية منذ أن تم الكشف عن إرسال أول ميليشيا للمرتزقة إلى ليبيا وهي لواء السلطان مراد التركماني، والتي فتحت أمام بقية الفصائل المسلحة الموالية لتركيا في شمال سوريا الباب للقتال في ليبيا.

الرئيس التركي يناور مع أوروبا بورقة حقوق الإنسان رغم إدراكه عدم أهليته لإشهار هذا السلاح وهو المتورّط في الانتهاكات

المثير أيضا في اتهام الرئيس التركي لبعض الدول الأوروبية بانتهاك حقوق الإنسان أن خطوته تأتي بعد يوم فقط على صدور قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي قضت بأن السلطات التركية اعتقلت بشكل ظالم أحد القضاة في عملية التطهير التي قامت بها بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 2016.

وكان القاضي هاكان باس واحدا من بين 2735 قاضيا تم وقفهم عن العمل للاشتباه في عضويتهم في منظمة مزعومة يديرها رجل الدين فتح الله غولن.

وقضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن المحاكم التركية تعاملت بشكل غير قانوني عندما اعتمدت على مجرد الشك في انتماء باس إلى منظمة محظورة كأسباب كافية لاعتقاله قبل المحاكمة.

وتم اعتقال عشرات الآلاف للاشتباه بارتباطهم بغولن الذي تشير أنقرة إلى أنه أمر بتنفيذ محاولة الانقلاب التي استهدفت الرئيس رجب طيب أردوغان. وينفي غولن أيّ صلة له بالمحاولة.

وقالت المحكمة الأوروبية في تعليقها على محاكمة الناشط عثمان كافالا في قضية غيزي “مع عدم توفر حقائق أو معلومات أو أدلة تظهر أن السيد كافالا تورط في نشاط إجرامي، فمن غير المعقول الاشتباه في أنه حاول الإطاحة بالحكومة باستخدام القوة أو العنف” مطالبة السلطات بالإفراج عنه.

وأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ملزمة قانونا، لكن تركيا لم تنفذها مرارا. وفي نوفمبر 2018 أمرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تركيا بإطلاق سراح صلاح الدين دميرطاش “في أسرع وقت ممكن”، معتبرةً أن توقيفه المطول يأتي في سياق “الهدف غير المعلن.. بخنق التعددية في تركيا”.

وانتقد حلفاء تركيا الأوروبيون وجماعات مدافعة عن حقوق الإنسان نطاق الحملة قائلين إن الرئيس رجب طيب أردوغان استغل محاولة الانقلاب الفاشلة كذريعة لسحق معارضيه.

ودافعت أنقرة عن الإجراءات باعتبارها ضرورية في مواجهة تهديدات أمنية تتعرض لها البلاد وتوعدت بالقضاء على شبكة غولن.

ويشكك منتقدو حكومة أردوغان في استقلالية المحاكم التركية، لاسيما منذ حملة القمع التي أعقبت الانقلاب الفاشل في عام 2016. ويقول أردوغان وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه إن أحكام القضاء مستقلة.