جنكيز أكتار
سبتمبر 14 2019

بعد الأكراد وأنصار غولن، الأتراك العلمانيون في خطر

وقفت هذه المرة أتابع صيحات الاستهجان والذهول إزاء الحكم الذي صدر ضد القيادية في حزب الشعب الجمهوري جنان كفتانجي أوغلو. أصابني الذهول مما يجري..
بدأت الأمور تتغير بعد انتخابات إسطنبول؛ إذ دأب الكثيرون من جبهة المعارضة وأصحاب الفكر يتحدثون عن أن النظام دخل في مرحلة السقوط، وأن المعارضة ستتولى السلطة، عاجلاً أو آجلاً، وأن الانتخابات المبكرة صارت على الأبواب.. 
لقد رسخ في أذهان الكثيرين أن شيئاً ما سيتغير خلال المرحلة المقبلة. وبالطبع لم يكن هؤلاء المتفائلون يريدون أن يصدقوا، بأي حال من الأحوال، بأن البلاء قد حلّ على رؤوسهم. كان الأمل يكمن وراء صيحات الاستنكار والاكتفاء بإطلاق عبارات استهجان من قبيل "هذا شيء لا يتقبله العقل" أو "شيء لا يُصدق". لذلك، كنا نسمع دائماً من يدعون إلى التعقل واللجوء إلى القانون في كافة الإجراءات الظالمة وانتهاك القانون والأخطاء وعدم المسؤولية وعدم مراعاة الضمير التي يقوم بها النظام الحاكم، والتي لم نرَ لها مثيلاً في أي مكان آخر.
وعلى نفس المنوال، جاء تعليق بعض الحقوقيين، بعد صدور قرار إدانة كفتانجي أوغلو، وكأنهم ينتظرون أن تتحقق معجزة العدالة هذه المرة.
وعلى الرغم من أن هيئة المحكمة في قضية كفتانجي أوغلو كانت هي نفس الهيئة التي أصدرت الحكم بإدانة سلجوق كوزآغاجلي وسرِّي ثريا أوندر وصلاح الدين دميرطاش، إلا أنهم كانوا يتشبثون بالأمل بأن يأتي القرار مختلفاً هذه المرة.
 

 

كانت هذه اللغة، التي هيمنت على تفكير هؤلاء باستمرار، والتي من المؤكد أنها تسير بنا إلى حافة الهاوية، ولا شك أننا إذا واصلنا السير على نفس المنوال فسوف نسقط بداخلها لا محالة. كانت هذه هي اللغة التي تتجاهل باستمرار حقيقة ما يدور حولنا في الوقت الحاضر. لم نجد حلاً آخر سوى اللجوء إلى استخدام هذه اللغة المغلفة بهذا التفاؤل الغريب، كلما اصطدمنا برد فعل عنيف ظالم من جانب النظام. ومع ذلك، فلو أننا نظرنا إلى الوراء قليلاً، وبالتحديد عام 2013، لرأينا ربما عشرات الآلاف من المخاوف التي تعد جميعها إيذاناً بنهاية دولة القانون.. ولكن هذا أيضا كان بعيداً عن تفكير هؤلاء.. 
علاوة على ذلك، لم يقتصر الأمر على الآمال والأمنيات فحسب، بل راحوا يبحثون عن حلم عودة الأمور لنصابها الصحيح، فيما يتعلق بالأنشطة اليومية في حياة المواطن والمجتمع، وفي مجال السياسة. لقد أفرطوا في التفاؤل كما لو أن النظام قد تغير، أو أنه لم يتغير ولكن في يوم من الأيام سوف يسير، مرة أخرى، في الاتجاه "الصحيح"، ثم إذ بنا بقرار إدانة جنان كفتانجي أوغلو الذي كان بمثابة ضربة قاسية لهذه الآمال.
كشف قرار إدانة جنان كفتانجي أوغلو الستار للمرة الأولى أمام الأتراك العلمانيين؛ ليعرفوا حقيقة النظام الحاكم، خاصة بعد سياسته تجاه الأكراد والإجراءات التي اتخذها ضد أنصار فتح الله غولن. وبالتالي كان من الطبيعي أن يصيبهم الإحباط وأن يشعروا بالإحباط الشديد..
لقد أدرك هؤلاء حينها أن الدور قد حان عليهم، وأن الدائرة ستدور عليهم أيضاً، بعد أن كانوا بعيدين عما يدور في الدولة، على الرغم من أن بعضهم كانوا ممن تعرضوا لعقاب الدولة من أكاديميي السلام، الذين تعرضوا للظلم أيضاً من جانب الدولة، وممن شملتهم مراسيم القرارات التي استصدرتها الحكومة في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة.
لم تكترث النخب القديمة منهم بالاضطهاد الذي عانى منه الأكراد وغيرهم من الفئات المظلومة. وقد نقلت انتخابات إسطنبول، وما تلاها من مواجهات، ردود الأفعال  تجاه النظام إلى مرحلة أخرى، وحدث ما حدث.  وفي رأيي، إن قرار إدانة كفتانجي أوغلو كان تهديداً صريحاً من جانب حكومة العدالة والتنمية لكل من يبدي تعاطفه مع القضية الكردية أو يدافع عن حقوق الأكراد. وأعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها حكومة أردوغان بسجن أحد زعماء حزب الشعب الجمهوري الكبار. ولا شك أنهم كانوا يتحينون الفرصة للقيام بذلك.
وعلى الرغم من كل هذا، فلا تزال تساورني الشكوك في أن يكون هؤلاء قد أدركوا الحقيقة بكافة جوانبها؛ لأن الأغلبية الساحقة منهم لا تزال غير قادرة على إقامة علاقة بين ما حدث للضحايا الآخرين، وما حدث للسياسيين الأكراد، وما يحدث اليوم لزعماء حزب الشعب الجمهوري على الرغم من أن النظام هو نفسه في كل هذه الحالات، وأن انتهاك الحقوق والقانون واغتصاب إرادة الشعب كانت واحدة كذلك.
لا يزال البعض يقضون يومهم في أحاديث سخيفة لا طائل من ورائها؛ من قبيل: إن الكيل قد طفح، وإنه لو جاء الدور على إسطنبول، وتم تعيين وصي عليها من قبل الحكومة، فلن يستطيع أحد أن يكبح جماح الشعب. لم يدرك هؤلاء أن  بيان وزير الداخلية سليمان صويلو، الذي ألقاه  يوم الأحد الماضي، عن عدم وجود نية لدى الحكومة لتعيين أوصياء على البلديات في أنقرة وإسطنبول، كان محاولة تكتيكية منه لجذب انتباه الشعب، بعيداً عما حدث لكفتانجي أوغلو.
لقد تكرر هذا السيناريو قديماً عندما أعلن المنسق التركي السابق في البرلمان الأوروبي كاتي بيري أنه إذا مسّ أحد إسطنبول فسوف تسوء العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.
بادئ ذي بدء، لماذا لم يتحدث أحد عن تدهور علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي إذا مسّ أحد ديار بكر أو ماردين أو فان؟ ألم تكن هناك انتخابات وقتها لتتجلّى إرادة الشعب؟ الأمر الآخر: هل كان من الصعب علينا، إلى هذا الحد، أن ندرك أن هذا الرشق المتواصل من قبل الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا لم يكن له معنى آخر سوى التهكم على الحال الذي آل إليه وضع الأتراك؟ العامل الثالث الذي يحدد علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي هو ألا تتعرض عضوية حلف الناتو، أو المعاملات المالية للخطر أو أن تتوقف تركيا عن أداء دورها في السيطرة على تدفق اللاجئين لأوروبا. وهم لا يلقون بالاً بأي شيء آخر عدا هذه الأمور الثلاثة..
عندما نتحدث عن ردّ فعل الشعب المتوقع، فالحقيقة أن كلا من الشعب والإدارة في حزب الشعب الجمهوري ليس لديهما الفطرة الطبيعية والإرادة القوية للقيام بهذا؛ فكان حزب الشعب الجمهوري يكتفي دائماً بالصراخ والنواح، ولم يخاطر يوماً بالتصعيد أو الدعوة إلى النزول إلى الشوارع؛ لأن لديه، هو الآخر، حسابات خاصة من قبيل أن حزب العدالة والتنمية، عاجلاً أو آجلاً، سينهار، وأنه هو الحزب المرشح لتولي السلطة خلفاً له.
دعونا نذكر أيضاً أن كل الذين حضروا محاكمة كفتانجي أوغلو لم يتجاوزا 5000 شخص، ولو أراد الحزب لتكدس عشرات الآلاف هناك، ولكن لماذا يقومون بهذا، وهم يعدون الأيام على الطريق إلى السلطة، معتبرين أن التزامهم الصمت، وعدم تقديم أي مقترحات سياسية بديلة في أية مشكلة سيقربهم من هدفهم.
أما الشعب، فيقول "لا يمكننا الصمت إزاء ذلك"، ولكنه ما يلبث أن يلوذ بالصمت مرة أخرى.
وبالنسبة إلى النظام الحاكم، فهناك شيئان أود الحديث بشأنهما؛ أولهما، أن حكومة العدالة والتنمية لم تتحمل بروز نجم صلاح الدين دميرطاش، وتفوقه السياسي والأخلاقي، خاصة عندما قال مخاطباً أردوغان "لن نجعلك رئيساً". وبالمثل لن تتسامح مع اجتراء الثنائي كفتاجي أوغلو وإمام أوغلو، وتحديهم الصريح لأردوغان في انتخابات إسطنبول، وبالتالي فعقوباتهما جاهزة أيضاً.. 
لا شك أن النظام والرئيس يعيشان حالة من الاضطراب خلال هذه المرحلة، وعلى الرغم من أن اختفائهما من الساحة لن يكون غدًا، إلا أنّه يجب علينا أن ننتظر سياسة أكثر تشدداً من جانب أردوغان وحكومته خلال الفترة المقبلة، وليس اللين كما يظن البعض.
هل يُعقل أن يلجأ النظام الذي ارتكب آلاف الجرائم لاتباع نهج آخر غير أن يزيد من ظلمه وبطشه إذا شعر أنه معرض للغرق؟!
في رأيي، إن الفترة المقبلة سوف تشهد تزايداً مضطرداً في القرارات المشابهة لقرار حبس كفتانجي أوغلو إلى أن يتم الإطاحة بالرئيس، وسيكون الفشل في إدارة الاقتصاد، وفي المغامرات غير المحسوبة لأردوغان مع القوى الأجنبية هو السبب الحقيقي لسقوط أردوغان، وليست المعارضة، دعونا نكون واقعيين...
 

-    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/baski/sira-artik-laik-turklerde
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.