أغسطس 23 2019

بعد "خيانة" أردوغان، السوريون يرفضون الهوية واللغة التركية

بيروت / حلب (سوريا) – بينما قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بعد لقائه نظيره اللبناني جبران باسيل اليوم الجمعة في وزارة الخارجية في بيروت، إنّ عودة النازحين السوريين تتطلب تعاون المجتمع الدولي كما تتطلب إعطائهم الثقة وتبديد خوفهم، خرجت مظاهرات ووقفات احتجاجية عدّة في ريف إدلب وريف حلب الشمالي تنديداً بالسياسة التركية في المنطقة بعد سقوط العديد من المناطق في ريفي حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي بيد قوات النظام السوري.
ووفقاً لما أورده اليوم المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد رفع المحتجون لافتات في منطقة سجو بريف اعزاز شمال حلب جاء فيها "ضمانة انتصارنا رحيلكم عنا، ونرفض الهوية التركية وتسجيل السيارات واللغة التركية، وإذا نهض الشعب تنتهي اللعبة، وللتذكير يا أردوغان حلب سقطت بمساعدة تركيا، وسقطت خان شيخون وسقط الضامن معها".
وفي منطقة أرمناز بريف إدلب ردد المتظاهرون بعبارة "اسمع يا بشار اسمع يا بوتين اسمع يا أردوغان الشعب السوري ما ينخان".

وأعلنت القيادة العامة للجيش السوري استمرار تقدم قواتها في ريف ادلب الجنوبي لدحر مسلحي المعارضة. وقالت قيادة الجيش السوري في بيان لها اليوم الجمعة "ما زال التقدم مستمرا بوتائر عالية أفقدت التنظيمات الإرهابية المسلحة القدرة على وقف أبطال جيشنا المُصممين على تطهير كامل الجغرافيا السورية من رجس الإرهاب ورعاته".

كانت "أحوال تركية" قد نشرت يوليو الماضي تحقيقاً بعنوان "ما تقوم به حكومة أردوغان شمال سوريا أخطر من سرقة لواء اسكندرون"، حذّرت فيه من أنّ تركيا، ورغم إظهارها العلني عدم رغبتها في البقاء بالأراضي السورية، إلا أنّها أنهت بالفعل نسبة كبيرة من مخططات التتريك التي بدأت بها فور انطلاق عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، حيث عملت سريعا على إدخال مؤسساتها الخدمية وموظفيها لمُدن الشمال السوري التي سيطرت عليها قوات سورية موالية لها، كاشفة بذلك عن وجه استعماري قديم مُتجدّد يشمل كذلك الاستيلاء على منازل السوريين وتغيير أسماء بعض الشوارع بأخرى تركية وفرض التعامل بالليرة التركية.
واليوم فإنّ عدد الرموز والأعلام التركية وحالات التغيير الديموغرافي وطمس الهوية الثقافية التي تشاهد في المدن السورية المحتلة من قبل تركيا، قد لا يوجد لها مثيل على الأراضي التركية نفسها. وهو ما يكرس واقع الانفصال الذي تريد تركيا فرضه مع مرور الوقت، حيث لا تزال تجربة السوريين في فقدان لواء إسكندرون لصالح تركيا ماثلة في الأذهان، علماً أنّ ما تقوم به تركيا الآن من انتهاكات وجرائم شمال سوريا هو أخطر وأشمل بكثير مما جرى سابقاً أثناء سلخ لواء اسكندرون.
وإنّ ما تقوم به تركيا في الشمال السوري من جرائم وانتهاكات بحق الهوية السورية بحاجة إلى المزيد من التوثيق وتقديم الوثائق إلى الجهات الدولية المعنية، ومقاومتها بكافة السبل.
واليوم فإنّ الزائر لمُدن جرابلس، إعزاز، الباب، وعفرين في شمال سوريا في ظل السيطرة التركية، من المؤكد أنّه بات بحاجة لمترجم تركي– عربي عند تحويل النقود أو زيارة المشفى أو الدخول إلى المدارس، وما تسمى المجالس المحلية التي أمست مخافر مدنية وأوكاراً استخباراتية للدولة التركية على الأراضي السورية.
كما من الممكن أن تعتقد وللوهلة الأولى بأنك في تركيا وليس في مدن سورية قاومت العثمانيين في زمنٍ ما وهويتها الثقافية والاجتماعية والسياسية متميزة عمّا هو سائد في إزمير وميرسين حيث معقل الشوفينية التركية.
والتأكيد على أنك سوري في تلك المناطق قد يُعتبر إقحاماً وقحاً وغير منطقياً للهوية السورية، وذلك بعد ثلاثة أعوام فقط من تدنيس الجنود الأتراك للأراضي السورية.
وعلى سبيل المثال، تقدم مؤسسة البريد والبرق التركية (PTT) خدماتها في المناطق السورية، للموظفين الأتراك والمواطنين السوريين معًا في المنطقة، حيث تلبي المؤسسة احتياجات الصيرفة والخدمات اللوجستية والشحن، وتقدم بالليرة التركية رواتب المدرسين والموظفين العاملين في وقف "المعارف" التركي بالمنطقة، والجنود الأتراك، فضلا عن رواتب الشرطة المحلية.
وتُعتبر بوابة التعليم الخطة الأخطر في عملية التتريك الجديدة نظرا لفرض اللغة والتاريخ التركيين على الطلبة السوريين بكل ما يحمله ذلك من عملية تزوير للعديد من الحقائق والوقائع التاريخية والثقافية والعلمية على حدّ سواء من وجهة نظر تركية عثمانية بحتة.
ويُشرف مُدرسّون أتراك على تنسيق أعمال توزيع الكتب التركية على المدارس في مدن “عفرين” و”جرابلس″ و”الباب” و”أعزاز″ و”جوبان بي” و”أخترين” و”مارع″.
كما قامت تركيا بتغيير أسماء المدن كتغيير اسم مدينة الراعي في شمال حلب إلى "جوبان باي" واسم جبل عقيل المعروف إلى "بولانت البيرق"، ناهيك عن تغيير أسماء العشرات من القرى في مناطق الباب وعفرين وإعزاز، وكذلك أسماء الساحات والشوارع والحدائق، ففي عفرين أُطلق تسمية "رجب أردوغان" على ساحة "السراي" وأسماء تركية أخرى على بعض القرى الكردية.
وفي إعزاز كانت تسمية "الأمة العثمانية" لحديقة عامة عمرها نحو 100 عام مع علم تركي كبير وكتابات باللغة التركية أكثر صدمة بالنسبة للسوريين.
وبدأت مؤخراً بوادر إنشاء جامعات تركية للسوريين نحو تعميق أكثر لعمليات التتريك، وكشفت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية، أنّ جامعة غازي عنتاب جنوب شرقي تركيا، تعمل بوتيرة مُتسارعة من أجل افتتاح كليات تابعة لها في منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون".
وكانت جامعة حران التركية، قد أعلنت العام الماضي عن افتتاح فرع لها في منطقة الباب السورية لخدمة الطلاب في البلدات الواقعة تحت السيطرة التركية.
وأزالت الاستخبارات التركية أبراج الاتصالات السورية واستبدلتها بالتركية، وفرضت التعامل بالعملة التركية بدلاً عن العملة السورية، كما شكلت هياكل محلية عسكرية واستخباراتية تتخذ من "العمل المدني" كواجهة لها وربطتها بشكل مباشر مع الولايات التركية القريبة كولاية هاتاي– إسكندرون التي عادة ما تفرض على تلك الهياكل والمجالس المحلية إيداع ميزانيتها في البنوك التركي، وكذلك أرشفة أوراقها الرسمية لدى الولاية التركية.
ويقوم ضابط تركي رفيع المستوى على رعاية وتوجيه السياسات والاجراءات التركية في الأراضي السورية، فهو يسكن في مدينة عفرين وسط حراسة مشددة، ويقوم بعقد الاجتماعات الدورية مع الفصائل المسلحة، والشرطة، والمؤسسات الخدمية ومدراء المدارس ومخاتير القرى، حيث عادة ما يقوم ذاك الضابط بنقل تعليمات الاستخبارات التركية إلى تلك الجهات.
كما يوجد على الأراضي السورية انطلاقاً من جرابلس وصولاً إلى عفرين نحو 700 نقطة عسكرية واستخباراتية – أمنية تركية، وتتولى تلك النقاط تنظيم العمليات الاستخباراتية وتوجيهها في باقي الأراضي السورية، وتقوم بتجنيد بعض السوريين والمُتشدّين العرب والأجانب لصالحها وإرسالهم لتنفيذ العمليات الإرهابية.