بعد نحو 100 عام، هل تُعيد تركيا مأساة الأرمن؟

 

غوريس (أرمينيا)  - مع تصاعد حدّة القتال، الذي اندلع قبل أسبوع، بين قوات أذربيجان وقوات من الأرمن على مدى اليومين الماضيين وامتد إلى خارج الإقليم المنشق، يبدو أنّ مأساة جديدة تنتظر الأرمن بعد 105 سنوات على المذابح التي قامت بها ضدّهم الدولة العثمانية، إذ بدأت قوافل الأرمن المهجرين من المناطق الحدودية بالتوجّه صوب العاصمة الأرمينية ومدن أخرى.
وقالت أرمينيا أمس السبت إنها ستتبع "كل السبل الضرورية" لحماية أبناء عرق الأرمن من هجمات أذربيجان وشبّه رئيس وزراء أرمينيا الصراع بالحرب ضد الدولة العثمانية في القرن العشرين.
وأقرت أرمينيا بأن المقاتلين الأرمن يرزحون تحت الضغط في بعض المناطق وقالت إن الوضع على الأرض متقلب.
"هل أنت ذاهب إلى يريفان؟"
هكذا يستوقف عشرات الأشخاص المنهكين بنظرات قلقة السيارات العابرة في غوريس على الحدود بين ناغورني قره باغ وجنوب شرق أرمينيا، بحثا عمن يخرجهم من الإقليم الانفصالي الذي يشهد معارك.
إنهم أوائل نازحي الحرب الذين يفرون حاملين حقائبهم من الجيب الأرمني الانفصالي هربا من القصف العنيف والمعارك الضارية بين القوات الأذربيجانية والانفصاليين الأرمن.
ومنذ استئناف الأعمال القتالية قبل سبعة أيام في هذه المنطقة القوقازية التي تسعى أذربيجان إلى استعادتها، وصلت عائلات بأكملها للمرة الأولى في مجموعات إلى غوريس، مع اشتداد القتال في ذات اليوم بشكل واضح على غالبية الجبهة.
وفي وسط الجيب الجبلي الواقع في هضبة شاسعة على ارتفاع أكثر من 2300 متر فوق مستوى سطح البحر ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر طرق ووديان ضيقة ومتعرجة، دوت صفارات الإنذار في شوارع ستيباناكرت، كبرى مدن الإقليم التي تحلق فوقها بانتظام طائرات مسيرة أذربيجانية وتتعرض لقصف بالمدفعية الثقيلة.
وسلك العديد من سكان المدينة التي يقطنها 55 ألف نسمة، طريق المنفى المؤقت نحو غوريس، وهي غالبًا المحطة الأولى نحو العاصمة الأرمينية يريفان التي تبعد 350 كم إلى الشمال الغربي.
وتقلهم سيارات وشاحنات عائدة من الجبهة إلى مدخل غوريس، أمام فندق كئيب مكعب على الطراز السوفياتي، يبعد خطوات قليلة من محطة وقود مضاءة بالنيون يتلقفون فيها آخر أخبار القتال.
هناك ينتظر النازحون البائسون عبور سيارة أو لقاء أحد معارفهم أو صدفة تسمح لهم بالذهاب إلى يريفان والتمتع اخيرا بالأمان.
وتنتظر النساء، ويبدو على بعضهن الإعياء، جالسات على الحقائب، بينما يتذمر الأطفال أمامهن على الرصيف. ويبحث الرجال عن فرص للسفر بين السيارات العابرة وسيارات الأجرة الحقيقية والمزيفة، والحافلات العامة البنفسجية النادرة التي توفرها السلطات.
لا وقت للعمل
"كم عددكم؟ هل تريدون أن نقلكم؟ " تسأل آني ( 31 عام) التي وصلت ظهرا من يريفان على متن سيارتها الخضراء من طراز كليو. وتقول هذه السيدة أنها أتت "للمساعدة" مبدية "تأثرها" للأحداث الأخيرة، وهي تركت مع خطيبها وصديق آخر كل أشغالها وأوقفت عملها كصحافية للمجيء إلى هنا، على أبواب ناغورني قره باغ.
وأوضحت "لم يعد لدي التجرد اللازم للقيام بعملي، قلت لهم + انسوني! +. هناك مئات النازحين يصلون من ستيباناكرت حيث القصف عنيف اليوم، يجب أن نساعدهم بطريقة أو بأخرى".
وأضافت آني "إنها مبادرة شخصية، شكل من أشكال التعبئة الشعبية. نحن نساعد بلادنا بقدر ما نستطيع" لافتة إلى "التضامن الكامل للشعب الأرميني في مواجهة عدوان (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان وأذربيجان".
وفي يريفان، سيتولى الأقارب رعاية هؤلاء النازحين، وستستضيفهم الفنادق أو المدارس مجانًا. وسيحصلون على الطعام والملابس والنقود وحتى على ألعاب للأطفال التي تم جمعها بفضل حملات تبرع كثيرة جرت في العاصمة حيث تنتظر الأعلام الوطنية وبجانبها علم ناغورنا قره باغ الشبيه الذي لا يتميز عن العلم الأرميني إلا بخط أبيض متدرج على شكل حرف "في".
وأوضحت آني أن "البلد كله في الخطوط الأمامية اليوم. لطالما كان الأمر كذلك في اللحظات الصعبة من تاريخنا".
ولا توجد طوابير طويلة من النازحين الحاملين امتعتهم هنا على الممرات الجبلية، بل يتم الترحيل بانتظام وعبر الطريق، مع نية العودة قريبًا. لا يزال التدفق محدودًا لكن مواكب السيارات وحركة المرور إلى يريفان التي ازدادت كثافتها عن المعتاد تشي بهذا النزوح الضئيل.
وتشير الشاحنات العسكرية وسيارات الإسعاف العديدة بوميض أضوائها الزرقاء وصفارات الإنذار التي تطلقها أحيانا، سالكة الطريق في الاتجاهين، إلى سبب هذه الحركة، وهي الحرب الجديدة الجارية عند قمة هذا السهل الشاسع وسط الجبال السوداء.
ونددت تركيا بما وصفته بهجوم أرمينيا على مدينة كنجة الأذربيجانية اليوم الأحد وأكدت مجددا دعمها لحق أذربيجان في الدفاع عن نفسها داخل حدودها المعترف بها دوليا.
ونفت أرمينيا بالمقابل تصويب نيران "من أي نوع" باتجاه أذربيجان لكن زعيم إقليم ناجورنو قرة باغ، وهو جيب يقطنه ويديره الأرمن داخل أذربيجان، قال إن قواته دمرت قاعدة جوية عسكرية في كنجه. وينطوي الصراع على خطر نشوب حرب شاملة بين أذربيجان وأرمينيا، الجمهوريتين السوفيتين السابقتين، مما قد يجر قوى أخرى. وتدعم تركيا أذربيجان وأبرمت أرمينيا معاهدة دفاع مع روسيا.