جتين غورر
سبتمبر 21 2019

بعد تبرئتهم، لماذا حُوكم أكاديميُّو السلام؟

 

كانت الأشهر الأولى من عام 2016. ويومها كان دوامي في جامعة "نيشان طاشي" حيث أعمل قد انتهى، وبينما أنا ذاهب إلى المنزل ببطء رنَّ هاتفي. كنت جائعا. الاتصال كان من قبل قسم الموارد البشرية بالجامعة؛ "أستاذي هل أنت في الجامعة؟" أجبت إجابة قصيرة: "لقد خرجت للتو، لست بعيدًا جدًا". "أستاذي هل لك أن تعود إذا أمكن ذلك؟ "كان صوت الموظف حزينًا. "أستاذي! لقد أنهت إدارة الجامعة عقد عملك، وبالتالي تم فصلك من العمل. يجب عليك إخلاء الغرفة واستلام القرار والتوقيع عليه."
بسبب هذه الوظيفة، كنت غادرت أنقرة إلى إسطنبول منذ خمسة أشهر، وبينما لم تكن هناك أية خطة لي في إسطنبول أصبحت عاطلاً عن العمل. عدت إلى الجامعة بخطوات سريعة، واستلمت القرار دون توقيع عليه. غادرت قائلًا إنني سأخلي غرفتي بالكلية في اليوم التالي. تم طرد جميع الأكاديميين العاملين في الجامعة الذين وقعوا على إعلان السلام. وفي تصريح أدلى به إلى صحيفة "يني شفق" "لونت أويصال"، صاحب الجامعة الذي وقع على هذا القرار، قال: "تركيا في حاجة إلى أكاديميين يساهمون في تحقيق رؤيتها لعام 2023". بالطبع، إننا كأكاديميين لا ندعم سياسات الحرب التي يمارسها حزب العدالة والتنمية، لم نكن نتبع تلك الرؤية. جيد أننا لم نكن نتبعها.
بعد قرار 9/8 الصادر مؤخرًا عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، كان السؤال حول ما إذا كانت المحاكم المحلية سوف تمتثل لهذا القرار أم لا؟ واعتبارًا من شهر سبتمبر بدأت عملية تبرئة أكاديميي السلام من قضايا "الدعاية لصالح منظمة حزب العمال الكردستاني" المرفوعة ضدهم. وحتى الآن، تمت تبرئة 170 أكاديميًا. أنا كذلك أُضيف اسمي إلى قائمة البراءات الأسبوع الماضي.
كانت الدولة، بدءًا من مؤسساتها القضائية إلى مؤسساتها السياسية، تحاول من ناحية خلق جرائم تُلصقها بالأكاديميين الذين يطالبون بالسلام، ومن ناحية أخرى تعاقبهم بينما ليست هناك أية أدلة ملموسة على الجريمة التي كانت تحاول اختلاقها. كانت لوائح الاتهام المعدة بطريقة النسخ واللصق توضع أمام الأكاديميين كوثيقة عارٍ ليست إلا ادعاءات أكثر من كونها حقائق.
فعلوا كل ما بوسعهم وعجزوا عن العثور على أي دليل للجريمة التي كانوا يبحثون عنها. لم يكن من الممكن العثور عليها أيضًا، لأنه لم يكن هناك عمل يمكن اعتباره إجراميًا بالأساس. كل ما حدث ظاهر وواضح تمامًا. نص للتوقيع حجمه صفحة ونصف، والأكاديميون الذين وقعوا أسفله.
منذ بداية مرحلة التحقيق الأمني شوهدت محاولات لربط نص التوقيع بحزب العمال الكردستاني بشكل أساسي. لم يكن هناك أي اسم في البداية. ثم فجأة دخل في لائحة الاتهام اسم المسؤولة التنفيذية في حزب العمال الكردستاني "بيسه خوزات"، أو "خوليا اوران" كما تُعرف. يُزعم أنها أصدرت تعليمات، وأن الأكاديميين اتبعوا هذه التعليمات؛ فبدأت حملة لجمع التوقيعات. ألا يتساءل المرء لماذا "بيسه خوزات" فقط أدلت ببيان في ظل ظروف "الحرب الأهلية" التي دمرت فيها المدن الكردية، وظلت جثث الناس ملقاة في الشوارع لعدة أيام دون تفريق بين النساء والأطفال؟ ولم يأتِ أي تصريح من مسؤولي حزب العمال الكردستاني الآخرين؟ وإن كان صدر تصريح منهم؛ فلماذا استمع هؤلاء الأكاديميون إلى "بيسه خوزات" فحسب، ولم يستمعوا إلى تصريحات المسؤولين التنفيذيين الآخرين في حزب العمال الكردستاني؟
في ذلك الوقت، لم يكن هناك شخص ولا مؤسسة تقريبًا إلا وأصدرت بيانًا أو صرخت أو طلبت المساعدة. البلديات ونقابات المحامين ومنظمات المجتمع المدني... صرخ الجميع بقدر ما أوتوا من قوة، وأجروا اتصالات لوقف عمليات القتل، والحيلولة دون وقوع مزيد من الخسائر في الأرواح، ومنع تدمير المدن.
ودون أي تغيير واصل قضاة ومُدَّعو حزب العدالة والتنمية العموميين الطريقة التي استخدمها في السابق القضاة والمدَّعون العموميون التابعون لفتح الله غولن، ولا سيما الأسلوب الذي استخدم في العمليات التي تم تنفيذها تحت اسم عمليات اتحاد المجتمعات الكردستاني: تم تجريم الإجراءات والأنشطة السياسية والقانونية للشعب ووضعت أمامهم كجريمة. على سبيل المثال، أُدرجت الأنشطة الحزبية السياسية والقانونية والشرعية للسياسيين الأكراد ضمن لوائح اتهام على أنها ذات صلة بمنظمة حزب العمال الكردستاني، وأنشطة مبنية على تعليمات منها، فأُمطروا بالعقوبات.
كان هذا هو الشيء نفسه الذي أُريد فعله بالأكاديميين. أرادوا تصوير رد فعل ديمقراطي على أنه "على صلة بالمنظمة"، "بتوجيهات من المنظمة"، وحاولوا خلق جريمة ومجرم من ذلك.
لقد جربنا مرة أخرى مثالًا واحدًا فريدًا من نوعه لاستخدام أكثر الحقوق الدستورية الأساسية والعادية والديمقراطية دون حظره في المجال القانوني وتقديمه كجريمة للمجتمع، وإلغاء ممارسته من خلال الضغط والتخويف، وإخراجه من كونه حقًا ثابتًا.
هذه واحدة من السمات الأساسية للأنظمة الاستبدادية في عصرنا. ما نشهده هو "حالة من الحرب الأهلية" تهدف إلى القضاء على شريحة معينة من المجتمع، والتي يُعتبر تكاملها واندماجها مع النظام احتمالًا ضعيفًا. الأكاديميون الذين لم يدعموا حرب البقاء التي بدأها حزب العدالة والتنمية وأردوغان ليظل رئيسًا، والذين يدافعون عن حق الأكراد في الحياة، تحولوا إلى "مواطنين غير مقبولين" مبعدون خارج النظام بسبب موقفهم الثابت غير المتذبذب. جُعلوا جزءًا من "الحرب الداخلية" المستمرة لأنهم ثبتوا على موقفهم فواجهوا القاتل بجريمته، ووصفوا الجريمة بوصفها.
لم يتم تنفيذ هذا الإجراء العملي كاستراتيجية لزيادة عدد الأعداء الذين يحاربهم أردوغان، ولكن كاستراتيجية لخلق شرائح اجتماعية أوسع يمكن أن يدمرها ويقضي عليها ويقاتلها باستمرار. في النهاية، لم يكن ما يحتاج إليه أردوغان هو إنهاء "أعدائه"، ولكن خلق أعداء جدد وإدارة وتنفيذ "حرب مستمرة وشاملة ضدهم". لقد كان هذا استراتيجية فعالة بالنسبة للنظام القمعي القائم على رجل واحد، والذي أراد تأسيسه.
تطبيق تكتيك "ليبنسراوم" (أماكن إعاشة) الذي اتبعه هتلر في الحرب العالمية الثانية، قام أردوغان بتطبيق الشكل الوطني والمحلي منه هنا. تحقيق النصر عبر تضييق أماكن إعاشة الأعداء في الداخل والخارج، وبالتالي توسعة مساحة العيش (الفاشية) للألمان وألمانيا بدلاً من انتظار قيام العدو بمهاجمة ألمانيا والمجتمع الألماني. لقد كان هذا عملية تتطلب دائمًا خلق تهديد وخطر وأعداء قساة في الداخل والخارج. وفي ظل هذا يمكن ضمان استمرار الحرب والعنف، ويمكن أن تلقى محاولة تدمير بعض الفئات الاجتماعية دعمًا واستجابة.
وهكذا جعل أردوغان أكاديميي السلام أعداءً لحرب. وإلا فليست هناك جريمة، ولا فعل يستوجب العقوبة أو يتطلب التبرئة أساسًا. كل ما في الأمر أن هناك إعلان، موقف واضح، صوت متصاعد. لم يستطع أردوغان كتم هذا الصوت، فليكن هذا قلقًا وتنغيصًا عليه. ولم نستطع الحيلولة دون مقتل الأم "تايبت" التي ظل جثمانها في الشارع لعدة أيام، ومقتل "محمد تونج" الذي أحرق حيًّا في "جزره"، والحاج "لقمان بيرلك" الذي جُرجر جثمانه بالسيارة، و"جميلة" التي كانت تبلغ من العمر عشر سنوات وحُفظ جثمانها في المبرد، ومن ثم فليكن هذا أيضًا همَّنا وشاغلنا.
 

•    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

 

•    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/baris-akademisyenleri/baris-akademisyenleri-neden-yargilandi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.