بعد ظلام طويل انبلج نهار تركيا

بغض النظر عن فوز أكرم إمام أوغلو مرشح المعارضة التركية، برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، ماذا تعني خسارة الرئيس، رجب طيب أردوغان بجولة الإعادة التي فاز بها الأول؟

بالطبع ليست هذه نهاية المسار السيء لذلك النظام، ومن غير المؤكد أيضًا أنها ليست بداية لنهاية سارة لطيفة. لكن الشيء الذي يمكنني الوثوق به هو أنني رأيت في خضم كل هذا بادرة تشير إلى أنه من الممكن أن يحدث تغيير ما، وأن ترقبي وتطلعي لأمر كهذا يروقني للغاية.

كنت كثيرًا ما أؤمن بأن الأمر حتمًا سيعود لنصابه على المدى الطويل، لكن هذا "المدى الطويل" كان لا يخلو من وجود نوع من التشاؤم. فوفق الكلام المعروف، نحن سنموت على المدى الطويل  وما عجزتم عن معرفته على المدى القريب للغاية، هو أنني أهتم بالمدى المتوسط. فحقيقة الأمر أنني لا أملك رفاهية التفكير على غير هذه الشاكلة، بحكم عمري.

وحتى إذا ما بقيت الأزمات والمشاكل كما هي على المدى القريب، فإن من يتسببون فيها سيتجرعون ويلاتها حتمًا. وإذا ما جعلت هذه الأزمات النوم يفر من أعين من تسببوا فيها، فإني سأكون أكثر راحة وطمأنينة.

وإن شعرتم في كلامي هذا بنوع من الحقد والانتقام، فأنتم غير مخطئين. فأنا على الأقل لا يمكنني التعاطف مع جلادي.  ربما يكون هذا نوع من الانحراف أو أنني لم أصل بعد لدرجة النضج التي تبنغي؛ لكني ممتنن من حالي، وأقول ليكن الأمر كذلك حتى وإن لم يكن هناك ذلك القدر من النضوج. 

فالناس ليسوا عقلانيين وغير حساسين مثل أجهزة الكمبيوتر، ولا يقفون على مسافة من مرضاهم كطبيب نفسي محترف، ولا يراقبون بيئتهم بشكل بسيط كعالم اجتماع. فنحن في النهاية أناس عاديون يحملون بين جوانبهم مشاعر وأحاسيس. ونحمل بداخلنا أثار الاستقطاب. وأنا كذلك أعيش على الأقل في هذه اللحظة الجانب الجميل من هذه الأثار. فعلى سبيل المثال، أتأوه لتمس التنهيدة روحي؛ وذلك لأنني على الأقل مسؤول عن هذا الوضع أي عن هذا الاستقطاب.

ولا شك أن الاستقطاب يفسد المجتمع ويهدم أركانه. وفي إطار كهذا نرى من هم بالقاع يتألمون. لكن قد تأتيهم فرص تبعث فيهم الفرح والسرور. ولتصفوا سعادتهم هذه كما شئتم، ولتسموها حسدًا، أو حقدًا، أو انتقامًا أو تشفيًا أو أن الحق قد عاد لمساره. في نهاية المطاف يعيش الإنسان شعورًا يجعهل يستريح قليلًا، وهكذا أنا هذه الأيام.

ربما لو كان ذلك في ظروف أخرى، لكنت شعرت بالخجل، وكتمت مشاعري. لكن كلما بدا لي أولئك الذين نالتهم لعنات الكثير من البشر، أقول "فليخجل الآخرون". وكما بدت السماء اليوم براقة، فإن المطر يهطل بركات على عقلي، والمرض ها هو قد بات عرضيًا، والشيخوخة أمرًا طبيعيًا، ومبرد الطعام الذي توقف عن العمل، بات شيء يمكن إصلاحه بكل سهولة. ألتفاؤل ؟ فما المقصود به؟ والجانب الجميل من الاستقطاب، هو: إذا كان هناك آخر يسحق ويعاني "فنحن" سيكون لدينا إحساس جميل.

كنت قد قرأت أن الليل لا يكون معتمًا تمامًا، لكن أن يعيش المرء ذلك، فهذا أمر مختلف. ويا ليتني كنت قد تمكنت من نقل جزء من تفاؤلي هذا لمن زج بهم في المعتقلات، ولأفراد الأسر الذين لم يلتقوا ببعضهم بأي شكل من الأشكال، ولمن فصلوا من أعمالهم، ولمن تركوا عن عمد يواجهون العوز والبؤس. وهم الآن لا زالوا في دوامة متاعبهم اليومية. أي أن هذه الانتخابات المحلية لم تكن كافة لهم. وهذا أم لا يبرح عقلي. لكن الآن وقت الفرحة، لكنها لا تكتمل كلما تذكرت هؤلاء الملكومين، ومن ثم يمكننا القول إن النهار ليس بالضرورة أن يكون ضياءًا كاملًا.

والسؤال الآن، إلى أي مدى ستستمر فرحتي؟ ما أعرفه هو أن الإنسان بمرور الوقت سيعتاد على الظروف الجديدة، ويعتبر محيطه أمرًا طبيعيًا، ونحن لا نفرح لما هوي طبيعي ولا نحزن له. فثمة تطلعات جديدة وسرعان ما ستعود الحياة اليومية لدورتها الروتينية. ومع الوقت ستتضاءل السعادة، ليحل محلها المجهول والتفتيش عن المستقبل. لكن ليكن، فعلى الأقل اشتقت كثيرًا لابتسامات أصدقائي. وبالتأكيد كان لما تشاركناه من بعض الرسائل، والنكات، والأمزوحات وقعًا طيبًا. 

لكن يا ترى ماذا سيتبقى من كل هذا؟ وكيف سيتم تذكر انتخابات 23 يونيو؟ هل ستكون ذكراها إيجابية كـ19 مايو أو 14 مايو؟ وهل سيتم تذكرها من الأساس تلك الانتخابات؟ وألن يكون لها بقية تتواصل؟ وهل ستحي ذكراها مع تاريخ 27 مايو (في إشارة لانداع مظاهرات منتزة جيزي عام 2013)؟ وهل بقية هذه الانتخابات ستأتي في المستقبل القريب أم على المدى المتوسط؟ وها أنا على حالة ووضع عدم إيلاء كثير من الأهمية لمثل هذه الأسئلة.

ولتبقى اللحظة الراهنة هكذا لفترة، ومن ثم أقول علينا ألا نفكر بشيء هذه الأيام، وعلينا أن نجلس لنلتقط أنفاسنا شأننا في ذلك شأن شخص نجا من حادث ما بأعجوبة، وعاد من الموت. فيومًا ما سيأتي من ينغصون علينا ويذكروننا بالأزمات والنكبات، وبالتالي لتكن هذه الأيام التي نعيشها حاليًا فاصلًا حتى يأتي ذلك اليوم.

ومن الوارد أيضًا ألا يكون هناك توازن بين مشاعري الإيجابية الجميلة، وبين أفكاري المتشائمة وتقبع هناك على الطرف الآخر. وأنا أرى أنني عند توجهي صوب منحدرات جديدة، سأتذكر هذه المشاعر لتكون شفاءً وترياقًا. وحقيقة الأمر أن مشاعري هذه بأكملها مشاعر، بل نوع من التفاؤل أعززه بمنطقي؛ وذلك لأنني أعرف جيدًا كما أعرف إسمي أنه ستكون هناك حاجة شديدة لهذه المشاعر المفعمة بالأمل.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/dusunduklerim-ve-hissettiklerim
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.