بغداد تسعى لتجنب صراع يخلق قضية تركمانية على طريقة أنقرة

بغداد – فيما يكشف الخطاب السياسي والإعلامي التركي عن تبني أنقرة لمطالبات المكوّن التركماني السياسية، والدفع نحو خلق “قضية للتركمان” في العراق، لا تنقطع قيادات تركمانية عراقية، في المقابل، عن الإشادة بالقيادة التركية والتذكير بمساندتها للمكوّن، في عملية يصفها العراقيون بأنها استقواء مُبطّن بتركيا.
ودأبت تركيا على اللعب بورقة القومية للتسلل إلى الساحة السياسية العراقية بشكل متزايد مع تركيزها على "محنة التركمان العراقيين"، الذين لديهم ميزتان مقارنة بمكونات المجتمع العراقي الأخرى: معاقلهم الرئيسية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، ولا سيما كركوك التي تملك احتياطيات نفطية ضخمة، وصراعها الأيديولوجي مع الأكراد الذين لا يزالون، بحسب أنقرة، يشكلون تهديدًا بسبب مشروعهم في الاستقلال.
وكان لافتاً خلال الفترة الأخيرة، أنّ النخبة السياسية لتركمان العراق كثّفت من مطالبتها بمنح المكوّن دورا سياسيا أكبر بالبلاد، وذلك في ظاهرة كان من الممكن اعتبارها أمرا اعتياديا في بلد يقوم نظامه السياسي على المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية، لولا الظهور الواضح لأنقرة في خلفية تلك المطالبات المتصاعدة، الأمر الذي يثير شكوكا في وجود نوايا لدى تركيا باستخدام هذه الأقلية التي تربطها معها وشائج عرقية، كجسر للتدّخل في العراق سعيا لتحقيق مطامع تاريخية لها في أراضيه وثرواته الباطنية، وذلك وفقاً لما رأته صحيفة "العرب" اللندنية واسعة الانتشار في عددها الصادر اليوم.
ودافع رئيس الجبهة التركمانية العراقية أرشد الصالحي عن العملية العسكرية واسعة النطاق التي تشنها تركيا ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل أراضي العراق دون تنسيق مع حكومته، مُلقيا باللائمة على البلد الذي سمح، حسب رأيه، بتهديد أمن تركيا.
وذهب حدّ التلميح بوجود مسؤولية للعراق في تهديد أمن تركيا قائلا “الدستور العراقي يحظر أن يشكل العراق منطلقا لتهديد جيرانه.. وينبغي النظر إلى منظمة بي.كا.كا من هذا المنظور لأنها تشن هجمات إرهابية على تركيا انطلاقا من الأراضي العراقية”.
وقارن الصالحي في تصريح لوكالة الأناضول التركية، نشرته الجمعة، بين الدورين الأميركي والتركي في مساندة المكوّن الذي يتحدّث باسمه. وقال إن الولايات المتحدة لم تدعم التركمان لنيل حقوقهم السياسية في العراق بعد 2003 "التركمان لم يُدرجوا في المعادلة السياسية التي أنشأتها الولايات المتحدة في ذلك العام رغم تعرضهم لمختلف عمليات الصهر القومي خلال فترة حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين".
وأضاف رئيس الجبهة التركمانية “التركمان شاركوا دائما في اجتماعات المعارضة في بريطانيا والولايات المتحدة قبل 2003.. إلاّ أنه بعد هذا التاريخ لم يفسح المجال الكافي في السياسة للجبهة التركمانية العراقية التي تعتبر الممثل الحقيقي للتركمان”، مؤكّدا “الولايات المتحدة لم تدعمنا بل قامت بدعم الأكراد في المناطق المختلف عليها، وحتى الآن ليس لدينا تمثيل سياسي كما نستحق، رغم أننا نطمح أن يكون نائب رئيس الجمهورية في العراق من التركمان، لكنّ هذا المنصب لم يُمنح لنا”.
وفي سياق دفاعه عن تركيا قال الصالحي “الحكومة العراقية أخرجت منظمة مجاهدي خلق المعارضة لإيران من الأراضي العراقية بالكامل، وذهب معظم أفرادها إلى ألمانيا. أما بي.كا.كا (حزب العمال الكردستاني) المنظمة التي تهدد أمن تركيا فقد سُمح لها بالانتشار بعدة مناطق في البلاد”، متهما الحزب بالسيطرة “على سنجار ومخمور وعلى مناطق حساسة في محيط كركوك”.
وأضاف “منظمة بي.كا.كا الإرهابية بدأت تهدد أمن العراقيين.. لذلك بدأت تركيا تنفذ عمليات ضدها، وكل عملياتها موجهة ضد مواقع المنظمة”.
وينتشر تركمان العراق في عدد من مناطق العراق أهمها محافظة كركوك بشمال البلاد حيث يخوضون صراعا علنيا على تولّي دور قيادي فيها.
وطالبت الجبهة التركمانية العراقية مؤخرا بإسناد منصب محافظ كركوك إلى المكون التركماني “بعد أن شغله العرب والأكراد طيلة 17 عاما الماضية”.
وتنقل صحيفة "العرب" عن مُتابعين للشأن العراقي قولهم إنّ مطالبات تركمان العراق بحقوق لهم في محافظة كركوك تعطي الورقة التركمانية قيمة استثنائية لدى تركيا، نظرا لثراء تلك المحافظة المُصنّفة ضمن المناطق العراقية المتنازع عليها، بالنفط من ناحية، وبالنظر إلى أنّ الطرف الرئيسي في النزاع على تلك المحافظة ليسوا سوى الأكراد الذين يعتبرهم الأتراك أعداء تاريخيين لهم على اختلاف انتماءاتهم السياسية والجغرافية، ما يجعل تركيا تتوجّس من وقوع الثروة النفطية الهائلة بكركوك بأيدي الأكراد لتكون بذلك مقوّما من مقومات دولتهم المنشودة في المنطقة. ولذلك تجتهد تركيا في الزج بتركمان العراق في الصراع على كركوك.
ومن جهتها ترصد بغداد تصاعد المطالبات التركمانية وتحاول التعامل معها بمرونة لتجنّب الدخول في صراع من شأنه أن يفضي إلى خلق قضية تركمانية على الطريقة التي تريدها أنقرة.
ورشّح رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي حسن البياتي لمنصب وزير الدولة لشؤون التركمان. وجاء ذلك في وثيقة رسمية صدرت مطلع الأسبوع الجاري من مكتب الكاظمي موجهة إلى رئيس البرلمان محمد الحلبوسي.
وذكرت الوثيقة التي نشرتها وكالة الأنباء العراقية الرسمية استنادا إلى القرار النيابي رقم 23 لسنة 2020 المتضمن استحداث وزارة دولة يرأسها وزير من المكون التركماني، “نرشح حسن سلمان البياتي لتولي المنصب، راجين تحديد موعد جلسة التصويت”.
ويعتبر حسن البياتي عضوا بارزا في الكتلة التركمانية عن محافظة ديالى شرقي البلاد. وتتألف الكتلة من خمسة نواب وتشكلت في مارس الماضي من نواب تركمان كانوا يتوزعون سابقا على عدة كتل برلمانية في مسعى لضمان حقوق مكونهم.
في العراق، يلعب الأتراك بطاقة الأقلية، مُستغلين الهويات العرقية والقومية بدلاً من الأبعاد الدينية والطائفية.
وضمن مساعيها للتدخل في شؤون هذا البلد العربي واستغلال التقسيمات العرقية لإحداث تغيير يوافق مصالحها في الجغرافيا السياسية العراقية، تواصل تركيا العمل على زيادة أوضاع العراق تعقيدا، وخاصة عبر الملفين الكردي والتركماني.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، لم تُخفِ أنقرة جهودها لمحاولة دعم تركمان العراق في كركوك، على أمل أن يتمكنوا من خلال تحويلهم إلى مواقع قيادية، من السيطرة على الموارد النفطية هناك، مما يسهل على تركيا الوصول إلى الأراضي النفطية الوفيرة.