بناء السدود في تركيا على حساب التراث الإنساني

على الرغم من النضال الدولي المطول والقوي لإنقاذ وادي نهر دجلة حيث تم استخدام أدوات الزراعة لأول مرة في التاريخ بحسب المصادر العلمية، بدأ الآن حصن كيفا الذي شُيد قبل 12000 عام على ضفة النهر في الغرق تحت مياه سد إليسو. ويفي الحصن بتسعة معايير من المعايير العشرة للتراث الثقافي العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).

يتم تنفيذ المشروع في إطار مشروع جنوب شرق الأناضول في تركيا، أحد أكثر مشاريع المياه طموحاً في البلاد، على نهري دجلة والفرات. وقد منحت تركيا حصن كيفا الحماية الأثرية الكاملة في عام 1978. لكن الدمار بدأ على الرغم من وجود مادة في الدستور التركي والمعايير الدولية المتعلقة بالتراث الإنساني وحماية البيئة.

ومن المهم جداً أن نتساءل عن السبب وراء استهداف المواقع ذات الأهمية الحيوية للتراث البشري والتي ما زالت تستهدفها الجهات الفاعلة القانونية والمنظمات الإرهابية. بالإضافة إلى تدمير الدولة التركية لحصن كيفا، فقد شاهدنا في الآونة الأخيرة أطرافاً تعبر عن سعادتها بهدم مواقع التراث الثقافي، بدءاً بما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية الذي دمر الموقع الأثري السوري القديم في مدينة تدمر ووصولاً إلى جهات شرعية مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي هدد في الآونة الأخيرة باستهداف المواقع الثقافية الإيرانية المهمة.

الإجابة واضحة: تريد المنظمات الإرهابية المتطرفة تدمير أطلال الحضارات التي تعتبرها عوائق أمام أيديولوجياتها وتريد الجهات الفاعلة المعترف بها مثل الرئيس الأميركي تقويض كرامة الأطراف الفاعلة المناوئة من خلال هدم تراثها التاريخي. ومع ذلك، فإن إغراق الدولة التركية لحصن كيفا يتجاوز مجرد التخلص من الذكريات والاعتداء على كرامة الناس، إذ أنه ينطوي على أبعاد سياسية واستراتيجية متعددة. باختصار، في حين تريد تركيا الاستفادة من سد إليسو لإنتاج أربعة في المئة من إجمالي الكهرباء في البلاد واستخدامه كأداة أمنية داخلية ضد حزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً في البلاد منذ عقود. يلعب السد دوراً مهماً أيضاً لأسباب جيوسياسية فيما يتعلق بتدفق المياه إلى الدول الواقعة على ضفاف النهر مثل العراق وسوريا.

ففي جنوب شرق تركيا، حيث ينشط حزب العمال الكردستاني في الجبال، خدم مشروع السد الدولة التركية من خلال إقامة حاجز أمام التفاعل والاتصال بين حزب العمال الكردستاني والسكان الأكراد المحليين في المنطقة. والأهم من ذلك، أن سدي إليسو والجزيرة اللذين يقعان بجانب الحدود السورية وجبل الجودي، متقاربان للغاية، مما يعكس رغبة الدولة في إنشاء حدود مائية.

وبالتالي، ففي حين يولد السدان الكهرباء، فإن الهدف الأساسي يتمثل في استخدام السدود من أجل الأمن في المنطقة. على سبيل المثال، تم بناء 11 سداً على نهر دجلة في مقاطعتي هكاري وشرناق بالقرب من الحدود العراقية التركية، مع وضع الأمن في الاعتبار، لمنع حزب العمال الكردستاني من إقامة علاقات مع السكان المحليين ومنع أي هجوم محتمل على المواقع العسكرية التركية في المنطقة.

علاوة على ذلك، فإن سد الموصل في العراق يعتمد كلياً على تدفق مياه نهر دجلة من تركيا، وهو مثال مهم على كيفية وضع بناء الأحد عشر سداً دول المصب مثل سوريا والعراق في موضع غير ملائم من الناحية التكتيكية بشكل كبير، وبالتالي يهدد أمنهم القومي لا سيما فيما يتعلق بأمن المياه في المستقبل. لذلك فإن مشروع سد إليسو له فائدة إضافية بالنسبة لتركيا تتمثل في تعزيز كل من الأمن الداخلي والخارجي والإسهام في تحقيق الهدف العسكري والسياسي على المدى الطويل المتمثل في فرض الهيمنة الإقليمية الكاملة.

فيما يتعلق بالأمن البيئي، يشكل سد إليسو تهديداً كبيراً. ففي العراق، يواجه مليونا شخص نقصاً في مياه الشرب العذبة، وقد انخفض إنتاج الطاقة الكهرومائية انخفاضاً كبيراً بسبب انخفاض مستويات المياه، كما تراجع إنتاج محاصيل الحبوب والشعير والنعناع والتمور. وقد أثر ذلك أيضاً على الحياة البرية مثل البط والإوز، والأهم من ذلك أن صناعة صيد الأسماك، الحيوية لدخل السكان المحليين، تراجعت بشكل كبير. كما أدى السد إلى إعادة توطين حوالي 34 ألفاً من السكان المحليين، وفي نهاية المطاف سيضر بحياة ما يصل إلى 78 ألف شخص، إذ أنه سيدمر حوالي 52 قرية و15 بلدة.

الخلاصة، كان حصن كيفا مهداً للحضارة، واستضاف بالفعل العديد من الحضارات، وكان عاصمة للعديد من ثقافات العصور الوسطى مثل الدولة الأرتقية، وكان له صلات بالرومان، وساهم في التطوير المبكر لممارسات الري التي تعود إلى العصور السومرية والأكادية في فترة حول 4000 - 5000 قبل الميلاد. ويُقال إن السدود عادة ما يكون عمرها حوالي 50 إلى 70 عاماً فقط. لذا، نكرر السؤال، لماذا لم تكن تركيا مهتمة بإنقاذ كل هذا من فيضانات سد إليسو؟

أحد الأسباب الحاسمة هي أن المواقع التاريخية ذات الصلة لا تعتبرها الدولة جزءاً من التاريخ التركي إذ تنظر إلى معظمها على أنها جزء من اليونان القديمة أو بلاد ما بين النهرين القديمة، لأن الأتراك لم يهاجروا إلى الأناضول من آسيا الوسطى إلا بعد القرن الحادي عشر. إهمال تركيا للمواقع التاريخية القيمة أمر واضح للغاية، وأبرز المواقع آليوني وهو حمام روماني في منطقة إزمير (أغرقه سد يورتانلي في عام 2011)، ومدينة زيوغما اليونانية التي شُيدت قبل 3000 عام والتي اختفت مع واديها تحت سد بيرجيك.

عند بناء السدود الضخمة في المنطقة، لم تشعر تركيا أبداً بالقلق من تدمير التراث الثقافي، إذ ركزت فقط على إمدادات الطاقة والسياسة المحلية والاستفادة الجيوسياسية والاستراتيجية. ينشأ هذا الإهمال من عقلية الدولة التركية الخفية تجاه المواقع التاريخية التي تمثل تراثاً، مثل حصن كيفا، ينتمي إلى "آخرين".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hasankeyf/hasankeyf-state-building-versus-humanitys-heritage
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.