بنوك تركيا تقترب من الخط الأحمر بعد خسائر الليرة

تواجه البنوك التركية خطر نضوب مستويات رؤوس الأموال الخاصة بها بعد أن استأنفت الليرة انخفاضها في مواجهة الدولار.
وكان بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس قد حذر المستثمرين قبل أن تبلغ أزمة العملة ذروتها في شهر أغسطس الماضي من أن الانخفاض المستمر في قيمة الليرة يهدد إلى حد كبير بمحو فائض رؤوس الأموال الخاصة بالبنوك التركية، وهي أموال تحتفظ بها الشركات من أجل الوفاء بالتزاماتها في وقت الأزمات وتغطية الخسائر غير المتوقعة.
وقال بنك غولدمان آنذاك إن بنكين كبيرين في تركيا سيكونان أول من يتعرض لخسائر فادحة في حال واصلت الليرة خسائرها مقابل العملات الرئيسية.
وأشار غولدمان بالتحديد إلى بنكي يابي كريدي، المملوك بالشراكة بين شركة يوني كريديت الإيطالية ومجموعة كوتش القابضة التركية، وبنك إيش، أحد أكبر بنوك الإقراض المدرجة في البلاد.
وأضاف بنك الاستثمار الأميركي أن رأس المال الخاص بكلا البنكين يواجه خطر التآكل إذا انخفضت الليرة إلى 6.3 مقابل الدولار. وجاء بعدهما في القائمة بنك أك الذي قد يخسر فائض رأس المال الخاص به في حالة تدهور قيمة الليرة إلى 6.9 مقابل الدولار.
ويوم الاثنين، انخفضت قيمة الليرة بنسبة 0.1 في المئة لتصل إلى 6.06 مقابل الدولار في إسطنبول، لتتعمق خسائر العملة التركية هذا العام إلى ما يقرب من 15 في المئة. وهذا هو ثاني أسوأ أداء لعملة من الأسواق الناشئة الرئيسية بعد البيزو الأرجنتيني المتعثر. وكانت الليرة قد فقدت 28 في المئة من قيمتها في العام الماضي.
ويطالب المستثمرون في تركيا الحكومة بتنفيذ إجراءات عاجلة لمعالجة مشاكل رأس المال المحتمل حدوثها جراء هذا الانهيار في القطاع المصرفي، خاصة وأن هناك قروضا متعثرة وديونا مُعاداً هيكلتها بقيمة عشرات المليارات من الدولارات تضر بميزانيات البنوك. كما تسببت أزمة العملة في العام الماضي والانكماش الاقتصادي الشديد في مشاكل مالية للعديد من الشركات المحلية.
ويقول محللون إن الشركات التركية طلبت بالفعل إعادة هيكلة ديون تقدر بنحو 30 مليار دولار. وتواجه البنوك مشكلات إضافية بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي الراهنة في تركيا بعد أن أمر المجلس الأعلى للانتخابات بإعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول التي سبق أن أُجريت في 31 مارس، والمقرر إجراؤها الآن في 23 يونيو. كما يشتد الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية (إس-400)، والتي من المقرر تسلمها في يوليو.
ومع زيادة خسائر الليرة، يتسع مستوى تعرض البنوك للمخاطر وذلك لأن القروض الأجنبية التي منحتها البنوك للشركات التركية تثقل كاهل ميزانياتها.
ووفقا لبيانات البنك المركزي، تجاوز اقتراض الشركات التركية بالعملة الأجنبية 310 مليارات دولار في نهاية شهر فبراير، أي ما يعادل 40 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للبلاد. ويبلغ إجمالي الدين نفسه نحو 197 مليار دولار عند طرح أصول العملات الأجنبية لدى البنوك، مثل السيولة النقدية بالدولار، من أصل هذا المبلغ.
ومع انخفاض قيمة الليرة، تزيد القروض المتعثرة أيضا من أصول البنوك المرجحة بالمخاطر بالعملة المحلية. وكلما تراجعت قيمة العملة، كلما تأخرت الشركات المأزومة عن سداد قروضها وكلما كان مطلوبا من البنوك أن تخصص اعتمادات إضافية للقروض المتعثرة والمقومة بالعملة الأجنبية. وبالتالي، تحاول البنوك التحوط من المخاطر ومواجهة آثار تلك المعضلة من خلال الإيرادات المتأتية من التداول.
وتشير الأرقام إلى أن حجم القروض المتعثرة داخل النظام المصرفي التركي زاد بشكل ملحوظ منذ نشر بنك غولدمان تقريره العام الماضي.
فرسميا، زادت القروض المتعثرة إلى 4.1 في المئة من إجمالي القروض مقارنة بأقل من 3 في المئة في بداية العام الماضي. لكن المحللين ووكالات التصنيف يقولون إن هذا الرقم قد يكون أعلى من ذلك بكثير، حيث أن البنوك ربما تعمل على ترحيل الديون من خلال إعادة هيكلة هذه القروض بدلا من تصنيفها على أنها قروض متعثرة.
وعلى الرغم من التأثيرات السلبية الناتجة عن تصاعد التوترات السياسية مع الولايات المتحدة قبل تسلم تركيا المزمع لمنظومة الصواريخ الدفاعية الروسية في يوليو، إلا أن إعادة انتخابات إسطنبول هي التي يمكن أن تشكل خطرا أكثر تأثيرا على الليرة، ومن ثم على البنوك أيضا.
ومع اشتداد الأزمة، تتضاءل قدرة البنك المركزي على الدفاع عن الليرة. وقال بنك أيه.بي.إن أمرو في تقرير في وقت سابق من هذا الشهر إن صافي احتياطيات البنك المركزي، دون حساب مبادلات العملات الأجنبية، انخفض إلى حوالي 14 مليار دولار. وفي غضون ذلك، تضغط الحكومة على صناع السياسة بالبنك المركزي والمسؤولين التنفيذيين في البنوك بشكل عام لتقديم مزيد من الدعم للنمو الاقتصادي قبل انتخابات يوليو.
وفي خطوة غير مسبوقة، قد تقوم الحكومة بسحب ما يصل إلى 40 مليار ليرة (6.5 مليار دولار) من الاحتياطيات التي خصصها البنك المركزي للظروف الاستثنائية، حسبما ذكرت رويترز يوم الاثنين. ونقلت الوكالة عن مسؤولين اقتصاديين لم تكشف هويتهم قولهم إن الحكومة تحتاج إلى هذه الأموال لتغطية عجز الموازنة الذي تفاقم بما يفوق التوقعات.
كما تسعى الحكومة إلى تنشيط الاقتصاد عن طريق كبح أسعار الفائدة التي تفرضها البنوك على الودائع والقروض، وهي خطوة غير تقليدية إلى حد كبير. ويزيد إجمالي أسعار الفائدة على الودائع بقليل عن معدل التضخم الحالي البالغ نحو 19 في المئة. وهذه العائدات الضئيلة تشجع الأتراك على بيع الليرة وشراء العملات الأجنبية. وخفض أسعار الفائدة على القروض يعني أيضا ربحا أقل للبنوك.
وقبل الانتخابات، تخطط الحكومة لتقديم قروض طويلة الأجل بأسعار فائدة مخفضة لأصحاب المصانع والمصدرين عبر ثلاثة بنوك تديرها الدولة، وذلك حسبما قال وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق مطلع هذا الأسبوع. وفي أواخر أبريل، ضخت الحكومة 3.7 مليار دولار في البنوك التي تسيطر عليها للحفاظ على تدفق القروض في الاقتصاد الذي أصابه الركود.
وتعمل بالفعل هذه البنوك، التي يشرف الرئيس رجب طيب أردوغان على اثنين منها من خلال صندوق الثروة السيادية التركي، على إقراض المستهلكين وشركات الأعمال التجارية بأسعار فائدة أقل من أسعار السوق. وسارعت نفس هذه البنوك أيضا إلى مساعدة البنك المركزي لدعم الليرة من خلال بيع أكثر من 4 مليارات دولار من العملات الأجنبية خلال الأسبوع الماضي وحده.
علاوة على ذلك، فإن عدم شفافية الكشف عن القروض المعاد هيكلتها في القطاع المصرفي التركي، والذي لم يمتثل بعد في لوائحه بمعايير الاتحاد الأوروبي، يعني أن حجم المشاكل الخاصة برؤوس أموال البنوك لا يزال في علم الغيب.
لكن إذا استمرت الليرة في التدهور بنفس الوتيرة الحالية، فسيكون الأمر مسألة شهور، إن لم يكن أسابيع، قبل أن تجد الحكومة والهيئات التنظيمية نفسها مضطرة للتدخل ودعم رأس المال الخاص بأحد بنوك الإقراض أو أكثر.
وتقتصر تحذيرات غولدمان بشأن تقلص رؤوس أموال البنوك على بيانات أكبر البنوك التركية. لكن في الحقيقة هناك العديد من المخاوف التي تنتشر بين جميع البنوك العاملة في تركيا، وعددها 52 بنكا، ولا سيما البنوك المعرضة بشكل أكبر نسبيا للمخاطر في قطاعي الطاقة والبناء المتعثرين في تركيا، والتي قد تكون في وضع أسوأ بكثير.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/turkish-banks-near-goldman-red-zone-after-lira-tumbles
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.