بولتون: المبعوث الأميركي إلى سوريا أردوغاني مناهض للأكراد

سلط مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب، جون بولتون، في كتابه الجديد "في الغرفة حيث حدث ذلك" الضوء على دور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، في دعم الدور التركي في إطار سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا.

كما ذكرت في مقالي السابق، كان جيفري معروفا بموقفه "الموالي لتركيا" في واشنطن لسنوات، بعد أن شغل منصب سفير الولايات المتحدة إلى تركيا من 2008 إلى 2010. وجاء كتاب بولتون لتأكيد ما توقّعناه من خلال الاقتباسات والقصص التي شهدها مسؤول كان يشغل واحدا من أعلى المناصب في الإدارة الأميركية.

واعتبر بولتون جيفري مسؤولا مؤيدا لأردوغان ومناهضا للأكراد في كتابه الجديد.

إذا درسنا ما كان يفعله قبل بضع سنوات، فسنرى أن جيفري كان يدافع عن سياسات أردوغان بقوة في وقت بدأ فيه العديد من مراقبي تركيا المستقلين ينتقدون أنقرة بسبب انتهاكاتها المتزايدة لحقوق الإنسان منذ احتجاجات منتزه غيزي في سنة 2013، مما دفعهم إلى الابتعاد عن المسؤولين الأتراك.

في حين توقفت العديد من الشخصيات والمنظمات ذات السمعة الطيبة عن دعوة المسؤولين الأتراك إلى مراكز البحث التي تتبعها خلال زياراتهم للولايات المتحدة، أو المشاركة في اجتماعات مع الوفود التركية الكبيرة، بما في ذلك التي تشمل أردوغان، بقي جيفري استثناء ملحوظا. وأصبح من أعلى الأصوات التي تدافع عن الرجل القوي في تركيا في دوائر واشنطن، ولم ينتقد ممارسات الحكومة التركية في مجال حقوق الإنسان.

ويصعب تذكر أي مرة انتقد فيها جيفري تراجع الحكومة التركية ديمقراطيا، وهو ما يذكّرنا بالتغاضي عن تراجع أنقرة في الثمانينيات، خلال انقلاب عسكري تركي.

لا يقدّم لنا كتاب بولتون قصة واحدة عن جيفري، بل يصوّر لنا مشاهد حدثت أمام العديد من الشخصيات الأميركية القويّة. ويصف لنا في واحدة منها دور جيفري قبل زيارة وفد أميركي إلى تركيا في يناير 2019 وأثناءها.

وكتب بولتون:

"أطلعت بومبيو على هذه المناقشات (حول شمال شرق سوريا)، قائلا إننا منعنا حدثا سيئا في سوريا ونقترب الآن من التوصل إلى حل مناسب وقابل للتنفيذ. أراد بومبيو التأكد من أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا كان حاضرا في اجتماع تركيا، وهو ما وافقت عليه على مضض. وذلك لأن بومبيو أخبرني قبل يومين من عيد الميلاد أن جيم جيفري، سفير الولايات المتحدة السابق إلى تركيا، لم يفقد مساندته للأكراد، لكنه يرى تركيا كشريك موثوق به في الناتو. كانت تلك علامات تحذيرية واضحة لحالة مزمنة تعرفها وزارة الخارجية، أين يصبح المنظور الأجنبي أكثر أهمية من منظور الولايات المتحدة. اتفقت أنا وبومبيو وشاناهان ودانفورد على صياغة "بيان مبادئ" من صفحة واحدة حول سوريا لتجنب أي سوء فهم، وهو أمر رأت وزارة الدفاع أنه مهم جدّا".

يرى بولتون جيفري وفريقه على أنهم أميركيون يعملون من وجهة نظر تركية أصبحت تقود مصالحهم وتحثّهم على الدفاع عن تصرفات حكومة أردوغان.

ووفقا لرواية بولتون، قبل أن يجتمع الوفد الأميركي بالوفد التركي في أنقرة، قدّم جيفري "خريطة ملونة لشمال شرق سوريا، تظهر أجزاء اقترح السماح لتركيا بأخذها وما يمكن أن يحتفاظ الأكراد به".

ليس من السهل فهم سبب تعارض جيفري مع القرار الذي اتخذه الوفد. فقد يكون فريقه استوعب خطاب أردوغان بعد أن سمعه مرارا وتكرارا على مر السنين مما جعله يقبل بأن القوات التركية ستسيطر على شمال شرق سوريا بغض النظر عن أي عائق. حيث بدا مؤمنا بقدرات أردوغان أكثر من استعداد إدارة الولايات المتحدة لإيقافه.

يشير بولتون إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية المتقاعد، الجنرال جوزيف دانفورد، "لم يعجبه ما أظهرته الخريطة".

وأخبر دانفورد مستشار الأمن القومي أن موقفه يتجلى في "إبقاء الأتراك بالكامل على الجانب الآخر من الحدود مع سوريا شرق نهر الفرات".

وكتب بولتون: "في هذه المرحلة، انضم جيفري إلينا أخيرا، وراجعنا مسودة بيان المبادئ المشترك التي يمكن أن نقدمها للأتراك. أضفت جملة جديدة لتوضيح أننا لا نريد أن نرى إساءة معاملة الأكراد لإظهر أننا لا نقبل بوجود تركي عسكري أو غيره في شمال شرق سوريا. وافق دانفورد وجيفري على المسودة".

ومع ذلك، وبعد تسعة أشهر من تقديم جيفري للخريطة، تبنى موقفا مختلفا في أغسطس 2019، في غرفة الصحافة بوزارة الخارجية.

قال جيفري، بعد سؤال حول إمكانية غزو تركي، إنه "لم تكن هناك محادثات مع الأتراك بشأن حماية الأكراد... أو وقف الغزو، لأننا لا نرى غزوا". وبعد شهرين فقط، دخلت القوات التركية شمال شرق سوريا، واستولت على منطقة واسعة منه.

يجدر الذكر بأن جيفري كان أحد المسؤولين الأميركيين الذين أشرفوا على "الآلية الأمنية" لإنشاء منطقة آمنة بين الحدود التركية والمنطقة السورية التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية للمساعدة في إقناع الأكراد السوريين بإزالة التحصينات التي تهدف إلى إيقاف مثل هذه العملية.

يحتاج جيفري إلى شرح كيف أخبر الصحفيين والعالم أنه لا يرى أي سيناريو لاحتلال تركي في المنطقة في أغسطس بعد أن قدّم في يناير خريطة توضح الأجزاء التي يجب أن تُمنح للقوات التركية.

انتقد البعض المبعوث الأميركي ونائبه الكولونيل ريتشارد أوتزن بسبب موقفهما الموالي لحزب العدالة والتنمية، وهو أمر أكدّه بولتون.  كما سمعت انتقادات من بعض الصحفيين والمراقبين من تركيا في الماضي حول مشاركة هؤلاء المسؤولين في بعض أحداث مراكز الفكر المدعومة من الحزب الحاكم التي تصدر "تقارير" تستهدف الصحفيين الأتراك الذين يحاولون القيام بعملهم.

أرى هذا على أنه نهج "غير شخصي" لأنني أتذكر بعض المسؤولين الأميركيين الذين كانوا يزورون المنظمات الموالية لحزب العدالة والتنمية والذين أداروا اللجان في منظمات تتبع غولن في واشنطن العاصمة حتى منتصف سنة 2015، في وقت كان فيه غولن وأردوغان على خلاف بسبب تحقيقات الفساد في 17-25 ديسمبر. حدث هذا بالطبع في وقت كانت فيه هوية الفائز غير واضحة.

ليس اللعب لصالح الفريق الفائز بالأمر الجديد. ولكن ما الذي تحصل عليه الولايات المتحدة مقابل كل هذا؟

دعونا نلقي نظرة على مسارح الحرب التي تشارك فيها إدارة حزب العدالة والتنمية في تركيا ودور الولايات المتحدة في هذه الحسابات.

أوّلا، يساعد نشر تركيا لقواتها في سوريا الولايات المتحدة على كبح التوسع الروسي، وإبقاء حزب الله اللبناني ووكلاء إيران في المنطقة ضمن رادارها.

ويسمح وجود تركيا لواشنطن بإيقاف جميع قوى العدو الثلاث دون خسائر في القوات أو أي تكلفة مالية باهضة. كل ما يتعين على واشنطن القيام به هو تقديم القليل من الدعم الخطابي، الذي يُصاغ عادة باللغة التركية.

ويبدو كما لو أن هؤلاء المسؤولين يرون في تصوير أنفسهم كمؤيدين لأردوغان تحقيقا لمصلحة الولايات المتحدة. وبذلك، نراهم على استعداد على التخلي عن الأكراد السوريين أو تجاهل الانتهاكات الخطيرة التي تطال حقوق الإنسان في تركيا.

ويمكن قول الشيء نفسه عن سياسات حزب العدالة والتنمية في ليبيا، حيث تغيب الولايات المتحدة، في حين يدفع تدخل تركيا إلى تقليص توسع روسيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-usa/bolton-depicts-us-envoy-jeffrey-anti-kurdish-erdoganist-new-book
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.