ألين أوزينيان
أغسطس 25 2019

بوريس جونسون وجده التركي علي كمال المحب للأرمن

لم تتوقف الصحافة التركية منذ اليوم الأول لتعيين بوريس جونسون رئيساً لوزراء بريطانيا عن الحديث عن جذوره العثمانية، وعن جده علي كمال، وعن مسقط رأسه في بلدة "كَالَفَت" الواقعة إلى الشمال من العاصمة أنقرة.  

ولم تكن الصحافة وحدها هي التي احتفت بجونسون؛ فقد هنَّأه الكثيرون من المسؤولين الأتراك، يتقدمهم الرئيس الجمهورية أردوغان، معربين عن أملهم في "تكوين شراكة استراتيجية مهمة" بين تركيا والمملكة المتحدة، وأنهم يعتقدون أن العلاقات بين البلدين ستنمو في عهد جونسون بصورة أكبر في كافة المجالات. 

 تناسى الجميع فجأة "مسابقة الشعر التي تضمنت أشعاراً تنطوي على إهانة لأردوغان" التي نظمتها مجلة "سبيكتيكور"، خلال فترة تولي جونسون منصب رئاسة بلدية لندن. تناسوا كذلك سخرية جونسون نفسه من أردوغان، وراحوا يمتحدونه ويتفاخرون بأصوله العثمانية. 

شيء غريب جداً أن تصادف شخصاً من بلدك في دولة أخرى. لا يفرق في هذا إن كان الشخص الذي تعده من أبناء وطنك بائعاً للشاي في بلدية "أودون بازاري" أو كان رئيساً للوزراء في بلد أوروبي. المقصد أننا في كلتا الحالتين سنقول "لدينا رجلنا هناك"، وسينسج خيالنا أفكاراً عن كيفية الإفادة من وجوده في هذا البلد.  

لم ينظر أهالي قرية "كالفت"، حيث مسقط رأس جد جونسون، التي تبعد 100 كم إلى الشمال من العاصمة أنقرة، إلى تاريخ جد جونسون، وهم يتجمعون في ساحة القرية من أجل الاحتفال بتولي الحفيد رئاسة الوزراء في بريطانيا. على سبيل المثال، خرج عمدة القرية، وتحدث عن بوريس "بوصفه أحد أبناء القرية" قائلاً "سعدنا للغاية لفوز بوريس برئاسة وزراء بريطانيا. كنا نطلق على أسلاف بوريس هنا اسم "الأولاد الشُقر". لقد اجتمعنا، وصفقنا له مع المواطنين".. خرج من بين الحضور، بعد ذلك، شخص آخر من أبناء القرية يدعى آدم قره أغاتش، وقال "إنه لشرف لنا أن يتولى شخص يرتبط ماضيه بهذه الأرض منصب رئيس الوزراء في دولة مهمة مثل بريطانيا".  

نسي الجميع أن هذا الجد كان من المعارضين لحكومة الاتحاد والترقي في العهد العثماني، وأن حفيده جونسون أعرب في السابق عن دعمه لحزب العمال الكردستاني.

كان جد جونسون، علي كمال، صحفياً بيروقراطياً صاحب فكر ليبرالي، وفوق هذا كان من المعجبين بالغرب. لم يتردد علي كمال في كتابة مقالات نقدية في الفترة الأخيرة من حكم الإمبراطورية العثمانية، انتقد فيها سياسة حكومة الاتحاد والترقي، معرباً عن عدم ارتياحه إزاء الأعمال الوحشية والمذابح التي تُرتكب ضد غير المسلمين في ذلك الوقت. لفت على كمال الانتباه كذلك إلى أن أسس الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على هذا النحو، لم يتوان علي كمال كذلك عن إدانة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن، مطالباً بمحاكمة مرتكبي هذا الفعل الشنيع من أعوان حكومة الاتحاد والترقي آنذاك. 

باختصار، دأب الصحفي علي كمال، الذي شغل منصب وزير التعليم، ومن بعدها وزارة الداخلية في حكومة دامات فريد باشا، على انتقاد حركة النضال الوطني وحرب الاستقلال، ووجه سهام نقده الشديدة إلى مصطفى كمال كذلك، ووصف أعضاء حكومة الاتحاد والترقي بالجزارين، فكانت النتيجة أنه قُتل في عملية دُبِّر لها بإحكام، في الوقت الذي أفلت فيه مرتكبو هذه الجريمة من العقاب، بل إنهم كانوا يحصلون على مكافآت.

كان علي كمال يعي تماماً الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة في ذلك الوقت، ويعرف جيدًا أن عدم الالتزام بالاتفاقات الموقعة مع الغرب سيؤدي، لا محالة، لاندلاع أزمة كبيرة؛ فعلى سبيل المثال لم تنفذ الحكومة آنذاك المادة التي تضمنتها معاهدة برلين في عام 1878، والخاصة بقيام الإمبراطورية العثمانية بإصلاحات في الأقاليم الأرمينية في الأناضول الشرقية، تحت ذريعة أن عدد السكان الأرمن ليس كافياً هناك.

حذر علي كمال من أن الأمور ستزداد سوءًا إذا تأخر الإصلاح، لكن تحذيراته تلك لم تجد لها صدى لدى حكومة الاتحاد والترقي، بل إنها ظلت تشعر بانزعاج شديد من هذا الأمر، حتى قبل عام 1915؛ إذ  لم يكن يدور بخلد أحدهم  أنهم سيسعون لإيجاد حل جذري ﻟ "مشكلة الأرمن".

وفي رد فعل مباشر على مواقف علي كمال الوطنية صدرت بحقه مذكرة توقيف في عام 1922، وتم القبض عليه في نفس العام، وبالتحديد في 6 نوفمبر، واقتاده نائب رئيس شرطة إسطنبول، سعدي بك، إلى منطقة نور الدين باشا في إزميت.

وفي أثناء خضوعه للاستجواب، ومواجهته بالتهم التي وجهت إليه من قبل الباشا، قال علي كمال: إنه لا يخشى المثول أمام العدالة، لكن ما حدث أن الحشد تجمع في وقت قصير جدًا بأمر باشا، وأمرهم بقتل "خائن الوطن" على حد وصفهم. وبذلك لم يتمكن علي كمال من المثول أمام العدالة التي كان يثق فيها.  

تعرض علي كمال للضرب حتى فارق الحياة، سُحقت رأسه حتى صار من الصعب التعرف على ملامحه، وقام قتلته بالاستيلاء على خاتمه وأمواله، وحتى على ملابسه. وحتى ينجوا من الهجوم، قاموا بحمل علي كمال إلى المدعي العام في محكمة الاستقلال علي بك، وقد غُرس في صدره سكين، وقاموا بعد ذلك بربطه من قدميه، وطافوا به الشوارع. نهاية مؤلمة حقًا، ولكنها مألوفة بالنسبة إلينا، أليس كذلك؟

ما وددت قوله هو أن قصة جد جونسون، علي كمال، الذي يتفاخر به البعض في هذه الأيام، والذي وُصِم بالخيانة في الماضي، هي في حقيقة الأمر قصة مظلمة تدعو إلى الخجل. كانت جريمة القتل تلك دليلاً حياً على عدم الثقة في العدالة في تركيا. إن العرف السائد لدى مجموعة من المتغطرسين هو الذي يتم تطبيقه، وليست العقوبات الواردة في القانون. تحمل واقعة قتل علي كمال كذلك رسالة هدفها إخراس الصحافة، وتُذكر كل صحفي بأن عليه أن يتعقل حتى لا يلقى نفس المصير.  

لم تنتهِ القصة عند هذا الحد؛ إذ قامت حكومة الاتحاد والترقي، عقب مقتل علي كمال، بترحيل عائلته، وابنه زكي كونير ألب من البلاد، واستقر به المقام في سويسرا؛ حيث درس القانون. عاد الابن إلى تركيا، بعد ذلك، بإذن خاص من عصمت إينونو، وشغل مناصب دبلوماسية في وزارة الخارجية التركية في عدد من العواصم مثل بوخارست وبراغ وباريس وبرن ولندن. وفي عام 1978 تعرضت زوجة زكي كونير ألب، نجلاء كونير ألب، ومعها زوج أخته الدبلوماسي بشير بالجي أوغلو وزوجته وسائقهم الخاص، لإطلاق نار من جانب ثلاثة من أعضاء "الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا"، والمعروف اختصاراً بمنظمة "أسالا" الأرمينية، وقضوا نحبهم جميعاً.

نعم كانت عائلة ابن الصحفي، الذي طالما دافع عن حقوق الأرمن، وفقد حياته بسبب مواقفه الشجاعة، هدفاً لمنظمة "أسالا" الأرمينية. إلى هنا والقدر لم ينهِ لعبته بعد؛ إذ كان أمين ماهر بالجي أوغلو، ابن بشير بالجي أوغلو، الذي استشهد في مدريد، يعد دراسات حول الحوار التركي الأرمني في عام 2001، في وقت لم تكن فكرة الحوار تلك قد ظهرت بعد، وكان ينظم معارض مشتركة يشارك فيها فنانون أتراك وأرمن.  

فقد بالجي أوغلو في هذا الهجوم أمه وأباه وعمته كذلك، ومع ذلك فقد دفن ألمه الرهيب في أعماق قلبه، ولم يوقف مساعيه من أجل إقامة السلام بين الأرمن والأتراك.

وفي تصريح له لصحيفة حرييت قال بالجي أوغلو: "لقد عانيت من التفكك في الفترة الأولى من حياتي، لكنني لم أتأثر بهذا. وكان لأبي الراحل حصة كبيرة في هذا؛ لأنه لم يغرس فينا العداء تجاه التاريخ، بل غرس فينا، في المقابل، الحب والتسامح... وبالنسبة لموضوع 'أسالا'، لم يكن الأرمن هم الذين نفذوا هذا الهجوم، ولكنهم مجموعة من أصحاب القلوب المتحجرة. ولا يمكنني القول إن الأرمن كلهم مذنبون بسبب شخص أو شرذمة قليلين.." 

اللافت للانتباه هنا، أن أبناء أولئك الذين سعوا لتحقيق المساواة والعدالة قد استمروا على نفس الدرب، وأن أبناء الذين سعوا طلباً للسلطة والدم لا يزالون يواصلون سعيهم طلباً للسلطة والدم. 

لا شك في أن أول شيء لطم وجوهنا، ونحن نتذكر تلك الآلام، هو أن جبهة المعارضة آنذاك اتخذت، هي أيضاً، موقفاً مشابهاً لما تقوم به المعارضة في يومنا الحالي، عندما استسلمت لوصم أي من المتعاطفين مع الغرب بالخيانة. والأهم من ذلك أنها لم تلتفت إلى رغبة هؤلاء بمعاقبتهم وفقاً للقانون، واستسلمت بسهولة لقرار غوغائي بقتلهم.  

وكأن شيئاً لم يتغير على هذه الأرض. ومع هذا، فلا يمكن أن يصير النجاح حليف المعارضة تماماً مثل قادة الإسلام السياسي اليوم، الذين يطلبون العون من جونسون، ابن قرية "كَالَفَت"، وهم يحثون التراب في وجوه أعضاء الاتحاد والترقي، ويُعرِضون عن تصفح صفحات التاريخ المظلمة قبل مائة عام. لا يمكن لهؤلاء أن ينجحوا، وهم يعتبرون أن الذين طالبوا بمحاسبة حكومة الاتحاد والترقي على جرائمهم الدموية خائنين للوطن.  

هذا المقال يعكس آراء المؤلف وليس بالضرورة أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية". 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ingiltere/kalafatli-turk-johnson-ve-ermeni-sevici-dedesi-ali-kemal
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.